تدفع محرقة غزّة بتداعياتها الأولية إلى التأمل والتفكير، ليس في أسبابها ونتائجها على مستقبل المنطقة عامة والشعب الفلسطيني تحديدا وإنما بدرجة ملحّة في الاستراتيجيات التي يمكن اعتمادها وتوخيها من الفلسطينيين في إدارة الصراع مع المحتلّ الإسرائيلي.
فقد شكّل صمود سكان غزة، المدنيين والمقاتلين، طيلة ثلاثة أسابيع أمام الوحشيّة الإسرائيلية قيمة مضافة لـ"الرأسمال الرمزيّ" لنضال الشعب الفلسطيني الذي أصبح مثار إعجاب وافتخار لدى الشعوب العربية وحتى لدى حكامها، هؤلاء الحكام الذين هرعوا يقدّمون الدعم المادي الواسع والمتنوع، فشكرا لهم جميعا، ولكن هل يَكف هذا التعاطف المالي الإنساني والقومي مع شعب غزّة؟. وهل كان ذلك هو المطلوب أصلا لدى الفلسطينيين؟.
لقد كان من الأهداف الثابتة للحركة الصهيونية، والدولة تاليا، إعاقة أية محاولة من شأنها أن تساعد الفلسطينيين على بناء أسس دولتهم المستقبلية، والتخطيط للقضاء عليها إن بانت ملامحها.
فإسرائيل بطبيعتها وبخوفها "الفطري" الأبدي لن تسمح بقيام الكيان الفلسطيني المفترض، كما يؤكّد الكثير من منظّري الصهيونية وزعمائها؛ لأن الدولة الصهيونية لا تتصور أن تستمر في أمن وطمأنينة ما دام هناك من يطالب وإن بالجزء اليسير مما أقرّته الأمم المتحدة منذ قرار التقسيم وصولا إلى قرار 242، فخوفها الأبديّ نابع من استمرار المطالبة بالحقّ الفلسطيني ومن الديمغرافيا الفلسطينية أيضا التي تلاحقها كل يوم، وتقضّ مضاجعها.
ولن تتوقّف إسرائيل، على خلفية ذلك، عن ارتكاب مثل هذه الجرائم البشعة، ولن ترتدع عن القيام بأشنع منها ما دامت تمتلك أشكالا مختلفة من الوسائل العسكرية الضاربة والرادعة، وحتى افتضاح بشاعة ما ارتكبت لن يمنعها من معاودة العدوان، إلا أنها على يقين بعمق علاقتها بالغرب..
وفي الوقت الذي تدرك فيه أن الشعب الفلسطيني لن يستسلم ولن يفرّط في حقوقه المشروعة، فإنها تدرك عدم استعداد الدول العربية لتبنّي خيار المقاومة لتحرير الأرض أو على الأقل تقديم المساعدة للفلسطينيين ليختاروا الوسائل الكفيلة لتحقيق آمالهم..
لذلك، ألَمْ يكن من الأجدى بالأنظمة العربية لو أنها ساعدت سكان غزة على رفع الحصار قبل حدوث الكارثة؟. ألَم يكن من الأفضل أيضا لهذه الأنظمة تقديم السلاح والدعم المالي لقوى المقاومة الفاعلة حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها وعن شعبها، الأمر الذي قد يساعد على تقليص الخسائر المادية والبشرية؟!.
لقد اعتمدت الحركة الصهيونية، وتاليا الدولة، العنف بمختلف أشكاله كأفضل الأساليب لتحقيق أهدافها ولفضّ نزاعاتها مع العرب عامة والفلسطينيين خاصة، ووظفت كل إمكانياتها المادية والسياسية حتى تتحول إلى أكبر دولة في المنطقة تمتلك أكثر أنواع الأسلحة تطورا وفتكا.
وقد بيّنت التجربة القصيرة لهذه الدولة، أنها لن تتوانى عن استخدام كل وسائل الفتك والدمار ضدّ كل من تسوّل له نفسه تحديها أو تجاوز إرادتها، فهي تعتبر نفسها الضحية على الدوام، أما الآخرون الذين قد يحترزون أو ينتقدون أو يحتجون أو يقاومون فهم "مجرمون" ضدّ الدولة وضدّ اليهودي الملاحق دائما من قوى الشرّ!.
تغتبط إسرائيل كثيرا وتسعد جدّا وهي ترى التبرعات المالية والمادية والعينية العربية والدولية تتدفّق على السكان الفلسطينيين بعد كل مجزرة تنفذها، ولا تعترض على ذلك، بل قد تشجع تلك العمليات ولا تعرقلها؛ لأن ما تقوم به الدول العربية، بعد خراب البصرة، يحقق لإسرائيل والأنظمة العربية هدفين قد يكونان متباينين بالنسبة لكل طرف:
يتمثّل الهدف الأول في إعفاء إسرائيل من عبء تحمّل أي نوع من المسؤولية، سواء كانت مالية أو قانونية، الناتجة عن الدمار والتخريب والمآسي التي لحقت الآلاف من السكان الأبرياء ناهيك عن العدد الكبير جدا من القتلى الشهداء والجرحى.
أما الثاني فيتمثّل في أن العملية "الإنسانية" العربية الرسمية تلك تريح ضمائر كل الأنظمة العربية من مسؤولية ما حدث ومن تداعياته السياسية والمادية مما قد يدفعها إلى عدم المبالاة..
ببساطة، إسرائيل هي على وعي وإدراك مسبّق بأن معالجة الأنظمة العربية لمأساة غزة بتلك الطريقة الإنسانية سيريحها ماديا وقانونيا، وسيشجّعها أيضا على تكرار عدوانها بالطريقة نفسها أو بطريقة أشنع ما دام هناك من هو على استعداد للدفع، ولا شكّ في أن الكرم العربي هذا سيُديم انتصار إسرائيل وتفوقها على العرب والفلسطينيين، وتُسند دوام قدراتها على البقاء بالشكل الذي ترغب.
إن ما يزعج إسرائيل حقّا هو إقدام الدول العربية على مساعدة الفلسطينيين على امتلاك الحدّ الأدنى من الوسائل الكفاحية الضرورية الكفيلة بإيقاع الألم بسكان إسرائيل، وهو ما يساهم، بدرجة أو أخرى، في تغيير الواقع وجعل الطرف الآخر يدفع بدوره الثمن، ويحسّ بما أصاب ويصيب البشر الآخرين في الضفة وغزة ولبنان..
وبالتالي فإن ما هو مطلوب من الأنظمة العربية، ليس تقديم المساعدات المالية والعينية بعد كل مجزرة إسرائيلية، بل أن تقوم تلك الأنظمة بعملية "استباقية" مالية، أي تقديم المال للمقاومين لشراء ما يلزمهم من سلاح ومعدّات لمواجهة العدوّ.
والأمر لا يتطلّب الكثير من المال والمساعدات بالنظر لقلّة تكاليف الأسلحة المستخدمة التي أثبتت نجاعتها النفسية وتأثيراتها العميقة على الصهاينة نظرا لهشاشة البنيان الاجتماعي والنفسي لهذا الكيان، ولكن هل يملك الفلسطينيون لوحدهم القدرة على إنجاز ذلك؟.
إن ما يزعج إسرائيل ويقضّ مضاجعها هو ثبات الفلسطينيين على خيار المقاومة بغضّ النظر عن أشكال المقاومة وأدواتها سواء كانت مظاهرات أو اعتصامات أو إلقاء الحجارة أو غرز السكاكين أو إلقاء القسّام..
