هيئة علماء المسلمين في العراق

محرقة غزة بين كي الوعي ومكر التاريخ.. د. عبد اللّطيف الحنّاشي
محرقة غزة بين كي الوعي ومكر التاريخ.. د. عبد اللّطيف الحنّاشي محرقة غزة بين كي الوعي ومكر التاريخ.. د. عبد اللّطيف الحنّاشي

محرقة غزة بين كي الوعي ومكر التاريخ.. د. عبد اللّطيف الحنّاشي

بعيدا عن عمليات جرد الحساب التي تتعلق بخسائر وأرباح محرقة غزة 2009 الذي أخذ يروّج له كل طرف من أطراف الصراع، القائم بالجريمة \"الدولة الصهيونية\" والضحية \"شعب غزة وقيادة حماس\" سواء في ما يتعلق بالخسائر المادية المباشرة أو غير المباشرة أو الخسائر البشرية من شهداء وجرحى مشوهين ومرضى نفسيين.. فمن السهل التأكيد على أن خسائر غزة حسب تقديرات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني كانت حوالي ملياري دولار، في حين تشير تقارير إسرائيلية إلى أن التقديرات الأولية "لخسائر" إسرائيل قد تصل إلى أكثر من 5 مليار شيكل.

ومع الإقرار بالفوارق الواضحة والصارخة بين نوعية الخسائر وحجمها بين الطرفين من جهة، وبقدرة الفلسطينيين وإرادتهم على إعادة التشييد والإعمار والرعاية والتعويض المادي بفضل الهبات والتبرعات العربية الرسمية والشعبية والدولية من جهة أخرى.. فإن المسألة تتجاوز في عمقها، حسب تقديرنا، بكثير هذه المعادلة بشكلها المباشر.

فمن المؤكد أن كل حرب تخلّف مآسي ضخمة ومتفاوتة لكلا طرفي الصراع، ويختلف الأمر ويتعاظم عند اختلال موازين القوى بين الاثنين، وتبعا لذلك فإن خسائر الشعب الفلسطيني، وكالعادة، كانت ضخمة وموجعة وأليمة، غير أن ما لحق بالدولة الصهيونية المعتدية وما سيلحقها سوف يكون أكثر بكثير مما تتوقع تلك الدولة وتقدر...

فعلى خلفية نظرية "كيّ الوعي" الأمنية والردعية كان هدف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية المعلن من "العملية" هو "الدفاع عن سكان دولة إسرائيل من خلال تحسين الأوضاع الأمنية لجنوب البلاد لمدة طويلة، وذلك من خلال ضرب البنى التحتية الإرهابية المتعاظمة التابعة لـحركة حماس وشلّ جميع قدرات حلفائها من المنظمات من إطلاق للصواريخ وقذائف الهاون وإيقاف قيام تلك المنظمات بعمليات إرهابية من أنواع مختلفة مثل اختطاف مواطنين إسرائيليين". غير أن هذا الهدف "أو قل الأهداف" المباشر أو المعلن لم يتحقق منه "أو منها" سوى الدمار وقتل المزيد من المدنيين الأبرياء..

وقد أكدت أطراف إسرائيلية شديدة الإطلاع على أن ما تمكنت إسرائيل من تحقيقه كان تعطيلا محدودا لقدرة "حماس" على إطلاق الصواريخ، لكن ليس بصورة كبيرة للغاية، وبالتالي فإن غزو القوات البرية الإسرائيلية لم يُغيّر من نتيجة العملية العسكرية فيما يخص هدفها المباشر، أي حتى على مستوى تقليص إطلاق الصواريخ على إسرائيل، بل ان قوات حماس تمكنت إلى آخر يوم من العدوان من إطلاق صواريخها التي وصلت إلى مناطق لم تصلها من قبل كبئر السبع وأسدود وعسقلان، كما تمكنت حركة حماس وبقية المنظمات الفلسطينية المقاومة من الاحتفاظ بسلاحها سليما وببنيتها الأساسية العسكرية.

كما لم تتمكن القوات العسكرية والأمنية الإسرائيلية من القضاء على قيادة حماس السياسية والعسكرية "كما فعلت عدة المرات في السابق" إذ كان هجومها الأول المباغت قد استهدف مباشرة المقرات الأمنية والسياسية لحركة حماس ومنازل وبيوت قياداتها بهدف القضاء عليها وإحداث فراغ أمني وسياسي تستغله أطراف أخرى "معادية لحماس"، أو على الأقل إتاحة الفرصة "للجماهير" حتى تتمرّد على القيادة "وكأن حركة حماس أجبرت الناس على انتخابها"، غير أن الأمر لم يحدث أيضا رغم تواصل القصف العنيف والحرب النفسية الواسعة طيلة ثلاثة أسابيع..

وبالنتيجة لم تحقق إسرائيل أيا من أهدافها المعلنة والخفية، بل ربما كان العكس هو الذي حصل، إذ لم تشهد غزة رغم كل ما حدث أي تنديد أو "تأفّف" من سلوك قيادة حماس ومنظماتها العسكرية، وبرز تماسك وتعاطف وتآزر بين الناس، وبينهم وبين القيادة..!

وعلى العكس من كل ذلك، وعلى المستوى الخارجي الغربي والدولي، أخذت الأسئلة تقضّ الكثير من مضاجع تفكير الغربيين وغيرهم حول جدوى تلك التصرفات غير الإنسانية والسلوك الإسرائيلي المتوحش، فقد أخذت المواقف النوعية تتقاطر حتى من اليهود ومن أصدقائهم، فقد كتب السياسي الإسرائيلي المخضرم يوري أفنيري قائلا: "ستنطبع صورة إسرائيل في ذهن العالم كوحش ملطّخ بالدماء... وستنتج عن ذلك عواقب وخيمة على مستقبلنا على المدى البعيد..."

واعتبر آفي شلايم، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، أن "إسرائيل باتت دولة مارقة تنتهك القانون الدولي، وتمتلك أسلحة الدمار الشامل، وتمارس الإرهاب، وتستخدم العنف ضد المدنيين لأهداف سياسية".

أما المؤرخ إيلان بابي، الأكثر دراية بعمق النظرية الصهيونية وأبعادها العنصرية، فقد كتب "إننا لسنا بحاجة إلى إدانة المجازر فحسب، بل إلى الطعن بشرعية هذه العقيدة، فالصهيونية هي عقيدة تدعم التطهير العرقي والاحتلال والمجازر الجماعية، فالصهيونية عقيدة عنصرية تسعى إلى الهيمنة".

في حين شبّه نائب يهودي بريطاني "جيرالد كوفمان" العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بتصرفات النازيين الذين قتلوا جدته في سريرها، وأرغموا عائلته على الفرار إلى بولندا. كما بيّن ستيفان هيسل، وهو أحد الناجين من المحرقة النازية، في برنامج فرنسي تلفزي على الهواء بحضور المفكرين طارق رمضان والمؤرخ إلياس صنبر، أن "إسرائيل لا تعيش إلا بالحرب ولا تريد السلام".

أما البروفيسور جاك بيرس الطبيب الفرنسي اليهودي الذي كان يعالج ضحايا محرقة غزة فقد توجه إلى الإسرائيليين قائلا: "كفى، عار على ضحية سابقة أن تكون جلاداً، وتعيد إنتاج الظلم التاريخي الذي تعرضت له، على شعب آخر بريء من دون ذنب، ستدفعون ثمن هذا الهولوكوست يوماً ما ما لم تذهبوا سريعاً إلى الخيار الاستراتيجي، خيار السلام العادل، وإقامة دولتين لشعبين، نحن عملياً وموضوعياً من يدفع الثمن، لا إسرائيل، والعالم يتفرّج على فصول هذه التراجيديا، وكأنها لا تعنيه، أقصى ما هنالك أن يقدم لنا مساعدات إنسانية وبعض التعاطف، لا أكثر، هذا مؤسف جداً، بل هذا عار، لا بد من حل سياسي، لا بد من نهاية لهذه التراجيديا الطويلة. ستون سنة مرّت، هذا يكفي. أنا مدين للعرب باعتذار أرجو قبوله، اعتذار عن كل ما تفعله دولة إسرائيل بحقكم، هؤلاء صهاينة لا يهود".

بعد المحرقة الجديدة أخذت الأسئلة الجريئة تسري وتُطرح في العراء من أصدقاء إسرائيل أنفسهم، ناهيك عن الكثير من المحلّلين المحايدين، فقد أخذ بعض منهم في التساؤل عن قيمة الانتصارات التي تدّعي إسرائيل أنها حقّقتها لسكانها منذ قيامها؟ وعن قدرتها الفعلية للتحول إلى دولة طبيعية في محيطها؟ وعن حدود تمكّنها فعليا من توفير الحرية والأمن والأمان والطمأنينة لسكانها خاصة مع الخوف المتأصل في قلوب سكانها اليهود؟ إذ بيّنت التجربة القريبة جدا أن سبب تضرّر هؤلاء أو وفاة بعض منهم لم يكن بسبب إصابات مباشرة، بل بسبب الجزع والخوف!.

لذلك يتساءل كثير من المتابعين عن مصير هؤلاء السكان وهذه الدولة في حالة خوض حرب متكافئة مع طرف واحد أو عدة أطراف يملك البعض منها قدرات صاروخية باليستية قادرة على تدمير إسرائيل بكاملها؟، فإسرائيل لم تعد قلعة محمية بالمطلق لا يمكن اختراقها كما كان الأمر في السابق.

لقد أثبت بعض الكتاب من اليهود بأن الصهيونية تخلق جدليّة القضاء على نفسها بنفسها، وبينوا أن النظرية الصهيونية الأمنية والردعية المرتكزة على مفهوم "كيّ الوعي" قد أثبتت فشلها باعتبار أنها تمثّل منهجية كولونيالية صدئة وعقيمة، فشلت منذ زمن طويل في غير مكان.

وتساءلوا عن الذي ستحصده إسرائيل بعد كل الذي بذرته في أرجاء فلسطين ولبنان غير بذور الكراهية والحقد والثأر. فإسرائيل لن تكسب على المدى الطويل من "حرب غزة" سوى المزيد من الأعداء الجدد وبروز أجيال جديدة من المقاومين الذين شاهدوا بأم أعينهم ما فعلت إسرائيل بهم وبعائلاتهم وأقاربهم وجيرانهم وأحبتهم وشعبهم.

لقد بينت تجارب التاريخ أنه ما من مقاومة ضد الآخر، الغازي المحتل، يمكن أن تفني شعبا، بل ان العكس هو الذي يحدث عادة، فالمجازر الشبيهة التي حدثت لشعوب أخرى قبل هذا الذي حدث في غزة شكلت نقلة نوعية في صيرورة مقاومة تلك الشعوب للاحتلال.

ففي الجزائر مثلا وعقب انتصار الحلفاء على القوات النازيّة صدّق الشعب الجزائري الخطاب الديمقراطي الغربي، وخرج إلى الشارع يوم 8 ماي 1945 فرحا بالانتصار وطالب بحريّته، فما كان من القوات الفرنسية الجوية والبرية إلا قصف سكان مدينتي "سطيف" و"قالما" من الجو ومحاصرتهما برّا بالدبابات مما خلّف حوالي 45000 شهيد وتدمير عشرات المداشر والقرى..

لم يستسلم الشعب الجزائري، ولَملم جراحه بسرعة، وأعاد تنظيم صفوفه، ومن أعماق تلك المجزرة نتأت "اللجنة الثورية للوحدة والعمل" التي ستفجّر الثورة الجزائرية سنة 1954 التي ستقود بعد ثماني سنوات فقط البلاد إلى الاستقلال.

ألاَ يبدو الوضع اليوم في فلسطين بعد ستين سنة من الاحتلال والاغتصاب فقط أفضل بكثير مما كان عليه حال الجزائر بعد 115 سنة من الاحتلال والاستيطان؟!.

إن الحقيقة الثابتة التي أخذت تتكرّس يوما بعد آخر، عند الكثير من القطاعات في العالم العربي وحتى الغربي وبشكل واسع، هي أن دولة إسرائيل الصهيونية لا يمكن أن تعيش إلا بالحرب، وهي لا ترغب في السلام ولا تريده، لذلك سيتواصل عدوانها وبأشكال مختلفة تماما مثلما سيستمر سقوط الضحايا، ولن ينتهي الصراع إلا بعد أن يحقق الشعب الفلسطيني أهدافه الدنيا التي أقرتها الأمم المتحدة.

وبالتالي فقد تكون هذه المحرقة بداية لمرحلة جديدة سيتوقف عندها الشعب طويلا لاستخلاص الدروس والعبر يكون مدخلها الطبيعي إعادة الوحدة والوئام بين كل الفصائل الوطنية بعد صياغة برنامج الحدّ الأدنى الوطني الذي يعمل ويناضل في إطاره الجميع، وهو أمر لا مفرّ منه لتجاوز المحن، والأمل كبير في قدرة القوى الفلسطينية الحيّة في إبداع أشكال وطرق ووسائل جديدة للنضال حتى تثبت من جديد أن للتاريخ مكره أيضا كما يقول الفيلسوف الألماني هيجل...


العرب اونلاين


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق