أطاحت الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية، وانتقلت إلى دول أوروبا والدول العربية والإسلامية بالكثير من أموال واستثمارات العرب، وألقت بظلالها علي أسواق المال العربية وعلى الأنشطة الاقتصادية كافة.
فقد رأى البعض أن الأزمة المالية العالمية تدق ناقوس إنذار قوي أمام المسؤولين عن السياسات المالية والنقدية في العالم العربي والإسلامي لوضع خطط احتياطية مستقبلية وإقامة أنظمة اقتصادية مستقلة مطالبين بضرورة التكامل بين السياسات المالية والنقدية، فقد كشفت الأزمة المالية هشاشة النظام المصرفي الغربي المستمد جذوره من الرأسمالية والذي يتمثل في تطبيق نموذج أوحد تفرضه على العالم أجمع.
وعلى صعيد التأثيرات السياسية تكهن البعض بانهيار نظام القطب الأوحد الذي تترأسه الولايات المتحدة الأمريكية وإعادة ترتيب موازين القوى في العالم وانهيار العولمة التي تحاول بها الولايات المتحدة أمركة العالم.
وللتعرف أكثر على تأثيرات الأزمة المالية العالمية على العالم العربي والمواطن العربي وتداعياتها السياسية كان لموقع المسلم هذا الحوار مع الدكتور عبد الحميد الغزالي الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة والخبير في الصيرفة الإسلامية، وقد أكد من جهته أن المعاملات الربوية الراهنة في النظام الاقتصادي العالمي هي المسؤول الأول عن الأزمة الراهنة، مشيرا إلى ضرورة تطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يستمد أصوله وقواعده من الشريعة الإسلامية التي تحرم الربا والمقامرة.
وأضاف الدكتور الغزالي أن المواطن العربي البسيط هو الأكثر تضررا من الأزمة نظرا الى قيام الكثير من الشركات بعمليات تسريح العمالة، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع معدلات الفقر وانخفاض مستويات المعيشة.
المزيد من التفاصيل في نص الحوار:
** الأزمة المالية العالمية ليست وليدة اللحظة، بل مرت بالعديد من المراحل منذ اندلاعها في امريكا وانتقالها إلى أوروبا ثم إلى دول العالم الثالث.. ما هي المراحل التي مرت بها وأهم الأسباب التي أدت إلى تفاقمها؟.
- العالم يعيش الآن أزمة مالية تزداد حدة ساعة بعد ساعة بسبب تفاقمها في دولة المركز الولايات المتحدة الأمريكية، فخلال الأسابيع والأيام الماضية تراكمت الأزمة منذ الربع الأخير من القرن الماضي، وظهرت بوادرها الخطيرة عام 2001 - 2002 من خلال الإسراف الشديد أو الإفراط في الإقراض العقاري للحصول على أقصى ربح ممكن للمؤسسات النقدية الأمريكية والنظام المصرفي الأمريكي بصفة عامة الذي اوجد (الفقاعة العقارية)، وجرى ذلك على سمع وبصر الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) دون أن يحرك ساكنا أو يقوم بتصحيح الوضع الشديد الخطورة على الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي، فقد كانت هذه الظاهرة في الواقع تجري بالأساس خارج رقابة البنك فيما يسمى (الأنشطة الائتمانية خارج الميزانية) التي تمثلت في الواقع في أواخر العام الماضي وبداية هذا العام ما يقرب من أربعة أخماس النشاط المالي في الولايات المتحدة أي ان أربعة أخماس هذا النشاط لم يكن خاضعا للأجهزة الرقابية، وكان يعمل بحرية غير مسؤولة لتراكم جشع للأرباح دون اعتبار للآثار الوخيمة على الاقتصاد الأمريكي بصفة خاصة والعالمي بصفة عامة.
أما السبب الجذري الذي أدى إلى هذا التفاقم فهو أن المؤسسات النقدية الأمريكية لم تتقيد بأبجديات العمل المصرفي التي تتمثل في سياسات معروفة لمن يعمل في هذا المجال المصرفي.
** ما هي هذه القواعد والأبجديات؟. وكيف كان لعدم الالتزام بها هذا التأثير الكبير وخلق أزمة مالية عالمية؟.
- هذه القواعد ثلاث، وكلها مستمدة من قواعد التمويل الإسلامي، وهي:
1 - إدارة السيولة والعائد (الربح) بمعنى أن تعمل المؤسسة النقدية على المواءمة بين اعتبارين متناقضين تماما، هما السيولة من ناحية والربح من ناحية أخرى، فإذا ما ركزت على السيولة فقط فسوف تكون مجرد (خازن للودائع)، وبالتالي فسوف تفشل في تحقيق ربح مناسب، ثم تخرج من السوق المصرفي كمشروع اقتصادي، وإذا ما ركزت على الربح بمعنى أن تضع مواردها جميعا أو معظمها في (أصول مثمرة) قليلة السيولة فمعنى ذلك أنها عاجلا أو آجلا سوف تفقد ثقة المتعاملين معها، ثم تخرج كمؤسسة نقدية من السوق النقدي، ويقوم النظام المصرفي الصحيح على المواءمة بين هذين الاعتبارين.
2 - إدارة مخاطر الائتمان بمعنى أن تتوخى المؤسسة النقدية الحرص التام على توظيف جزء الموارد الخاص بالأصول المثمرة خاصة القروض والسلفيات، وأن تتوخى الاستعلام الجيد للعميل المقترض من حيث مركزه المالي وسمعته الائتمانية، بل والشخصية أيضا.
3 - كفاية رأس المال بمعنى أن يكون راس مال المؤسسة النقدية من الكفاية بحيث يستطيع أن يعطي ولو جزئيا الديون المعدومة والمشكوك فيها حتى تستطيع أن تستمر في السوق المصرفي.
وهذه العناصر الثلاثة لم تراعها المؤسسات النقدية الأمريكية، بل أسرفت في منح (القروض العقارية) مع علمها بان المقرضين مشكوك في قدرتهم على السداد، كما أنها لم تقم بالاستعلام عنهم أو اخذ ضمانات كافية لحماية أموالها، ومن هنا تخلف الكثير من المقرضين عن سداد التزامهم، فحدثت الأزمة المالية التي بلغت ذروتها بإشهار إفلاس بنك "ليمان برازر" ثم توالت تداعيات الأزمة على كثير من المؤسسات النقدية الأمريكية الى درجة أسقطت الإدارة الأمريكية ثابتا من ثوابت عقيدتها الرأسمالية، وهي أن "الدولة يتعين عليها ألا تتدخل في النشاط الاقتصادي، بل تقوم فقط بدور الدولة الحارسة أي التي تقوم بخدمات عامة أساسية هي الدفع والأمن والقضاء وتوفير المناخ المناسب لعمل القطاع الخاص من خلال السياسات الاقتصادية التقليدية، وهي السياسة النقدية والمالية"، فقد قامت بتدخل مباشر لدعم بعض المؤسسات النقدية لكي تستمر في السوق المصرفي، بل تأميم البعض الآخر وترك البعض الثالث للإفلاس ثم قامت بإقرار خطة الإنقاذ.
** ما النتائج التي ترتبت على هذه التصرفات غير الرشيدة التي تضرب عرض الحائط بقواعد النظام المصرفي والتسارع وراء الأرباح فقط؟.
- كان أهم هذه النتائج حدوث أزمة سيولة كبيرة في أسواق المال العالمية وانخفاض الطلب على المواد الأولية الأساسية وتراجع النظرية الرأسمالية خاصة بعد حالة الذعر الشديدة التي أصابت أسواق تداول الأوراق المالية وانخفاض في أسعار العقارات وخاصة العقارات الأمريكية وتعرض عدد كبير من كبرى الشركات العالمية لشبح الإفلاس وتسريح العمال، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.
** ألا تعتبر هذه الأزمة فرصة مواتية لتعضيد التمويل الإسلامي خاصة أن الاستثمارات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية حققت نجاحا أكبر في الأسواق المضطربة، فقد نمت هذه الاستثمارات في الأسواق الغربية خلال السنوات القليلة الماضية إلى أكثر من نصف تريليون دولار؟.
- هذه الأزمة على الرغم من تأثيراتها الكبيرة على العالم العربي والإسلامي إلا أنها تمثل (فرصة على طبق من ذهب) لتطبيق التمويل الإسلامي ومبادئ الاقتصاد الإسلامي وتقويته خاصة وأن هناك كثيرا من الدراسات التي قامت بها المنظمات الدولية المتخصصة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تشيد بالمصرفية الإسلامية، بل تنصح الدول النامية بالأخذ بها؛ لأن ما تحتاجه هذه الدول ليس الاستثمار المالي، وإنما الاستثمار الحقيقي المتمثل في صورة مشروعات انمائية لتحقيق التنمية المستدامة في هذه الدول، أما على المستوي المالي فقد أثبتت الاستثمارات المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية التي تقوم على تجنب المخاطر القمارية والربا قدرتها على تجنب المشكلات الناجمة عن سوء إدارة المصارف.
فالشريعة الإسلامية تحرم الربا، وبما أن خيارات الأسهم المكشوفة وخيارات الفائدة والعقود الآجلة تنطوي على قدر كبير جدا من المقامرة، فالإسلام يحرمها، وهو ما يعطي فرصة كبيرة للاستقرار ومنع المضاربات.
وقد قامت المجامع المعاصرة، وهي مجمع البحوث الإسلامية ومجمع رابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي بمنظمة المؤتمر الإسلامي بدارسة كثير من العقود الحديثة المتداولة في الأسواق المصرفية الدولية وعرضها على القواعد الشرعية، فأجازت منها (بطاقات الائتمان) شريطة أن يكون لحامل البطاقة حساب دائن لدى البنك مصدر البطاقة يكفي لتغطية ما يستخدمه حامل البطاقة في دفع مشترياته.
** العرب والمسلمون يدفعون فاتورة خسائر ارتباطهم بالغرب وخاصة الولايات المتحدة.. ألا تدفعهم هذه الخسائر الى إقامة نظام اقتصادي جديد دعائمه عربية إسلامية؟.
- نعم. فالعالم العربي والإسلامي هو الأكثر تأثرا بالأزمة المالية العالمية التي بدأت في أمريكا ثم انتقلت إلى أوروبا والدول الأسيوية والعربية، ونحن بحكم التبعية للاقتصاد الغربي كنا من أكثر المتأثرين بالأزمة، فقد تراجعت أسواق المال العربية بنسب كبيرة جدا، فمثلا السوق المصري تراجعت بنسبة 48% بينما تراجع السوق الأمريكي بلد الأزمة بنسبة 37%، الامر الذي يدل على أننا الأكثر تأثرا، ولكن الأزمة الحقيقة أننا ننظر تحت أرجلنا، فأي نشاط اقتصادي ناجح تجد أسسه وأصوله في الشريعة الإسلامية وأحكامها، ونحن لدينا عقدة الخواجة، فأي شيء غربي يكون جيدا حتى وإن كان غير ذلك، وهذا ما يصعب إقامة هذا النظام وان كان تنفيذه سهلا ويحقق حماية من المخاطر للاقتصاد العربي.
** ما الذي كشفته الأزمة المالية على المستوي السياسي؟. وهل يمكن أن تقلب موازين القوى في العالم خاصة وان هناك كثيرا من التفسيرات تقول ان الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش قد جرى إعدادها والدفع بها من خلال اليمين الأمريكي المحافظ والدوائر اليهودية لكي تؤدي هذه المهمة التي قامت بها في بداية مدة حكمها الأولى ونهاية مدة حكمها الثانية، ولكي تقوم بإنجازين كبيرين أحدهما سياسي دولي عام 2001 والثاني اقتصادي عالمي عام 2008؟.
- نعم. هي بالفعل قلبت موازين القوى في العالم بشكل ضمني غير معلن، فقد أثبتت الأزمة أن النظام الرأسمالي يحتاج بصورة شاملة إلى مراجعة من حيث ثوابته ومرتكزاته، ولم تعد مقولة "نهاية التاريخ" بمعنى سيادة الرأسمالية كنموذج مفروض على العالم أجمع اذ تشير الأزمة إلى فشل هذه النظرية المتعالية لدى رعاة له.
وكشفت الأزمة أيضا زيف نظرية القطب الأوحد، فلم تعد أمريكا القطب الوحيد في العالم، فرضت كذلك ضرورة دولية بأن يدار الاقتصاد العالمي مجتمعيا من خلال المنظمات الدولية شريطة أن لا تخضع للإدارة الأمريكية، وهذا يمثل تراجعا سياسيا كبيرا.
والشعوب الصغيرة والدول الفقيرة هي التي تحملت نتائج ما حدث، ولكن الواقع يقول إن الإدارة الأمريكية للرئيس بوش كانت اكبر داعم للكيان الصهيوني على المستوى السياسي والاقتصادي خاصة وان اليهود يملكون كثيرا داخل الولايات المتحدة، فلذلك من الصعب تطبيق نظرية المؤامرة على أزمة 2008 من اليهود على أموال العرب عن طريق ضرب الاقتصاد الأمريكي، فالأمر صعب نظريا وعمليا؛ لأنهم سيكونون من المتضررين وان كان تأثرهم كبيرا إلا أن مصلحتهم الحفاظ على صورة أمريكا وان كان اقتصاديا فقط، فهي اكبر داعم لهم.
** البعض نظر إلى خطة الإنقاذ الأمريكية على أنها طوق النجاة للاقتصاد الأمريكي، بل والاقتصاد العالمي على أساس الارتباط به، ويراهن على نجاح الخطة مستشهدا بنجاح الاقتصاد الأمريكي في تجاوز أزمة الكساد العظيم 1929 واستعادة عافيته.. فهل تعتقد أن الخطة سوف تحل المشكلات الناجمة عن الأزمة المالية؟.
- خطة الإنقاذ تهدف إلى تأمين حماية أفضل للمدخرات والأملاك العقارية التي تعود إلى دافعي الضرائب وحماية الملكية وتشجيع النمو الاقتصادي وزيادة عائدات الاستثمارات إلى أقصى حد ممكن، وهي في الواقع حل مؤقت وغير فعال، من الممكن أن يعزز ثقة المودعين، ولن ينجح إلا إذا كانت الأصول المعنية ذات قيمة، كما أن الخطة تقوم على أن معظم الرهونات العقارية عبارة عن قروض رديئة مبنية على تفكير في أن قيم العقارات سوف تستمر في الارتفاع، ومن غير المحتمل أن تزداد قيمة هذه العقارات، بل من الممكن أن تنخفض أكثر منذ ذلك، فتغرق الأموال التي تستخدمها الحكومة لشراء هذه الأصول.
أما عن أزمة الكساد الكبير عام 1929، فالظروف كانت مختلفة، الوضع الاقتصادي كذلك، فخطة الرئيس روزفلت لتجاوز أزمة أواخر العشرينيات التي عرفت باسم "ذا نيو ديل" كانت ذات أبعاد إصلاحية اجتماعية واقتصادية، ولم تكن مخصصة لمعالجة وضع السوق المالية فقط كما هو الحال في الخطة الأمريكية التي جرى إقرارها مؤخرا ذات العلاج المؤقت، فهذه الخطة تقوم على شراء الأصول الهالكة من المؤسسات المتعثرة لمنعها من الانهيار، لكنها لن تقدم سيولة حقيقية وتزيد من رأس المال.
** سنوات طويلة من ارتباط الاقتصاد العربي بالغرب، وتعتبر أموال المستثمرين العرب داعما أساسيا له.. أليس من حقهم "المستثمرين العرب" مطالبة المصرفيين الاستثماريين الغربيين بابتكار أنواع استثمارات ومنتجات استثمارية تتجنب المخاطرة القمارية والربا؟.
- الوضع في الدول العربية والإسلامية الآن لا يحسد عليه؛ لأنها تشكل جزءا أساسيا من منظومة الاقتصاد العالمي، ثم انسحبت الأزمة عليها، وأثرت في اقتصادها تأثيرا مباشرا وواضحا، فمن ناحية هناك ودائع للكثير في هذه الدول الأوربية وأمريكا، ومن ناحية أخرى هناك علاقات تجارية بينهم وبين هذه الدول، وهناك استثمارات مشتركة مع هذه الدول، ومن هنا فعلى الدول العربية أن تتمسك بشرع ربها، وتصر على التعامل مع هذه الكيانات وفقا لمفهومها الخاص بالتمويل الإسلامي خاصة وان هذه الدول الولايات المتحدة والدول الأوروبية والأسيوية قد اعترفت بالجدوى الاقتصادية والمصرفية للعمل المصرفي الإسلامي، فهناك أكثر من 36 بنكا ومؤسسة نقدية إسلامية في الولايات المتحدة وحدها و20 في الدول الأوروبية، فهذا اعتراف صريح بأهمية المؤسسات النقدية الإسلامية، فالفرصة مهيأة جدا للمستثمرين العرب لفرض شروطهم الإسلامية في التعامل؛ لأنهم في وضع قوي، وليس ضعفا.
* * في رأيكم، ما هي سيناريوهات الخروج من هذه الأزمة بالنسبة للدول الغربية والعربية؟. وهل يقدم التمويل الإسلامي حلولا لمثل هذه الأزمات؟.
- يتمثل الخروج من هذه الأزمة الطاحنة في مخرجين، هما:
أولا: مخرج فني يتمثل في التقييد الصارم الحازم بعناصر الفن المصرفي التي تتكون من إدارة رشيدة للسيولة والعائد - إدارة رشيدة لمخاطر الائتمان - وإدارة رشيدة لكفاية رأس المال وإعمال الرقابة والإشراف على جميع الوحدات المصرفية المشكلة للجهاز المصرفي وإيجاد ترتيبات للعمل المصرفي الحديث تكفل قيامه بمهامه الشديدة الضرورة والأهمية للاقتصاد المعاصر اذ إن الجهاز المصرفي بمثابة القلب من الجسد للاقتصاد.
ثانيا: مخرج بديل، فقد آن الأوان للمجتمع الدولي ان يفكر جديا في نظام مصرفي بديل لا يقوم على سعر الفائدة الربوي، وهو ما يقدمه التمويل الإسلامي، ويقدم كل الحلول لمواجهة الأزمات إن وقعت أساسا، فقد قام النظام المصرفي الحديث على نظام المداينة أي الإقراض والاقتراض بفائدة، فالعلاقة بين البنك الحديث والمتعاملين معه يحكمها جانبان المركز المالي لهذا البنك أي ميزانية البنك وعقد القرض بفائدة، وهذا يعتبر ربا على أساس أن أي قرض جر ربحا مشروطا، فهو حرام، أما المبدأ الإسلامي فيقول إن (الخراج بالضمان) أو (الغنم بالغرم) أي ان العائد لا يحل إلا نتيجة تحمل المخاطرة، فتقوم الصيغة الإسلامية على أساس الاستثمار الحقيقي طويل الأجل، وليس الاستثمار المالي عن طريق المقامرة في بورصة الأوراق العالمية.
بالنسبة للدول العربية فالبديل الأفضل لها الآن هو القيام بتأسيس نظام عربي إسلامي يستمد جذوره وقواعده من الشريعة الإسلامية، ويشكل لبنة جديدة في صرح الوحدة العربية الاقتصادية.
** ما أسباب الموافقة على خطة الإنقاذ بعد أربعة أيام من رفضها؟. وهل تعتقد انه كانت هناك ضغوط من الرئيس الأمريكي لإقرارها لإنقاذ صورته في اللحظات الأخيرة؟.
- اعتقد أن الأمر لا يوجد فيه أي نوع من الضغوط، ولكن الأمر اقتصادي بحت، فقد أعقب رفض الخطة تزايد المخاوف خاصة في البورصة أن تتجه البلاد إلى أزمة ائتمانية واقتصادية متصاعدة، ونتيجة لذلك هبط المؤشر الرئيس للبورصة بشدة، وتصاعد الخوف كذلك من انهيار المزيد من المؤسسات، ألغى أصحاب العمل نحو 159 ألف وظيفة في سبتمبر، كل هذه المؤشرات على مدى الاضطراب الذي يعاني منه النظام المالي والاقتصاد في البلاد، فقد اضطر "المشرعون" بغض النظر عن انتمائهم الحزبي إلى إعادة النظر في رفضهم للقانون.
** بعد الأزمة وتداعياتها الخطيرة على الجانب الاقتصادي، وبالتالي السياسي، هل تمثل هذه المرحلة ذروة العولمة، وبالتالي انهيارها أم انها ستكون إعادة تفصيل ثوب العولمة؟.
- أصابت الأزمة العالمية الحالية العولمة أو "الأمركة المتوحشة" إصابة حقيقية أو كما يقال "في مقتل" خاصة في جانبها الاقتصادي، فقد اثبتت الأزمة العالمية ضعف الدول الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود هذه الحملات الموجهة لتغريب الشرق وخاصة الدول العربية والإسلامية، فلذلك يتعين مراجعة كثير من مسلماتها، وعلى رأسها فرض النمط الأمريكي العربي سواء في السياسة أو الاقتصاد والثقافة، وهذا لا يعني تخفيض الاعتماد المتبادل بين الدول، بل إعادة تفصيل ثوب للعولمة يكون فضفاضا نقيا يعترف بالدول الأخرى وأهميتها في التأثير واحترام خصوصيات كل دولة مع زيادة التعاون بين الدول على أساس "الند للند"، وليس على أساس "التابع للسيد".
** هناك أنباء وتحليلات عن مسألة مؤامرة صهيونية في القضية.. هل سمعتِ بشيء من هذا؟.
- من المعروف أن اليد الصهيونية ممتدة في كل مكان، ولا يستبعد هذا على الإطلاق، ولكن بالتفكير جديا نجد أن قيادات بنك "ليمان برازر" مثلا كانت تحصل على مئات الملايين كمرتبات ومكافآت سنوية، ثم ليس من صالحهم بالقطع المشاركة في تدميره، فالوضع يمثل أزمة اقتصادية بحتة نتيجة تراكم الكثير من الأخطاء الاقتصادية نجم عنها أزمة اقتصادية عالمية لها تداعياتها السياسية، كما أنني لا أتصور أن ما حدث مؤامرة لاستنزاف الفوائض الاقتصادية لدى بقية دول العالم لصالح الرأسماليين الجدد، وان كانت هناك أقوال تصب في هذا الاتجاه، بل إن البعض يقول إن خطة الإنقاذ هي نزف لصغار الممولين الأمريكان لصالح كبارهم الفاسدين الذين أساءوا إلى النظام الرأسمالي.
ولكن يمكن النظر إلى دورهم الأساسي في إقامة وتشجيع النظام الربوي وإرساء قواعده وجذب المستثمرين العرب والمسلمين إليه.
وهذا ما حملته (حماس) للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة من التخطيط التراكمي والبعيد الآجل لاستهداف أموال العرب، وربطت ذلك بالفساد الإداري والمالي وخلل النظام المصرفي الذي يهيمن عليه الكيان الصهيوني.
** على مستوى المواطن العربي البسيط، كيف ترى تأثير الأزمة عليهم؟. وهل سيكون لها تأثير في تكريس أزمات مثل البطالة؟.
- نعم. المواطن العربي البسيط هو الأكثر تأثرا وتضررا من الأزمة، فكما حدث في البورصات كان الأكثر تأثرا صغار المستثمرين، فالتجميد الائتماني سوف يؤدي إلى توقف المشروعات الجديدة وتوسعات المشروعات القائمة، وهو ما ينعكس على قدرة المشروعات القائمة على تصريف المنتجات، وبالتالي تسريح كثير من العمال وزيادة معدل البطالة وزيادة معدل الفقر وانخفاض مستوى المعيشة بصفة عامة.
** هل يمكن أن تؤثر هذه الأزمة في قرارات حاسمة لسحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان وحربها فيما تدعي ضد الإرهاب؟.
- أثبتت الأزمة العالمية ضعف الإدارة الأمريكية على إدارة مؤسساتها الداخلية وإحكام الرقابة والسيطرة عليها، وقيامها بالتدخل المباشر لأول مرة في السياسات النقدية من خلال إقرار خطة الإنقاذ وغيرها من الإجراءات لحماية النظام المصرفي، وقد اثر ذلك عليها سياسيا، فقد تحطمت مقولة "القوى العظمى أو القطب الأوحد"، وبالتالي فمن المتحمل أن تقلل من دعمها للعمليات العسكرية في هاتين الدولتين بالتدريج، وقد تدفعها مزيد من الأزمات الاقتصادية إلى الانسحاب عندما تعجز عن التمويل العسكري.
اجرى الحوار/ هبة عسكر/ 17/10/1429
موقع المسلم
د. الغزالي: الأزمة المالية فرصة ذهبية لتعضيد الاقتصاد الإسلامي.. قد تتقلص أمريكا عسكرياً
