هيئة علماء المسلمين في العراق

المال السياسي، خذوه بجرمه.. صباح علي الشاهر
المال السياسي، خذوه بجرمه.. صباح علي الشاهر المال السياسي، خذوه بجرمه.. صباح علي الشاهر

المال السياسي، خذوه بجرمه.. صباح علي الشاهر

((مثلنا مثل غيرنا، نعرف على وجه اليقين كيف كان يعيش بعض أولئك الذين امتطاهم الاحتلال قبل أن يصبحوا أصحاب ملايين)).. كم هو راتب عضو مجلس المحافظة في العراق؟. لا أعرف، ولربما لا يعرف الكثيرون. هذا أمر يبدو أنه من الأسرار العليا. بعضهم يقول مُبالغاً خمسة آلاف دولار، وبعضهم يقول ليس أكثر من ألف وخمسمائة دولار، لنفترض أنه الوسط بين الأعلى والأدنى، ولنقل انه نصف الخمسة آلاف دولار، فإن السيد عضو مجلس المحافظة سيحصل على 30 ألف دولار سنوياً، وعلى افتراض أنه سيظل عضواً طيلة الدورة الانتخابية فإنه سيتقاضى 120 ألف دولار عن مدة خدمته كعضو مجلس محافظة.

ومن يتابع الحملة الانتخابية لمجالس المحافظات العراقية ونفقاتها سيفاجأ بأن أغلبية المرشحين المتنفذين والمسنودين مما يُسمى بالأحزاب الكبيرة ينفقون على حملاتهم الانتخابية ما يناهز الربع مليون دولار (إذا تجاهلنا المرشحين "الكعيبرية" (سقط المتاع) ممن يسمون مستقلين، والذين لا تربطهم بجهة متنفذة أية رابطة، وكذا الأحزاب والتشكيلات غير الطائفية وغير الحكومية، فهؤلاء بالكاد يستطيعون رفع لافتة في عرض شارع)، إذا استثنينا هؤلاء فإن ما ينفق الآن على الحملات الانتخابية في العراق الجائع لا مثيل له.

ربع مليون دولار، ويمكن أقل بقليل أو كثير، أو أكثر بقليل أو كثير، هو ما ينفقه المرشح السمين، ووصل الأمر ببعض المرشحين إلى تقديم مائة دولار لكل من يعطيه صوته، فإذا أفلح هذا المرشح في كسب 2000 صوت بهذه الطريقة فإنه سينفق مائتي الف دولار فقط في هذه الحالة، وبالاحتكام إلى مصاريف الدعاية والإعلان التي فاقت كل تصور، فإن السيد المرشح السمين لعضوية مجلس المحافظة المرتقب يكون قد أنفق مقدماً ضعف ما سيتقاضاه من عمله كعضو مجلس محافظة طيلة خدمته.

من أين تأتي كل هذه الأموال؟. سؤال لا يمكن المرور عليه مرّ الكرام، ولا بد من أن يجد له إجابة. نحن لا نملك هذه الإجابة، فأغلب الأسماء السمينة اليوم كانت إلى ما قبل التاسع من نيسان عام 2003 عجفاء، بالكاد تستطيع تدبير قوتها اليومي.

في بدايات تسلمه لمهام منصبه كعضو في مجلس الحكم، شكى السيد المعمم رئيس مجلس الحكم أمام الكويتيين، وعلى الملأ، من أنه لا يملك بيتاً. هل هو الآن لا يملك بيتاً؟. حسب المعلومات المتوفرة لدينا أنه الآن يملك كل شيء تقريباً، عقارات بلا عد، وشركات لا تحد، وصحافة وجامعة حتى. والسيد المعمم ليس سوى مثال، وقد يكون مثالاً بسيطاً إذا قورن بأولئك الذين هجموا على الأملاك العامة وأملاك الدولة هجوم التتار.

نحن، مثلنا مثل غيرنا، نعرف على وجه اليقين كيف كان يعيش بعض أولئك الذين امتطاهم الاحتلال، وأدخلهم بمعيته، أدلاء وتابعين، أو التحقوا به فيما بعد. نعرف أنهم وبالمطلق تقريباً كانوا إما يعتاشون على الأعمال الهامشية التي لا يكاد مردودها المادي يسد الرمق، أو يعتمدون على الإعانة الاجتماعية.

يُقال ان راتب المستشار المُعين من سيده بريمر كان خمسة عشر ألف دولار باستثناء المخصصات والنثريات. ويُقال أيضاً ان حاكم العراق الأميركي كان كريماً في تثبيت رواتب أتباعه في مجلس الحكم أو مجلس الوزراء، او المؤسسات العسكرية والشرطية والأمنية، لا بل حتى فيما سُمي بمنظمات المجتمع المدني.

وعذر السيد بريمر أن حياة هؤلاء كانت معرضة للخطر، فقد كان الموت يترصدهم في كل حين ممن سماهم بريمر بالإرهابيين، وهم الوطنيون الرافضون لوجود بريمر وحشوده وأتباعه على أرض العراق الطاهرة.

نعم، تبدل الحال، وحصل هؤلاء الذين خدموا المحتل على رواتب مجزية، ولكن حتى إذا ما حسبنا كل هذه الرواتب التي لم تكن في حقيقتها رواتب، وإنما هي بصريح الوصف أثمان الخيانة، فإن كامل ما استلم كأجر للخيانة بالكاد يجعل هؤلاء يملكون بيتاً مناسباً، وربما بضعة آلاف من الدولارات في بعض البنوك. هذه الرواتب وبأي حساب، ومهما ضخمناها فإنها سوف لا ولن تخلق هذه الثروة الأسطورية، وفي بلد منكوب ومخرّب بالكامل، بلد ينعدم فيه أي نشاط اقتصادي سوي وطبيعي.

لو كنا بلداً متطوراُ فيه رأسمالية نشطة واقتصاد مزدهر، ولدينا منتجون منغمسون بالعملية الإنتاجية ونشطاء اقتصاديون يحركون عجلة الاقتصاد، ويراكمون الغنى، فإن ظهور المال السياسي يكون أمراً مفهوماً، وربما هو تحصيل حاصل. أما وان العراق مثلما نراه، أما وان حالتنا كما هي عليه اليوم، فإن ظهور المال السياسي الفاسد المُفسد، وبهذا الشكل الذي فاق كل تصور، لن يكون إلا تعبيراً ومؤشراً صارخاً على واحد من أمرين:

إما عن الفساد والسرقة والنهب المنظم الذي يزواله في مفاصل الدولة وخارجها سراق ومزورون من طراز خاص.

أو أن يكون مصدر هذا المال ما وراء الحدود، حيث يتدفق بلا حساب على الأتباع والمشايعين الذين امتهنوا المتاجرة بالوطن لحساب هذا النظام أو ذاك.

وفي كلتا الحالتين فإن المكان الذي يليق بهؤلاء الفاسدين (سواء أكانوا حواسم ما بعد التاسع من نيسان من الفاسدين والمزورين والمرتشين، أم أولئك الذين رهنوا البلد ومستقبله بمن يجثم خلف الحدود، قرب أم بعد) مكان هؤلاء خلف القضبان مع اللصوص والمجرمين لا في موقع قيادة هذا الشعب المنكوب والمُبتلى.


ميدل ايست اونلاين

المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق