هيئة علماء المسلمين في العراق

إدارة أوباما ووعد الانسحاب من العراق.. أزراج عمر
إدارة أوباما ووعد الانسحاب من العراق.. أزراج عمر إدارة أوباما ووعد الانسحاب من العراق.. أزراج عمر

إدارة أوباما ووعد الانسحاب من العراق.. أزراج عمر

من بين النقاط المركزية التي خاض الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونائبه جون بايدن نقطة الانسحاب من العراق في ظرف زمني محدد بـ16 شهرا، وفي خطابه الذي ألقاه على أنصاره ووجهه إلى العالم قاطبة أكد من جديد على أنه سيسحب قواته العسكرية من العراق ليتركه لأهله. من الناحية السياسية فإن أوباما يملك كل الأوراق ليفي بوعده، ولكن هل ستتركه المؤسسة العسكرية ووكالة المخابرات الأمريكية أن ينجز الانسحاب؟. ثم هل سيفعل ذلك بشكل كلي وشامل، أم انه سيقوم بانسحاب جزئي على أساس الاحتفاظ بمجموعة من القواعد العسكرية في منطقة كردستان العراق وعلى الشريط الحدودي بين إيران والعراق مستعملا ذلك كورقة ضغط على طهران التي لم تقبل حتى الآن ولو مبدئيا بوقف تخصيب اليورانيوم؟.

إذا أخذنا بعين الاعتبار مجموعة من القضايا الاستراتيجية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مثل استخدام الفضاء العراقي كمنطقة نفوذ، وكمعبر إلى آسيا الوسطى، فهل ستقبل القوى المتنفذة في وزارة الدفاع الأمريكية بتجسيد وعد أوباما الانتخابي، أم انها ستخلق له الكوابح على نحو غير مباشر؟. ثم هل يوجد مطلب عربي فعلي وحقيقي بخصوص استعادة العراق لسيادته كاملة وغير منقوصة؟.

قبل الإجابة عن هذه الحزمة من الأسئلة، فإنه من الضروري تأمل سلسلة من المناقشات التي تدور بين عدد من الاستراتيجيين الذين لهم ضلع في رسم إحداثيات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بشكل عام، وفي العراق بشكل خاص.

وبهذا الصدد فإن مجلة شؤون خارجية الأمريكية نشرت في عددها الصادر في نوفمبر/ ديسمبر 2008 مقالا للسيد مارك لينتش أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن يردّ فيه على كتاب (في شكل تقرير إستراتيجي) من إنجاز ثلاث شخصيات أمريكية لها نفوذ في الحياة السياسية الأمريكية، يحمل هذا الكتاب عنوان (كيف يترك العراق في حالة استقرار)، أما مؤلفوه فهم ستيفن بايدل ومايكل أوهانلون وكنيث بولاك.

الصبر الذي يؤخر الانسحاب:

بالنسبة لمارك لينتش فإن الأفكار التي يتزعمها مؤلفو الكتاب المذكور آنفا والتي تتضمن دعوة غير غامضة إلى عدم الانسحاب الفوري والكامل من العراق ليست سليمة، وليست مشجعة، إن الشخصيات الثلاث بايدل وأوهانلون وبولاك تقترح سياسة استراتيجية الصبر الذي يؤخر الانسحاب الكبير للقوات العسكرية لعدة سنوات، وحتى بعد إجراء الانتخابات العراقية الوطنية والمحلية.

إن مثل هذا الاقتراح في رأي مارك لينتش يرتكز على أطروحة مضمونها يتمثل في أن الانسحاب الأمريكي مشروط بإنجاز الاستقرار التام في العراق، وبهذا الشأن يعتقد لينتش أن الخطأ في هذا الاقتراح يكمن في الاعتقاد بأن توفير الأمن أكثر هو المفتاح لتحقيق التنازل السياسي.

من هذا النقاش نستنتج أن الخلاف بين البروفسور لينتش من جهة وبين بايدل وأوهانلون وبولاك من جهة أخرى، له عدة أوجه: بالنسبة للينتش فإن الانسحاب على المدى الطويل سوف يقوي القوى العراقية للاحتلال الأمريكي مما يجعلها تحصل على عدد أكبر من المقاعد في الانتخابات المحلية والانتخابات الوطنية الكبرى التي من شأنها أن تقرر مصير الأغلبية البرلمانية ومنصبي الرئيس ورئاسة الوزراء.

وهكذا فإن الانسحاب التدريجي على المدى الطويل لا يصب في صالح العناصر العراقية الموالية لأمريكا حسب تحليل لينتش.

المصالحة عن طريق الخطوات الصغيرة:

أما النقطة الثانية التي هي محل خلاف بين الاستراتيجيين الأمريكيين فتخص مسألة المصالحة في العراق، حسب رأي كل ما بايدل وأوهانلون وبولاك، فإن المطلوب هو إنجاز المصالحة ببطء عن طريق الخطوات الصغيرة بدلا من صفقة كبيرة يتم التفاوض حولها سريعا في وجه الانسحاب الأمريكي الوشيك.

كما يعتقد هذا الثالوث بأن الاستقرار المتزايد جنبا إلى جنب الأمن الذي يضمنه تحسين قوى الأمن سوف يوفران لنظام المالكي السيطرة على الوضع في العراق، إلى جانب هذا، فإن رؤية بايدل وأوهانلون وبولاك تشترط أن يتزامن هذا التكتيك مع تمسك أمريكا بالصرامة.

كما نرى، فإن وجهة نظر مارك لينتش تنحو نحوا مختلفا اذ تفضل الانسحاب الأمريكي وفقا للمدة الزمنية التي حددها باراك أوباما حتى لا يبقى الوجود العسكري حاجزا دون تحقيق الاستقرار السياسي والأمني معا.

بانوراما المشهد السياسي الأمريكي:

بناء على هذا النقاش الدائر فإن المشهد السياسي الأمريكي ليس متجانسا، بل إنه يفصح عن وجود خلافات عميقة بين الصقور داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، أو لنقل في جزء منها.

ومما لا شك فيه أن هذا التباين سوف يطفح إلى السطح قريبا بعد انتهاء شهر عسل تنصيب أوباما، وهنالك عدة فرضيات يمكن للمحلل السياسي أن يطرحها من أجل قراءة بانوراما ما سوف يحصل بعد شهرين أو ثلاثة أشهر.

فالفرضية الأولى تتعلق بالتوقعات الخاصة بالعلاقات الإيرانية– الأمريكية المرتطبة بنقطتين مفصليتين، وهما:

1- الحوار حول الملف النووي الإيراني.
2- التباحث، ولو من بعيد، بخصوص نفوذ إيران في العراق.

فالواقع الميداني بخصوص النقطة الثانية يؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل أن تترك العراق للنفوذ الإيراني، وكما أن مسألة الحوار حول الملف النووي الإيراني لا يمكن أن تحسم بجرة قلم خاصة وأن إيران ترفض المساومة على تخصيب اليورانيوم الذي تعتبره حقا وطنيا غير قابل للمناقشة أو التنازل.

بالنظر إلى هذين المعطيين فإن إدارة باراك أوباما سوف تخلق لنفسها الأعذار والمسوغات لإبقاء جزء كبير من قواتها العسكرية في العراق لتحقيق هدفين، وهما:

- الحيلولة دون ما يدعى في السياسة الأمريكية بالتدخل الإيراني في الشؤون العراقية.
- ممارسة الضغط العسكري في حال رفض طهران وقف تخصيب اليورانيوم، وفتح منشآتها النووية لتفتيش وكالة الطاقة الذرية الدولية.

ومما لا شك فيه أن التحرك الأوروبي الراهن لمسح تنظيم مجاهدي خلق من لائحة المنظمات الإرهابية هو بإيعاز أمريكي لمساومة إيران، ولتأكيد الاختلاف مع حكومة المالكي ومجلس أمنها القومي الذي أعلن مستشاره مؤخرا أنه ينوي إخراج منظمة مجاهدي خلق من الأراضي العراقية.

إن هذا الموقف بالنسبة لأمريكا هو بداية ظهور للنفوذ الإيراني في العراق بشكل ملموس، وعلى نحو يجردها من ورقة تهدف إلى استعمالها ضد إيران في الوقت اللازم.

تداعيات الانسحاب الأمريكي:

أما الفرضية الثانية فتتعلق بما سيحدث بعد الانسحاب الأمريكي الكامل من العراق قبل تسوية ثلاث مشاكل حادة ومعقدة لها علاقة باسرائيل، وتتلخص في الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وفي علاقة سوريا بإسرائيل من جهة وبحزب الله اللبناني وبإيران من جهة أخرى، إن الوجود العسكري الأمريكي في العراق هو مطلب إسرائيلي أيضا، وإن هذا الوجود يلعب دور الحاجز بين إيران وسوريا، وهذا ما تعوّل عليه الدولة العبرية في حال نشوب حرب بينها وبين دمشق.

ومن هنا، فإن اسرائيل سوف تقوم بضغوط قوية بمعية اللوبي الصهيوني في أمريكا ومجموعة من الشخصيات الموالية لها في داخل أروقة البيت الأبيض والكونغرس حتى تغير إدارة أوباما من موقفها الذي ينحو نحو الانسحاب السريع والكامل من العراق.

إضافة إلى ما تقدم، فإن هناك من يتوقع أن تحرك جهات معينة داخل النسيج العراقي وتيرة العنف لكي تستخدمه هي باعتبارها موالية لأمريكا، وتفضل بقاء قواتها العسكرية كضمانة للاستمرار في الاستحواذ على الحكم في العراق، وهكذا تكون هذه الجهات المؤمركة قد حققت مطلب إسرائيل ومطلب الصقور في أمريكا ذاتها في إيجاد مبررات لعدم الانسحاب وفقا لوعد باراك أوباما.

الموقف العربي:

من الواضح أن التمزق العربي الشامل قد لعب ولا يزال يلعب أدوارا حاسمة في تنصل الأنظمة العربية من قضية العراق وسيادته، إلى جانب ذلك، فإن مجموعة من الدول العربية التي توجد على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية، عن طريق الرضى الكامل، لن تعارض بناء الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية في العراق، بل العكس هو الذي سوف يبرز إلى السطح، وزيادة على ذلك فإن هذه الدول ترتبط بدورها بالعلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل التي تعتمد استراتيجيا على القبضة الأمريكية القوية والتي تفكر بشكل دقيق ومصيري في دعم الوجود العسكري الأمريكي في شكل قواعد عسكرية دائمة أو في شكل جيش مصغر ومجهز وجاهز لردع سوريا أو إيران في حالة نشوب حرب.

بالنظر إلى كل هذه الاعتبارات والعوامل فإن الانسحاب العسكري الأمريكي الكامل من العراق سوف يبقى قضية معقدة ومحاطة بعلامات استفهام كثيرة، وإنه من المحتمل أن يجهض جوهريا، ويفرّغ من المحتوى ليتحول إلى قواعد عسكرية أو إلى شكل من أشكال الوجود العسكري الأمريكي الذي يشبه ذلك الموجود في اليابان وفي كوريا الجنوبية.


العرب اونلاين

المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق