عدم مشاركة ملايين الناخبين العراقيين رغم دعوة المرجعية الدينية يعني فقدان ثقة الناخب بها وبأحزابها الدينية .المشاكل التي رافقت انتخابات مجالس المحافظات التي جرت السبت الماضي عديدة ،
لكن أهمها كان عزوف نصف اعداد الناخبين تقريبا عن التقدم للادلاء بأصواتهم وهذا ما لم يحدث من قبل خصوصا وان تلك الأعداد قد تضاعفت ما بين انتخابات عام 2005 التي كانت تدور حول ثمانية ملايين ناخب وبين العام الحالي 2009 ونحن نتحدث عن 15 مليون ناخب لم يذهب الى الانتخابات الا نصفهم حسب احصائية المفوضية العامة للانتخابات.
هذا العزوف له اسبابه ، وهي لا تقتصر على جزئية واحدة ، ففي نظرنا انها حلقة ساهمت ظروف كثيرة ببلورتها واقنعت الناخب في نهاية المطاف بعدم اعطاء صوته لاي كان ، فبدا بذلك معاقبا الجميع واولهم شخصه فليس هناك ابشع من تخلّي الانسان مجبرا عن حق له.
كان من المفترض والمنطقي ان ترتفع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات لسببين رئيسيين اولها : ( الوضع الامني المتحسن ) مقارنة بعام 2005 ، وثانيهما :المشاركة الواسعة للعرب السنة في هذه الانتخابات وذلك على خلاف سابقتها التي وصلت نسبة المشاركة فيها 56% ، ورغم ذلك فان نسبة المشاركة في هذه الانتخابات لم تتجاوز 51% وفقا لما صرّحت به مفوضية الانتخابات، وهو أمر غاية في الخطورة اذا ما اخذت الحكومة الحالية تحديدا تداعيات مثل هذه الحالة على محمل الجد وسارعت في تفادي حصولها مستقبلا.
أولى اسباب عزوف الناخب العراقي عن الادلاء بصوته يعود الى ما قامت به جهات محددة من تحرك علني لشراء أصوات الناخبين وذلك بانتهاجها طرق ملتوية تمثّلت حينا بتوزيع مبالغ عينية وحينا اخر عن طريق ما أسمته ( هدايا وزكاة وصدقات ) ترافق بعضها اجبار مستلم هذه المبالغ بالقسم على المصحف الشريف بالتصويت لقائمة محددة، ومن الاسباب ايضا هو ما قامت به جماعات محددة من محاولات تشويهية وتسقيطية ضد اطراف اخرى مساهمة في الانتخابات معها فبدت في موقع الغير ملتزم بأدنى الثوابت الوطنية فضلا عن الثوابت الاخلاقية واطر الاختلاف مع الاخر، اضافة الى تزوير هذه الجهات لبيانات المرجعية الشيعية بحجة تأييد الاخيرة لقوائمهم وهو ما زاد الامر سوءا وامتعاضا ونقمة.
عدم مشاركة نصف الناخبين، ونحن نتحدث هنا عن سبعة ملايين ونصف صوت ، يعد بمثابة صفعة للاحزاب الدينية التي ضربت أسوء مثل في ادارة الدولة بشكل عام ومجالس المحافظات خاصة فضلا عن طريقة التعالي وعدم المبالاة في التعامل مع المواطن وتلبية احتياجاته من الخدمات الملحّة.
عدم المشاركة لملايين الناخبين رغم دعوة المرجعية الدينية وغالبية الكتل السياسية والتجمعات المدنية يعني بالدرجة الاولى فقدان ثقة الناخب بكل هذه الحلقة بضمنها المرجعية الدينية بشقيها الشيعي والسني التي اكدّت كالعادة "وجوب التصويت" وبالرغم من ذلك لم يكترث الناخب لهذه الفتوى.
فقدان ثقة الناخب بكل هذه الحلقة له ما يبرره فسنوات اربع مرت كانت كافية ليقتنع نصف الناخبين بعدم جدوى التغيير بينما ذهب النصف الاخر على أمل التغيير .. مكتفيا بعدم التصويت لمجاميع الفساد وتجّار الدين والمتحايلين على الوطن والمواطن ، فأعطى البعض صوته مقتنعا بينما صوّت البعض الاخر نكاية وكرها وامتعاضا لاطراف محددة فشلت فشلا ذريعا في ادراة المحافظات ،فبدا الوضع العام اشبه بالقول المأثور "مصائب قوم عند قوم فوائد".
في نهاية المطاف ، الانقسام في الشارع العراقي يعطي انطباعا عن مدى ادراك وفهم الناخب العراقي الذي تطوّر خلال فترة انتخابية واحدة وهو ما ينبئ بنجاح التحول الديمقراطي في العراق اذا ما استمر الوضع على الوتيرة التي عليها ، اضافة الى ذلك فان الانقسام يعني ان التحايل على الناخب العراقي والاتكاء على ذاكرته القصيرة ليس بالامر السهل ، فلم تعد الشعارات الدينية سلاحا كما ظنّت بعض المجاميع التي راهنت عليها وتبنتها ، بل واتخذتها حجر الزاوية في حملتها الانتخابية ، وكأن الناخب العراقي ليس بمسلم ولا ينقصه الا اللطم والتطبير، كذلك الحال مع دعاة التقسيم الطائفي والمذهبي والمناطقي ومن تبنّوا شعارات الانفصال تحت لافتة الفيدرالية وتشكيل الاقاليم فحاولوا دغدغة مشاعر العامة من الناس عبر الوعود في القول دون العمل ، فبدا الناخب العراقي اذكى من ان تنطلي عليه مثل تلك الشعارات والاقاويل.
اخيرا يبقى امام القوائم الفائزة فرصة للاستفادة من اخطاء من سبقوهم واكثر من مجال لاثبات حسن النوايا واعادة ثقة الناخب بنفسه وبمن انتخبهم ، والا فان عاقبة عدم الايفاء بالوعود والالتزامات التي قطعتها تلك القوائم يعني عزوف النصف الاخر عن الادلاء باصواتهم في الانتخابات القادمة خصوصا ونحن امام انتخابات مجلس النواب في نهاية العام الحالي.
أما القوائم التي لم يحالفها الحظ فنتمنى ان تكون قد ادركت انها امام ناخب ذكي يعرف كيف يتصرف في الوقت المناسب من دون ان يخسر شيئا البتة.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
عزوف (7.5 ) مليون ناخب ، ماذا يعني ؟ بقلم : رياض الحسيني
