هيئة علماء المسلمين في العراق

أوروبا تتغير فلماذا لا يتغيّر العرب؟.. العرب اونلاين
أوروبا تتغير فلماذا لا يتغيّر العرب؟.. العرب اونلاين أوروبا تتغير فلماذا لا يتغيّر العرب؟.. العرب اونلاين

أوروبا تتغير فلماذا لا يتغيّر العرب؟.. العرب اونلاين

هناك دلائل كثيرة على أن أوروبا سائرة نحو تغييرات جذرية في دعمها لإسرائيل وحروبها في الشرق الأوسط، وهناك مراجعات رسمية وشعبية وإعلامية تجاه ما يجري هنا في منطقتنا العربية من دم مراق في لعبة صهيونية عبثية.. لقد أيقظت المجازر الإسرائيلية في غزة الضمائر الأوروبية، وحررت الأصوات والأقلام والصور، وفرضت على الجميع إعادة تقييم المشهد الذي يهدد استمراره المصالح الاستراتيجية الأوروبية ليس فقط في الشرق الأوسط، بل حتى في أوروبا ذاتها.

آخر التصريحات على هذا المستوى جاءت على لسان وزير الخارجية البريطاني ديفيد ميليباند تحت عنوان: (لقد كانت الحرب على الإرهاب خطأ).

فقد نشرت له أمس صحيفة الجارديان مقالا على صفحات الرأي والتحليل ناقش ضرورة مراجعة مفهوم الإرهاب والحدود التي تطرقها الحرب على هذه الظاهرة.

ليخلص إلى القول: بعد تسع سنوات على وقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، يبدو من الواضح أننا نحتاج إلى إجراء نظرة فاحصة ومراجعة عميقة لجهودنا الرامية لمنع التطرف وما ينتج عنه من فظاعة، أي إرهاب العنف.

الحقيقة التي لا مراء فيها أن الرئيس الأمريكي التي تنتهي ولايته بعد أيام قليلة فرض على أوروبا أن تشارك في حرب لا مصلحة لها فيها، ذلك أن هذه الحرب جاءت خدمة للمصالح الأمريكية ولتثبيت الولايات المتحدة في زعامة العالم وإنجاح مساعيها في أن تكون الشرطي الأول والوحيد الذي يتحكم في الحركة الاقتصادية والأمنية.

أمريكا تورطت في حرب كونية ضد "الإرهاب" خاصة حين غزت العراق، وارتكبت فيه الكثير من المجازر، وحين استخفت بالقوانين والمواثيق الدولية عبر الصور الصادمة التي خرجت من السجون التي أشرفت عليها في العراق وخاصة سجن أبو غريب، ثم إصرارها على أن يظل معتقل جوانتنامو قائما مع ما يحمله من تعدّ صارخ على كل القيم والمواثيق.

لقد سارت أوروبا خلف إدارة بوش، وأبدت له طاعة عمياء أساءت إلى تاريخها وإرثها في الدفاع عن حقوق الإنسان خاصة وقد تخلت عن دور الوسيط الراعي لجهود السلام في الشرق الأوسط لتصبح منحازة تماما لإسرائيل.

وتعمقت التبعية الأوروبية لإدارة بوش مع صعود قيادات جديدة صارت تنهض بمهمة الناطق الرسمي باسم الاحتلال الإسرائيلي "ساركوزي، ميركل، بلير الذي كان الشريك الأساسي في غزو العراق ثم تحول إلى ممثل لـ"الرباعية" في الشرق الأوسط، وحولها معه إلى صوت إسرائيل".

الانقياد الأعمى لأوامر بوش جعل أوروبا في موقع "الطرطور"، وجلب عليها وبالا لا تجد إلى الآن كيف تتخلص منه، فقد استهدف مصالحها ومدنها الغاضبون من سياسة بوش ومن حربه على "الإرهاب" التي تحولت إلى حرب صريحة على الإسلام والمسلمين وقضاياهم.

لا يمكن أن نُبرر بأي حال التفجيرات الحمقاء التي طالت الأبرياء في عواصم أوروبا، وقد سبق للعرب أن أدانتها في حينه، لكننا كنا نُطالب أوروبا بأن تتراجع عن خيارها بالتبعية لبوش لكي تحفظ مصالحها في المنطقة العربية.

ولقد جاءت المجازر الإسرائيلية في غزة لتجعل أوروبا أمام خيارين مصيريين إما أن تنحاز لمصالحها وقيمها وتاريخها، أو تظل تحت رحمة سيف "معاداة السامية" المسلط على رقاب حكامها وشعوبها.

المؤشرات الأولى تقول إن أوروبا شعبيا ورسميا اختارت أن تكون مع ذاتها وقيمها، وتستعيد المبادرة كقوة دولية مؤثرة مستفيدة من انقضاء حكم بوش الذي فرض على أغلب الأنظمة في العالم أن تهرول وراءه، وتصفق له خوفا من الشعار الذي رفعه بعد أحداث 11 سبتمبر الكريهة "من ليس معنا فهو ضدنا".

إن أوروبا بدأت تتحرر فعلا من القبضة الأمريكية الصهيونية، وتصريحات ميليباند هي بداية الطريق مسنودة بمواقف جريئة لوسائل إعلام أوروبية أصبحت تنتقد علانية إسرائيل، وتطالبها بأن توقف المجازر، وتدعو إلى محاكمة جنرالاتها أمام المحاكم الدولية المختصة.

كما أن المظاهرات المستمرة التي تعُمّ المدن الأوروبية، ويشارك فيها الآلاف رافعين أعلام فلسطين وناقمين على المجازر الصهيونية، وداعين زعماءهم إلى التحرك السريع دليل إضافي على أن أوروبا استفاقت وتحررت من قبضة اللوبيات الصهيونية.

ولعل أبلغ المواقف هنا ما أكده استطلاع للرأي أجراه معهد فورسا ونشرته الأربعاء مجلة شترين، وهو أن ستين بالمئة من الألمان لم يعودوا يشعرون بأي التزام تجاه إسرائيل، بمعنى أن أكثر الشعوب الأوروبية الذين ابتزتهم الصهيونية العالمية لم يعودوا يأبهون لعقدة "الهولوكوست"، ويبحثون عن التحرر منها.

أوروبا الآن تتغير حقيقة، وعسى أن تكون مجازر غزة فرصتها لتتخلص من العبء الإسرائيلي، وتتخلى عن أي التزام أدبي أو مالي تجاه كيان يناقض قيمها خاصة أن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تعُد تسمح لأوروبا بأن تواصل دفع فاتورة الجنون الإسرائيلي، فهي من يقدم له ضريبة الولاء والطاعة، وهي من يتولى إعادة إعمار الدمار الذي يُخلفه في غزة والضفة، وهي التي تُمّول المشاريع الإنسانية لفائدة الملايين الذين يسكنون المخيمات في الأراضي المحتلة، وتحاصره إسرائيل من كل اتجاه.

أملنا أن يتحول هذا التغير الأوروبي الظاهر للعيان إلى ضغط سياسي ودبلوماسي يربك التعنت الصهيوني، ويقود إلى تسوية عادلة ودائمة تسمح للفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة.

وفيما يحدث هذا التغير الأوروبي الجارف، تسير الحال العربية بالاتجاه المعاكس، فيزداد التآمر على القضية الفلسطينية والبحث عن التخلص منها بكل الطرق، وآخر هذه الطرق كانت "المبادرة المصرية" التي وُضعت على المقاسات الأمريكية الصهيونية.

صور التشتت والفرقة والاستسلام عبّرت عنها القمم الثلاث التي دعت أطراف عربية إلى عقدها خلال أيام ثلاثة، واحدة في الدوحة، وأخرى في الرياض، وثالثة في الكويت.

ما يحكم الموقف العربي في هذه المحنة هو المزايدات وتسجيل النقاط بين هذا النظام وذاك فيما إسرائيل تواصل المحرقة بدم بارد، وتستخدم الأسلحة المحرمة دوليا، وتقتل وتُدمّر وتشرّد، وتُحول حياة مليون ونصف المليون فلسطيني إلى جحيم لا يطاق.

الأكيد أن اللعبة العربية الساذجة لن تمر دون عقاب، فالإرهاب الذي يهدد مصالح أوروبا، وتبحث عن خطوات جريئة للتوقي منه، ليس بعيدا عن مصالح الأنظمة العربية التي تتواطأ ضد الأمة وقضاياها.

الإرهاب لا يأتي من فراغ إنه مرتبط شديد الارتباط بالملفات العربية الحارقة في فلسطين والعراق والصومال والسودان، وما لم تُسوّ هذه الملفات بأسلوب عادل ودائم، فلن يمنع الإرهاب من أن يتسلل إلى حياتنا العربية مجددا، وليس أكثر إشارة على ذلك من تصريحات بن لادن الأخيرة.


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق