هيئة علماء المسلمين في العراق

حوار عن المقاومة العراقية مع طلعت رميح
حوار عن المقاومة العراقية مع طلعت رميح حوار عن المقاومة العراقية مع طلعت رميح

حوار عن المقاومة العراقية مع طلعت رميح

اجرت وكالة يقين للانباء حوارا مع طلعت رميح حول المقاومة العراقية الباسلة التي دخلت عامها السابع وانعكاس عملياتها المتصاعدة على استراتيجية الاحتلال الامريكي البغيض . وفي ما يأتي نص الحوار : استاذ طلعت ؛ بعد أسابيع قليلة تدخل انطلاقة المقاومة العراقية عامها السابع ، كيف تقيمون أداء المقاومة في المرحلة السابقة وانعكاساتها على إستراتيجية الاحتلال الأمريكي في العراق ؟

أ . طلعت : أنا اقسم عمل المقاومة وفق التقسيم الكلاسيكي العام الى ثلاثة مراحل:
- مرحلة البدء والنشأة .
- مرحلة إقامة قدر من التوازن الستراتيجي بين قوة المقاومة والعدو، القوة الشاملة للمقاومة بمعنى البعد العسكري والسياسي والجماهيري والإعلامي .
- المرحلة الثالثة ينقلب التوازن لمصلحة المقاومة فيخرج المحتل كرها او وفق اتفاق مع المقاومة ينهي الاحتلال.
في تقديري ان المقاومة العراقية دخلت المرحلة الأولى بزخم أذهل أفراد المقاومة العراقية انفسهم، ولم يذهل فقط العدو ولا الحلفاء والأصدقاء ، وكانت هناك حركة واسعة جدا غزيرة قدرة عسكرية عالية مكنت المقاومة رغم إنها كانت في جانب منها على درجة ما من العفوية كما هي نشأة كل المقاومات لكنها مكنت المقاومة من ان تحرز نجاحات استراتيجية.
المرحلة الأولى دائما لكل مقاومة هي طبيعة ذات نشأة محلية او اقليمية داخل الوطن المحتل بسبب ضغط العدو المكثف على المستوى المركزي والأرض العامة لكل بلد.
تمكنت المقاومة في هذه المرحلة من تحقيق انتصارات ذات طبيعة وافق استراتيجي كان أهمها : إيصال المحتل الى فكرة استراتيجية وهي انه غير قادر على المواجهة المسلحة مع المقاومة وانه إذا واجه المقاومة وفق طريقة حربية فهو الخاسر.
في المرحلة الأولى تمكنت المقاومة من إزالة او انهاء قدرة المحتل على فرض الاستسلام النفسي على الشعب العراقي، اندلاع المقاومة بهذه الطريقة وبهذه الكثافة بعد ما حدث للنظام السابق شكل نقطة متقدمة لإنهاض الوعي الشعبي وعدم الاستسلام او اليأس من فكرة مقاومة المحتل.
الأمر الثالث الذي حققته المقاومة في هذه المرحلة أنها تمكنت من فتح مساحة في المجتمع العراقي لظهور قوى عقائدية وفكرية وسياسية تمكن من تشكيل مظلة وغطاء للمقاومة العراقية ، اقصد ان العراق لم يكن يعرف الأحزاب السياسية والجماعات المتبلورة قبل دخول الاحتلال ، وإذا كان هناك من جماعات فكانت في الشمال وفي الجنوب بحكم ما جرى من إضعاف السلطة المركزية ، بمعنى ان الحالة الكردية العراقية وليس الأكراد ، أي الحزبين السياسيين العرقيين ، وليس جمهور الأكراد ، وضعف الدولة في الجنوب ودخول مجموعات من ايران مكن هذه القوى من ان تتبلور في أحزاب سياسية بل في تشكيل قوى عسكرية.

