في الأمس القريب عندما تعالت الأصوات، ونشرت الصحف، وغطت المحطات الفضائية بان مدينة في غرب العراق صمدت ولم تركع ولم تخضع لقانون الاحتلال وحكومته المنصبة،
واستطاعت أن تؤسس لخدمات المدنية، ولبت حاجات الناس من صغيرها إلى كبيرها حتى بات ليس من المستغرب ان يسميها بعض من حكى حكايتها (دولة الفلوجة) على الرغم من حصارها وهي تواجه العدوان وحدها منفردة في ساحة ارتأى كثير ممن فيها السكوت طمعا بالسلامة، ولكنها أبت أن تبات على ذل وهوان، فاختارت الشرف والعزة، كان رجالها مقاومون وأطفالها رواد المساجد، وكانت نساؤها تتسابق بالصبر والجلد كصفية بنت عبد المطلب والخنساء، نعمت هذه المدينة بالأمن والإيمان بهمة أهلها وصمودهم وعزيمة رجالها في مواصلة الطريق إلى النصر أو الشهادة، حالها حال غزة اليوم.
لم يهدأ بال المحتل وحكومته الموالية في ترك هذه المدينة خارج حدود سيطرته، فجهز العدة، وحشد الأدوات الذليلة التي تأتمر بأمره لإسقاط إرادة المقاومة وقوة الصمود، فكانت معركة الفلوجة الأولى، وانتهت كما شهد العالم بانتصار إرادة المقاومة والعزة والرجولة، فتحطمت آلة الشر، وسقطت محاولات الحكومة البائسة في توسيع رقعتها خارج بغداد، كما هي اليوم في غزة، فتحركت جموع المنضوين تحت لواء المحتل، ودست السموم، وخرقت الصفوف لإحداث فرجة في صفوف العزة والإسلام صفوف الرجال الذين باعوا دنياهم باخرتهم، وانتفضوا من اجل أرضهم وعرضهم وكرامة أبناء جلدتهم من اجل أن تبقى لا اله إلا الله حاكمة في أرضهم، ويتمتع أهلهم بالأمن والأمان في ظل الإسلام.
إن من حضر مؤتمر لندن وصلاح الدين أعطى العهود والمواثيق على محاربة المقاومة، وان يكونوا أذلاء خانعين لا يشكلون تهديدا لأمن إسرائيل كما صرح الطالباني مؤخرا بان "التحرير" جاء لحماية إسرائيل والسيطرة على منابع النفط، فأين هذه التصريحات وانتم عرابو المحتل وسجادته الرخيصة التي يدوسها ببسطاره؟. وأين كان هذا التصريح وانتم توهمون بوش بان الشعب سيستقبلهم بالورود، وسترسخ الديمقراطية في العراق؟.
لم تنكسر شوكة الفلوجة بمعركتها الأولى على الرغم من استخدام شتى أنواع الأسلحة المحرمة دوليا، فحاولوا مرة أخرى، فحدثت معركة الفلوجة الثانية، فأراد المحتل كسر شوكة المقاومة متوهما انه اكتسب خبرة بان الحرب خاسرة ضد العقيدة التي يحملها الرجال، وبما انه بلا شرعية لوجوده ولا شرعية أيضا لمن نصبهم، وتوفرت لديهم أسلحة جديدة كان يجب أن تجرب، فكانت هذه المعركة حقلا لتجارب أخرى غير هيروشيما ليجربوا القنابل الفسفورية (الفسفور الأبيض) والقنابل الحارقة والمشعة...
ولان التقرير جاء من هؤلاء أصحاب اللعبة السياسية والذي يوصي بالنصر على من يسميهم خارجين عن القانون وتدميرهم؛ لأنه على يقين إذا قويت شوكتهم في هذه المعركة، فلن يكون هناك شبر من الأرض يحميهم من أبناء هذا البلد، وستنكسر قوة المحتل فيها... ولم يعلم هؤلاء بان الهزيمة حليف أولهم وآخرهم.
فلم تنفع هذه التجربة في تحجيم المقاومة – لان المقاومة بفضل الله لم تمت، بل ازدادت إصرارا وعزيمة – اتسعت بعدها ساحة الفعل المقاوم لتشمل مناطق لم يكن ببال المحتل انه سيواجه فيها من يمرغ انفه بالتراب.
وفي غزة اليوم سيناريو مكرر لما حدث في الفلوجة، والقنابل نفسها التي سقطت هناك في الفلوجة سقطت في غزة، والدماء التي سالت في الفلوجة هي الدماء نفسها التي سالت في غزة، فاللعبة نفسها تلعب في ملعب آخر غير العراق، والأهداف نفسها.
فقنابل الفسفور الأبيض والحارقة والمشعة إنما تستهدف الفعل المقاوم من خلال الأبرياء والنساء والأطفال، فالعدو هنا وهناك لا يواجه في معركة شريفة متكافئة، بل يعتمد القصف الإجرامي للمدن والقرى.
في غزة اليوم تريد قوى الظلام والمنضوون تحت لوائها تسويق فرية ان المقاومة غير شرعية، وانها هي التي تؤدي إلى هلاك الأبرياء وقتل الأطفال، كما جاء على لسان العابس عباس، وانه لا يريد مقاومة تقتل الأطفال وتهدم البيوت.. فبدلا من إعلان المقاطعة لمشاريع التسوية والاستسلام يوجه اللوم الى الرجال الرجال الذين سطروا أروع بطولات الصمود.
هذا القول يذكرنا بقول مشابه لأحد أعضاء الحزب الإسلامي في العراق فرع الفلوجة بعد معركتها الأولى (لا نريد أن يقتل هؤلاء الشباب اعتباطا دون نفع يقدمونه إلى بلدهم، لو لا جاءوا معنا وعملوا في صفنا لكانت حياتهم أحسن من استشهادهم)؛ لأنهم يريدون أن يقتلوا الجهاد وان يسوقوا شباب هذه الأمة إلى أحضان المحتل وسياسة الذل والعار والموت على طريق ديمقراطية الموت والدمار التي تنتهجها أمريكا في المنطقة عبر هذه المجاميع الشوهاء التي اتخذت من الكراسي والمناصب غاية تهون لبلوغها الأرواح والدماء ليتمتعوا بها في الحياة الدنيا على حساب أبناء هذه الأمة بعدما نسوا او تناسوا ما ينتظرهم في الآخرة.
وختاما أسوق أسئلة تطل برؤوسها تنغز هؤلاء تبحث عن إجابة: من يقتل الأطفال؟؟
من يهدم البيوت؟؟
من ارتمى بحضن المحتل؟؟
من قبَل وصافح شارون واولمرت ورايس؟؟؟
من استقبل ليفني وانصاع لأوامرها؟؟؟
من سعى ويسعى لتحجيم المقاومة ومحاصرتها؟؟
من يريد أن يسقط مشروع الحرية؟؟
هذه التساؤلات لا يمكنكم الإجابة عنها؛ لأنكم بلا ضمائر ولا أمل في صحوتها؛ لأنها غير موجودة أصلا..
لأنها لم تصح على صرخة طفل ولا أنين ثكلى ولا دمعة رجل ولا على اجتياح امة، انتم للأسف على رأس الأمر فيها، ولكنكم إليها لا تنتمون.
وكالة يقين للانباء
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
من الفلوجة إلى غزة.. المشهد واحد.. علي العبد الله
