كان الحوار موصولاً بيني وبين الدكتور مثنى حارث الضاري، عضو مجلس شورى هيئة علماء المسلمين بالعراق ومسؤول الثقافة والإعلام في الهيئة، عن أحوال العراق وعن دور الهيئة في الحياة السياسية والدينية هناك.
اهتمامي بدور هيئة العلماء ينبع من الحضور السياسي والإعلامي الكبير لها خلال السنوات الماضية، ونجاحها في تقديم خطاب إسلامي ديني وسياسي ناضج ووسطي ومعتدل في التعامل مع قضية بالغة التعقيد والحساسية ، حتى كسبت عقول وقلوب الملايين داخل العراق وخارجه ، ونجحت في أن تحظى باحترام الحكومات العربية المختلفة ، التي رأت فيها صوتاً عاقلاً ومعتدلاً وواعياً بالمخاطر التي تتهدد العراق والمنطقة من خلاله ، وأيضاً وجدت فيه الصوت الجامع لوحدة العراق والمصر على رفض أي مشروعات للتجزئة تحت مسمى الفيدرالية أو غيرها.
فاجأني مثنى الضاري بقوله إن تجربة الهيئة ونشأتها تستلهم التجربة الفريدة لجمعية علماء المسلمين في الجزائر ، التي أسسها الشيخ ( عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي والعربي التبسي ) وآخرون ، والتي قادت الجزائر في أصعب ظروفها التاريخية ؛ فقاومت الاحتلال الأجنبي من جهة ، وحافظت على وحدة البلاد من جهة ثانية ، وحافظت على هوية الجزائر العربية المسلمة من جهة ثالثة ، وهذا تقريباً هو الدور الذي تقوم به هيئة علماء المسلمين في العراق الآن.
لفت انتباهي أيضاً الى أن الصحيفة التي تصدرها الهيئة في العراق تحمل نفس اسم الصحيفة التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين في الجزائر ، صحيفة (البصائر)، وما زالت تصدر حتى الآن، وإن كان وهجها قد خفت؛ لأن التاريخ تجاوزها اليوم في الجزائر، وقد أصدرت هيئة علماء المسلمين بالعراق خلال الشهر الماضي كتاباً وثائقياً ضخماً من مجلدين كبيرين ، تحت عنوان "بيانات هيئة علماء المسلمين في العراق .. حصاد الاحتلال الأمريكي للعراق"، أرادت به أن توثق تاريخ احتلال العراق ، من خلال بياناتها التي كانت تصدرها مع كل حدث جديد ، حتى تحوّلت تلك البيانات إلى مرآة شبه يومية للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في العراق المحتل ، وهي وثائق أعتقد أنها مهمة للغاية لكل مهتم بالشأن العراقي وتطوراته في فترة الاحتلال الخطيرة التي وضعت العراق الدولة والشعب والتاريخ على مفترق طرق ، وقد لفت نظري في الدراسة التي قدمت لهذه الوثائق إصرار الهيئة على مواقفها الحافظة لوحدة العراق ، والتي تنأى بنفسها عن الطائفية وعن التمزيق؛ إذ تقول الدراسة التي تصدرت هذا السفر الكبير ما نصه (كان موقف الهيئة من العراقيين على اختلاف أطيافهم وألوانهم واحداً ، فلم تعن بطائفة دون أخرى ، أو عرق دون آخر ، وكانت ترفض أية محاولة للتفريق بين أبناء الشعب العراقي على هذه الأسس، ولها موقف واضح، أعربت عنه في أكثر من بيان ، في تجريم من يستبيح دماء العراقيين ، أو يكفرهم بالنظر إلى هذه الاعتبارات ، ولم تستثن الهيئة من اهتماماتها أية أقلية ، مهما قل عددها ؛ فالعراقيون جميعاً أبناء وطن واحد ، تعرض لاحتلال أجنبي من شماله إلى جنوبه ، وعلى الجميع أن يهبوا لإنقاذ وطنهم) .
حكى لي مثنى الضاري وقائع مؤلمة عن الاعتداءات المتوالية على الهيئة ورجالها وقادتها ومنتسبيها وحتى على مقراتها ، فقال: إن شهداء الهيئة وصلوا إلى أكثر من مائة حتى اليوم بمن فيهم علماء كبار ، فضلاً عن المفقودين الذين لا يُعلم شيء عنهم ، وعن مئات المعتقلين والمطاردين ، وفضلاً عن العديد من المقرات التي تم الاستيلاء عليها من جهات مختلفة والمداهمات التي تقوم بها قوات الاحتلال لمقراتها ومساكن قياداتها ، غير أنه أكد على أن كل هذه المعاناة لم تنجح في إخراج الهيئة عن طريقها الذي اختارته ، طريق الوسطية والاعتدال والخطاب السياسي الجامع لأطياف الشعب العراقي ، عندما واجهته بما يتردد الآن في بعض الدوائر من أن العراق كدولة ووطن قد انتهى وأصبح تاريخاً ، رفض هذه الرؤية التشاؤمية ، واعتبر أن من يروجون لها هم ( أثرياء الحرب ) والمتاجرون بالانقسام الحالي ، ولكنهم إلى زوال ، خاصة بعد أن بدأ العراقيون يبصرون النتائج الكارثية للفتنة وأنهار الدم !!
بدا الرجل متفائلاً بالمستقبل ، وأعترفُ أني خرجت من لقائي معه بروح متفائلة لمستقبل هذا البلد العربي العزيز .
ح
وثائق هيئة علماء المسلمين في العراق / جمال سلطان