ظلت منطقة الوسط التي يعتمد عليها النظام في وجوده هي المنطقة التي لم تتمكن من إيجاد قوى سياسية وجماعات تكون قادرة على حمل الفكرة السياسية او العقائدية لفكرة المقاومة. ظهور المقاومة حقق في النسيج العراقي فتح إمكانية ظهور جماعات وقوى سياسية ولعل في تجديد المجتمع العراقي لذاته ولنفسه على المستوى الفكري والسياسي وكان ظهور هيئة علماء المسلمين ودورها ودفاعها عن المقاومة هو احد النجاحات الكبيرة للمجتمع العراقي في تطوير إمكانية استمرار المقاومة وفق غطاء سياسي.
النقطة الرابعة التي حققتها المقاومة في هذه المرحلة أنها ثبتت فكرة وإمكانية هزيمة الاحتلال لدى المجتمع العراقي بغض النظر عن مدى انتشارها في المرحلة الأولى كما تمكنت المقاومة عن طريق قدر من العمليات المخططة على نحو ما من إفشال مخطط الولايات المتحدة لإدخال قوات عربية او إسلامية تكون بديلا له او تحت سيطرته مما كان ممكن ان يربك الوضع. في هذه المرحلة حققت المقاومة العراقية انجازات كثيرة حينما وصلنا الى المرحلة الثانية والتي اؤقتها بعد معكرة الفلوجة الأولى في نهاية المعركة كان قد أصبح زخم فكرة المقاومة في المجتمع العراقي قد اتسع لا يجب ان لا يعترف احد بان المقاومة التي ظهرت في أوساط منطقة وسط العراق كان لها تأثير مهم على توجهات جيش المهدي في هذه المرحلة الأولى حيث جرى الاشتباك بينه وبين القوات الامريكية.
أيضا عودة ظهور جماعة أنصار الإسلام في مناطق الشمال والدور الذي لعب في الموصل كان جزء من تأثير المقاومة.
حينما حدثت معركة الفلوجة تثبت الوضع ، لكن في المرحلة الثانية الحقيقة نحن نلوم المقاومة لأنها لم تتمكن من تطوير أوضاعها السياسية على مستوى تشكيل جبهات وتوحيد قدرات الفصائل سمح هذا الأمر للخصم بالمناورة.
الولايات المتحدة ما بعد تقرير ( بيكر هاملتون ) توجهت لصناعة تحديات جديدة للمقاومة ،تحديات داخلية للمقاومة كما جرت بعد تقرير بيكر هاملتون عملية تهجير مقصودة عن طريق إثارة الفتن للحاضنة السكانية للمقاومة ، جرت عملية تطويع بعض القوى التي أثرت المقاومة في ظهورها مثل حركة الصدر وإدخالها في الحالة الطائفية عن طريق ضربات محسوبة ومدققة ودخول ايران ودخول بعض الأطياف الأخرى.
الخطة الامريكية الجديدة قامت على إثارة الفتنة بما يخلق تحدي جديد يتعلق بـالانقسام العرقي او المذهبي داخل العراق التي تحركت في اتجاهات تخدم مخطط تقسيم العراق ، هنا الخطة الامريكية الجديدة التي قامت على إيجاد تحديات داخل المجتمع العراقي تواكبت مع عدم قدرة المقاومة على إحداث انتقاله في هيكليتها وتشكيلها السياسي والفكري لتوحيد جهودها مما جعلنا ندخل في مرحلة تواجه فيها المقاومة تحديات داخلية صعبة خاصة بعد ظهور الصحوات ، لكن الحمد لله ان انتصارات المقاومة في المرحلة الثانية تمثلت : 
في عدم ابتلاع طعم تحدي ( دولة العراق الإسلامية ) الى درجة الوصول الى صراع شامل داخل المجتمع العراقي ، وهنا لعبت بعض الجماعات والتيارات الفكرية دور في تثبيط وإفشال خطة الولايات المتحدة لإيصال المجتمع الى صراع شامل.

حدث نفس الأمر مع ظواهر الصحوات وحدث ان تفكك جانب كبير منها وحدث نفس الأمر في قدرة المقاومة على نزع فتيل فكرة الحرب الأهلية ، ألان لا يمكن للمقاومة ان تنتقل في هذه المرحلة الى أفق تغيير الانقلاب الستراتيجي الا بتشكيل اطر سياسية وتنظيمية وعسكرية قادرة على حشد كل الطاقات في المجتمع العراقي وعلى توحيد راية واحدة وتنتقل الى المرحلة التي نحن فيها ألان

-: ما هي ابرز ملامح الصراع بين المقاومة العراقية والاحتلال الأمريكي من الوجهة الإستراتيجية؟

أ.طلعت: من الوجهة الإستراتيجية المعركة حسمت بمعنى انه كيف تحسم المعارك الستراتيجية ضد الاحتلال ؟
هناك بعض الأفكار المبسطة ، ان المعارك تحسم بـقدر الخسائر التي نوقعها في الاحتلال ، او ان المعركة تحسم بإنهاء دور جهاز الدولة الذي ينصبه الاحتلال في البلد المحتل ، لكن المعارك على النحو الإستراتيجي تحسم بعدم إمكانية الاحتلال ان يثبت أقدامه بشكل مشروع وراضي عنه الشعب المحتل.
هنا اندلاع المقاومة واستمرارها وتواصلها ينهي فكرة استقرار الاحتلال وكل احتلال لا يستقر يصبح في وضع مهزوم ، بمعنى إذا قارنا بين تجارب الاحتلال السابقة مثلا نأخذ الجزائر وتجربة الاحتلال في العراق ، الجزائر قاومت في بداية الاحتلال لكن الاحتلال استمر لاكثر من 130 عاما ، هنا حتى مع استقرار الاحتلال لأكثر من 130 سنة في النهاية تشكلت حركة وطنية حديثة مع تحديثات أدخلت في المجتمع وطرد الاحتلال لكنها في الحالة العراقية أمام شيء خاص جدا لم تشهده أي حالة مقاومة في التاريخ وهي ان المقاومة العراقية اندلعت في اللحظات الأولى وقد تتشابه في هذا مع بعض المقاومات لكنها واصلت واستمرت دون انقطاع ولم يتمكن الخصم الستراتيجي المحتل من انهاء مرحلة من مراحل الصراع ، بمعنى في الجزائر تمكن الاحتلال بالفعل من ان ينهي الفورة الأولى للمقاومة وان يعيش الاحتلال الفرنسي لفترة طويلة دون ان تتبلور مجموعات جديدة على نحو يقلقه بدرجة كبيرة.
إذا رأينا الحالة الفلسطينية فنحن منذ عام 1917 وحتى الآن في صراع تتغير فيه ملامح الحركة الوطنية الفلسطينية وحالة المقاومة بين مرحلة وأخرى حيث شهدت فلسطين ثورات في عامي 1935 و1936 ثم في الأربعينيات وما تزال ، لكنها أصبحت مقاومة ترتبط بتغير الأجيال جيل يهزم وجيل يتقدم ويرفع الراية ، في الحالة العراقية نحن أمام قوة شديدة في اندلاع المقاومة العراقية وثبات , الثبات هنا لا يعني ثبات قوة المقاومة لعدة امور :
الأمر الأول :لا توجد مقاومة في التاريخ تثبت قوتها ولا توجد مقاومة في التاريخ تتطور الى الأعلى بصفة مستمرة ، في بعض الأحيان يكون تطور المقاومة في إعادة ترتيب أطرها التنظيمية او الوصول الى حالات من الاندماجات او الاقتراب من بعضها البعض ، هذا عمل تطوري ولذلك أنا أقول ان المقاومة العراقية تميزت بأنها الحالة الوحيدة التي تمكنت من هزيمة حالة الاحتلال على نحو أكثر عجلة وسرعة لا يقترب منها سوى حركة طالبان التي تحولت من حركة في الحكم الى حركة مقاومة كما شهدنا في الصومال ميلاد حركة مقاومة تمكنت من إضعاف قوة الاحتلال ، لكن في الحالة العراقية تتميز بأنها اندلعت بقوة كبيرة ثم وصلت الى مرحلة حدث لها تحديات شديدة لكن هذه التحديات لم تتمكن من اقتلاع فكرة المقاومة او انهاء الكيانات الاساسية بالرغم من الضعف الذي قد أصاب هذه المقاومة ، فنعتقد ان الملمح الاستراتيجي الأساسي الذي يقاس عليه معيار الهزيمة والنصر متحقق للمقاومة العراقية.
الأمر الثاني : في انجاز او في الملامح الستراتيجية للصراع المقاومة العراقية حدث فيها تطور كان قد حدث في الحرب الفيتنامية على وقت زمني طويل ، المقاومة العراقية تمكنت من نقل المعركة من بغداد الى واشنطن وفي التأثير على الانتخابات الامريكية كما حدث في انتخابات الكونغرس خلال المدة الثانية للرئاسة الامريكية حيث لم ينجح الديمقراطيون في تلك الانتخابات في التجديد الثاني لجورج بوش الا وفق شعار واحد وهو انسحاب القوات الامريكية من العراق ، كما انها نجحت في التأثير على نحو ما في المجتمع الآخر الذي تحارب قواته بظهور المظاهرات وبإضعاف قدرته على مواصلة الاحتلال عن طريق الاقتصاد،  في اللحظة الراهنة يبدو لي ان الملامح الاساسية التي تواجهها المقاومة العراقية او خطوط الصراع الرئيسية تتلخص في:
ان المقاومة العراقية باتت مواجهة بخطة أمريكية تطويرية لخطة بيكر هاملتون بمعنى ان الخداع والتضليل الجاري منذ بيكر هاملتون وإثارة الفتن سيتصاعد أكثر في حالة اوباما بالنظر الى انه حينما تضعف القدرة على ممارسة العمل العسكري لدى الولايات المتحدة وبسبب الأوضاع الاقتصادية والعسكرية وبسبب أوضاع دولية كثيرة يصبح اللجوء الى حالة الفتن او استخدام القوة الناعمة هو الأكثر والأخطر والأشد ، وهذا الذي تلخصه فكرة الاتفاقية الأمنية وما بعدها في التعامل مع السلطة القائمة ، أنا اعتقد ان المقاومة مواجهة لتحدي يتعلق بمحاولة السلطة القائمة توسيع إطار وجودها داخل المجتمع العراقي .
الأمر الثالث: الصراع يتعلق بالمواجهة مع إيران باعتبارها حالة غير محسومة على نحو كامل بين مختلف مجموعات المقاومة في تحديد أولويات العداء وأولويات الصراع.
الأمر الرابع: اعتقد ان المقاومة ما تزال تحتاج الى دور كبير على صعيد أوضاعها الداخلية في توحيد قواها.
الأمر الخامس: ان المقاومة تعيش في حالة عرضية هي الأسوأ من نوعها وربما يحتاج الأمر الى قدر من التفكير في كيفية التعامل مع ظاهرة الحركة الجماهيرية العربية والنظام الرسمي العربي وفق رؤى مختلفة.

- : ما هي أوجه التشابه بين المقاومة العراقية والأفغانية في التصدي لمشروع الاحتلال الأمريكي؟

أ.طلعت:في حالة المقارنة بين المقاومة العراقية والأفغانية :
العامل الأول : الحالة العراقية أمام حالة مقاومة تأتي بعد ما حدث للنظام الرسمي السابق ، وفي الحالة الأفغانية نحن أمام تحول ذات الحركة الحاكمة من حالة الحكم الى حالة المقاومة .
العامل الثاني : نحن أمام مقاومتين ، المقاومة العراقية لم تجد أي سند او ظهير من أي دولة مجاورة بل كان خلاصة الدور الاقليمي هي حالة مضادة للمقاومة العراقية ، لكن في الحالة الأفغانية كل التقارير الغربية تتحدث عن ان باكستان رغم كل ما جرى على المستوى السياسي ورغم التنسيق في عمليات ما يسمى بمكافحة الإرهاب ، فان باكستان ظلت تنظر الى حركة طالبان باعتبارها الحركة الوحيدة التي تحقق لها استمرار عمق استراتيجي للأمن القومي الباكستاني ، هذا الأمر لم يحدث في حالة العراق بل بالعكس كان اختراق الحالة العراقية لتحقيق امن قومي معادي للحالة العراقية ، القصد ان باكستان طوال تاريخها في صراعها مع الهند ترى ان أفغانستان هي عمق وامتداد استراتيجي لباكستان ولذلك كانت تحرص على الدوام على إيجاد نظام يرتبط الى حد كبير بدولة تقوم على فكرة الإسلام وتتأسس على هذه الفكرة ، والحركة الأفغانية تأسست على هذا النحو.
العامل الثالث : المقاومة الأفغانية كانت قد مارست العمل ولديها تراث من الصراع المرتبط باستراتيجيات المقاومة ، لكن العراق ارتبط بنمط آخر من استراتيجيات المقاومة يقوم على ما يسمى بانتفاضات المدن الحضرية ، وعلى عبر تاريخ العراق وعبر أشكال من أشكال التغيير داخل السلطة التي خلفها الاحتلال عن طريق رموز القوات المسلحة ، الحركة في أفغانستان لم تكن كذلك لانه لم يكن هناك دولة قوية مستقرة في أفغانستان لفترات تاريخية طويلة ، ولذلك لم يكن جهاز الدولة مهيأ لا لان يقمع قوة حركة المقاومة ولا ان يسيطر على المناطق المختلفة في أفغانستان وكانت هناك تجربة مقاومة قريبة بخبرتها وبزادها وبسلاحها ماثلة لدى نفس الجيل الذي يمارس المقاومة ألان.
-:  من خلال متابعتكم للمقاومة في بلدان مختلفة ، الصومال ، فيتنام ، أفغانستان ، الشيشان ، هل استفادت المقاومة العراقية من المقاومة في تلك البلدان ؟

أ.طلعت:لا استطيع الجزم بنمط الاستفادة لكني استطيع ان أقول ان المكون العراقي الإنساني والحضاري شكل دافعا كبيرا لفكرة المقاومة واستطيع ان أقول القلق من تحول العراق الى دول محتلة ذات طبيعة مزمنة كما هو الحال في حالات إسلامية أخرى كان أيضا دافعا للهمة في ضرورة مواجهة الاحتلال بشكل أقوى ولتقصير الطريق ، ربما تكون دراسة التجربة الفلسطينية باعتبارها تجربة يعيشها كل العرب والمسلمون قد استقى منها البعض بعض الأنماط في أساليب العمل وتكتيكات الصراع خاصة ان الولايات المتحدة كانت هي ذاتها قد استفادت من التكتيكات الصهيونية المتبعة في مواجهة المقاومة الفلسطينية ، لكن لدينا حالة متميزة إذا قارنا الأوضاع في الصومال مع الأوضاع في العراق ، المقاومة في الصومال ظهرت من رحم مجتمع كان قد تفكك وسيطرت عليه ميليشيات أمراء الحرب ليستمر هذا الحال لفترة طويلة وبالتالي كان تبلورها هو تبلور من وسط أزمة مجتمع ودولة مركزية تفككت واستمر هذا الحال فترة طويلة ، ربما تكون المقاومة العراقية حدثت وفق قراءتها الآن من تجربة ان لا تصل الى مستوى تفكيك الدولة المركزية لفترة طويلة حتى تولد المقاومة حيث ولدت المقاومة في أسرع لحظة ، لكن دعني أقول بصراحة شديدة ـ ويعرف الجميع كم إنا اسخر حياتي لفكرة المقاومة بشكل عام ـ ان بعض الأمراض الموجودة في مختلف المقاومات في استمرار تفتتها وتفككها او عدم قدرتها على انجاز وحدة على ارضية استراتيجية صلبة وأخشى ان تكون مرضا منتشرا في مختلف أنحاء العالم العربي .

-:  دخل العراق بعد توقيعه على اتفاقية الإذعان مع الاحتلال الأمريكي مرحلة الاحتلال الدائم ، أين موقع القوى المقاومة والرافضة والمناهضة للاحتلال في المرحلة القادمة ؟

أ.طلعت : ان الولايات المتحدة تحاول إدخال العراق في مرحلة الاحتلال الدائم عن طريق الاتفاق الأمني ، المخاطر هنا تحديدا في ان المحتل يصدر السلطة التي أقامها في مواجهة المقاومة لكي يصنع صراعا داخليا داخل البلد المحتل ويصبح هو اداة إدارة للسلطة التي أقامها وحينما تضعف في مواجهة المقاومة يتدخل ،  ما بعد توقيع الاتفاق اعتقد انه أصبح تحدي السلطة القائمة هو تحدي بارز في المواجهة لكن نحن لدينا إشكالية في هذه السلطة أنها سلطة يجري فيها تقاسم النفوذ والأدوار بين محتلين ، بين الولايات المتحدة وإيران ، ونحن لدينا إشكالية بان هذه السلطة في تشكيلتها هي سلطة نقيض ليس فقط لأي سلطة وطنية وإنما هي نقيض لأي حكم عراقي صحيح باعتبارها سلطة لتفكيك العراق وليس لتجميع العراق ، وهنا في الحقيقة رأيين: هل نجعل من السلطة عدوا مباشرا واضحا بالدرجة الأولى وما خطورة هذا الأمر بالنسبة للاحتلال ؟ أم ان المقاومة يجب ان تركز ضرباتها على الاحتلال ، وهذا هو ما يضعف السلطة ويضعف النفوذ الايراني ؟
أنا ممن يقولون انه لا يوجد في الحياة اتجاه رئيسي واحد وان هذه الفكرة الفلسفية انتهت منذ زمن طويل ، منذ الحرب العالمية الثانية أصبح بالإمكان ان يتم التعاطي مع أربع او خمس تحديات رئيسية في نفس الوقت كل منها يجري بأسلوب مختلف عن الآخر وكل منها يتقدم او يتراجع وفق أولويات كل مرحلة ، فانا اعتقد ان المقاومة العراقية مطلوب منها الآن ان ترسم استراتيجية تتعامل مع التعقيدات المستحدثة في الوضع العراقي ، ومنها مسالة الاتفاقية الأمنية والإستراتيجية .
أنا اعتقد انه يجب ان ننظر الى هذه الاتفاقية من ثلاث زوايا:
النقطة الاولى : لو كان الاحتلال قد نجح في كسر شوكة المقاومة وجاءت الاتفاقية الأمنية لتتوج هذا لكنا اصبنا بالقلق.
النقطة الثانية : ان السلطة التي شكلها الاحتلال تحتوي في داخلها قدر من التناقضات والصراعات وقدر من تحولها الى حالة طغمة أكثر من تغلغلها وسط الناس بما يسهل كثيرا الصراع معها.
النقطة الثالثة : ان المقاومة العراقية تمكنت على المستوى العسكري والتنظيمي والجماهيري وحتى الإعلامي من تطوير أوضاعها لكن يبدو لي ان هناك ضرورة لتشكيل اطر سياسية او إطار سياسي وطني عام موحد يكون هو الراية المقابلة للسلطة التي يقيمها الاحتلال.
حينما يقيم الاحتلال سلطة يسعى الى الحصول لها على شرعية من الإقليم وعلى شرعية من الشعب الذي يحتله ويحرص في ذات الوقت على ان تكون هذه الشرعيات وهي شرعيات زائفة ترتبط برأيه هو وتقديراته في السيطرة عليها.
هنا المقاومة يجب ان تقيم إطارا سياسيا مقابلا لإفقاد هذه السلطة شرعيتها وهذا ما تم من خلال ما يسمى بتشكيل الجبهات الوطنية التي تشكل في واقع الحال منظمة سياسية بديلة للسلطة التي يقيمها الاحتلال وبديلة للاحتلال في ذاته.
وهذا ما حدث في كل حالات المقاومة ، حدث في حالة منظمة التحرير الفلسطينية مع ملاحظة ما وصلت إليه ، حدث في فيتنام حينما أقيمت جبهة الفيتكونغ رغم ان الحزب الشيوعي الفيتنامي كان الحزب الرئيسي في الجنوب والشمال لكنه لم يشكل الحزب الشيوعي في فيتنام الجنوبية بالدرجة الأولى وإنما شكل جبهة ، حدث هذا في مقاومة النازية في كل البلاد التي دخل إليها النازيين وحدث  في لاوس وكمبوديا وكل حركات الصراع لكن المقاومة العراقية شكلت الراية التي يتوجه إليها كل الناس ، عنوان واحد لكل الجمهور العراقي ، شكلت الإطار النازع لشرعية السلطة التي يقيمها الاحتلال.
أنا في تقديري ان ما بعد الاتفاقية الأمنية أصبح من الضرورة ان تتشكل هذه المنظمة الجديدة التي تضم أطياف من الشعب العراقي لتكون هي البديل لسلطة الاحتلال على ان تواصل المقاومة استهداف قوات الاحتلال بالدرجة الأولى وهنا نصبح في مواجهة ذات خطة أكثر تعقيدا في مواجهة الاحتلالين والمواجهة العسكرية ومواجهة بالقدرة التنظيمية ومواجهة بمنظمة سياسية تسعى للحصول على اعتراف محلي في داخل العراق تسعى لأخذ انضمامات جديدة من الشعب العراقي من كل قواه وتصنع زخما واسعا يفكك كل الآليات التي يستخدمها الاحتلال لتثبيت شرعية سلطة الاحتلال ، تحصل على اعتراف من الأحزاب والتيارات العربية والإسلامية والدولية لتفرض نفسها كسلطة بديلة للعراق بالتزامن مع العمل العسكري الموجه ضد سلطة الاحتلال وقوات الاحتلال.

-: ما هي أوجه التشابه بين ما تعرضت له المقاومة والشعب في معركة الفلوجة الثانية وما يجري في غزة ؟
أ.طلعت:هذا سؤال عبقري .. بفضل الله ، ليلة دخول قوات الاحتلال الصهيوني الى غزة خرج المحللون العسكريون ليتحدثوا عن ان معركة غزة يجب ان تقتدي بجنوب لبنان، فهرولت مسرعا الى كل من اعرفه وقلت له يجب ان تعرف المقاومة الفلسطينية في غزة ان معركتها تتماها مع معركة الفلوجة ومع مخيم جنين ، وان من يقول لها اقتدي بما حدث مع حزب الله يغرق هذه المقاومة وهو ينتهي دوره الى نفس الحالة التي حدثت أثناء معركة بغداد حيث كان الجميع يتحدث عن معركة ضخمة ستجري بين الجيش العراقي والجيش الامريكي في بغداد وكنت أقول لكل الناس يجب ان تتطلعوا الى المقاومة ، وجه الشبه بين الفلوجة وغزة هو في خطة العدو:
الأمر الأول : خطة العدو قامت في الفلوجة وتقوم في غزة على فكرة تركيز الحرب على المدنيين وإصابة اكبر عدد منهم بالقتل والتهجير والمحارق .. الخ من اجل تشكيل اداة ضغط على المقاومين.
الأمر الثاني: في كلا الحالتين يكاد يكون العدو قد استخدم نفس الأسلحة بما في ذلك الفسفور الأبيض وطائرات الهليكوبتر ولدي بعض التقارير التي تتحدث عن ان بعضا من الخبراء الصهاينة كانوا ضمن خطة إدارة معركة الفلوجة مع القوات الامريكية فيما يتعلق بعمليات الاغتيال والعمليات الموجهة وفيما يتعلق بخبرتهم المكثفة في الاعتداءات على الشعب الفلسطيني ، حيث كانوا أكثر تميزا من الأمريكان باعتبار الأمريكان منذ حرب فيتنام لم يكونوا قد دخلوا معارك.
الأمر الثالث: في معركتي الفلوجة وغزة ظهرت قدرات استراتيجية لدى المقاومة في إدارة المعركة.
دعني أتحدث عن معركة الفلوجة بشكل خاص ، في تلك المعركة لاحظ المحللون والمتابعون ان معركة الفلوجة لم تكن تجري على ارض الفلوجة وإنما هي امتدت من أبو غريب الى كل الطريق المؤدي للفلوجة فتمكنت المقاومة من تحقيق حالة من تشتيت القوة لدى الخصم من قطع طرق إمداداته وإضعاف الروح المعنوية لقواته زمنعه من تحقيق قدر من الالتفافات ، ولذلك نجد ان العدو في معركة الفلوجة الثانية انتدب قوات بريطانية من الجنوب لكي تحل محله في السيطرة على مناطق معينة ولتامين إمداداته.
المقاومة الفلسطينية في إطار معركتها الحالية في غزة على صعيد تقديراتها وإدارتها الستراتيجية للمعركة يبدو لي إنها سارت وفق رؤية استراتيجية لإطالة أمد المعركة والاقتصاد في استخدام القوة ولامتلاك زمام المبادرة الإستراتيجية عن طريق تطوير عمليات القصف على نحو يتسع ويزيد داخل العمق الصهيوني.
لكن هناك فارق بين معركة الفلوجة ومعركة غزة حيث ان معركة غزة هي معركة منطقة محاصرة بالكامل دون أي امتداد ، لكن الفلوجة مدينة حوصرت وسط جغرافيا دولة كاملة ، وأظن ان احد الدروس الاساسية في معركة الفلوجة الثانية هي استنتاج المقاومين ليس من الصحيح أبداً الدفاع من مواقع ثابتة ضد جيش أمريكي او جيش مزود بالتكنولوجيا يتقدم لاحتلال المدن.

-:  توقيع الحكومة الحالية مع الاحتلال اتفاقية الإذعان ، هل يفسر هذا بداية النهاية للمهمة كما يصفونها في العراق ؟ وما هي أسباب التركيز على أفغانستان من قبل إدارة الاحتلال الجديدة ؟

أ.طلعت : فيما يتعلق بالجزء الأول من السؤال.. أنا اعتقد ان المهمة التي انتهت هي مهمة المالكي وليس مهمة الاحتلال ، الاحتلال يدرك انه لا يستطيع السيطرة على العراق عن طريق تقليل قواته، في تقديري ان الاحتلال يحاول تقليص نفقاته وخسائره في العراق ، الانسحاب من المدن الى القواعد الثابتة هو محاولة لتقليل حالة الاحتكاك مع المقاومة وأنا اعتقد ان المقاومة تدرك هذا جيدا ولا شك أنها تتحضر الى مرحلة يجري فيها ملاحقة المحتل داخل ثكناته بعد ان هرب من الشوارع ، ان توقيع الاتفاق الأمني مع المالكي يعني تحميله هذه البيعة ليخرج او لأنه يعرف ان طرق التخلص ممن يرتبطون بالاحتلال لا تكون بالديمقراطية وإنما تكون بنفس الطريقة التي جاءوا بها.
الشق الثاني من السؤال .. رؤيتي الآن ان المعركة تحولت الى باكستان وليست في أفغانستان ، ان المخطط الستراتيجي الامريكي الآن والصهيوني أصبح يتوجه الى تفكيك باكستان وهذه هي المعركة الجارية الآن، هناك باحث أمريكيهو  العقيد رالف بيترز نشر دراسة اسمها ( حدود الدم ) ي مجلة القوات الجوية الامريكية لإعادة ترتيب المنطقة وإزالة الحدود كان من ضمنها تفكيك باكستان وإقامة دولة البشتون التي يستقل فيها عرقية البشتون في باكستان وافغانستان في دولة واحدة.
اعتقد ان اوباما ذاهب الى باكستان وليس الى أفغانستان وان المسالة لا علاقة لها لا بأسامة بن لادن ولا الإرهاب ، لها علاقة بالإطلال على حدود الصين.

الحوار يعبر عن رأي صاحبه
ص

أضف تعليق