وكان لافتا أن تهرع قيادات دول الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد توقف المجزرة إلى إسرائيل لتجتمع مع القيادات الصهيونية، ليس للَومها أو معاتبتها لاستخدام ما أصبح يعرف بـ"العنف المفرط" والأسلحة المحرّمة دوليا، بل لتهنئة قيادة الدولة على ما أنجزت من مجازر ومؤازرتها في الوحل الأخلاقي والسياسي الذي غطست فيه.
لم يقترب أحد من مسؤولي الاتحاد الأوروبيين من قطاع غزة لمعاينة التدمير والبؤس الذي أصبح يعيش فيه سكان القطاع، في الوقت الذي استنفر فيه العالم الغربي، كل العالم، من أجل تحقيق رغبة إسرائيل في ما أطلقت عليه "مكافحة تهريب الأسلحة إلى غزّة"، استنفر هذا العالم المتحضّر دون السؤال عن حقيقة هذه الأسلحة المهرّبة وطبيعتها ونوعها؟.
تَعرف دول الاتحاد الأوروبي أن إسرائيل تقوم منذ مدة طويلة بمراقبة سواحل غزة، وأنها حقّقت، حسب ما زعمت، نجاحات كبيرة في مهمتها تلك، لوحدها ودون حاجة لأطراف أخرى، وهو الأمر الذي تدلّ عليه الخسائر الضئيلة جدا التي لحقت بإسرائيل، خلال هذا العدوان ومن قبله، وهو ما يبرهن على عدم امتلاك المقاومة الفلسطينية في غزّة وفي الضفة أي نوع من أنواع الأسلحة التي قد تلحق بإسرائيل الألم الذي تخشاه والأذى الذي لا تتمناه، فلماذا هذا الحشد من الفرقاطات البحرية المسلّحة على شاطئ غزة إذن؟.
يظهر أن ما ترغب إسرائيل في تحقيقه من وجود سفن التفتيش الدولية هذه، هو المزيد من ابتزاز الدول الغربية أولا، وإشراكها في جريمة إعادة محاصرة غزة ثانيا، وحتى تظلّ في عيون الغربيين، الضحيّة على الدوام ثالثا، أي الدولة الديمقراطية المهدَّدة من الفلسطينيين وبعض العرب "المتوحّشين" الذين يعملون بطرق شتّى لبناء دولة ثيوقراطية على حدودها، هذه الدولة التي لا تهدّد إسرائيل في كيانها، بل كيان بقية الدول العربية المحيطة، المعتدلة، حسب تعبير وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، أما الشعب الفلسطيني في غزّة والضفة فليذهب إلى الجحيم وليدفع ضريبة اختياراته التي صفّقت لها وباركتها في السابق مختلف الدول الغربية بدون استثناء...
فالشكر كل الشكر للأنظمة العربية التي تحدّثت عن تخصيص مبالغ مهمة لإعادة بناء ما تهدّم من غزة، لكن الشكر سيتضاعف إذا عملت هذه الأنظمة على تقديم الأموال للفلسطينيين للتسلّح حتى تتمكّن المقاومة من مواجهة مشاريع الفتك والدّمار المستمرة بأقل الخسائر، فلن ترتوي دولة إسرائيل من الدم الفلسطيني إلا إذا رأى زعماؤها دماء أبنائهم وهي تسيل كما تسيل الدماء الفلسطينية.
إنها ليست دعوة للعنف أو الموت أو الدمار، بل هي دعوة للحياة، حياة العزّة والكرامة، وهي الطريقة الأجدى على ما يظهر التي بإمكانها فضح حقيقة المحتلّ وإيقاف عنفه بالطريقة الأجدى بعد استنفاد الطرق الأخرى التي فرّطت في السلاح...
فليواصل الشعب الفلسطيني كل أنواع المقاومة دون أن يفرّط في خيار المقاومة العنيفة التي ستجبر المحتل في الأخير، لا محالة، على القبول بالأمر الواقع...
العرب اونلاين
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
هل المطلوب من الأنظمة العربية إعادة إعمار قطاع غزّة فقط؟!.. د. عبد اللّطيف الحنّاشي
