هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا بعد بحر الدم في غزة؟.. العرب اونلاين
ماذا بعد بحر الدم في غزة؟.. العرب اونلاين ماذا بعد بحر الدم في غزة؟.. العرب اونلاين

ماذا بعد بحر الدم في غزة؟.. العرب اونلاين

وسط بحر الدم الذي أغرق فيه الجيش الإسرائيلي غزة، يُطرح السؤال عن موقف الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما قبل أيام معدودة من تسلمه مهماته في البيت الأبيض. إذا كان من المستحيل لقرار عسكري– سياسي بهذه الأهمية الإقليمية كالهجوم على غزة أن يُتخذ في إسرائيل بدون موافقة أميركية، وإذا كان من المستحيل أن يدخل الرئيس المنتخب أوباما في تشجيع عملية عسكرية بدون خطة "تحريك" للتسوية السياسية في المنطقة على المسار الفلسطيني– الإسرائيلي أو على المسار السوري– الإسرائيلي، وهو ما ظهر واضحاً أنه أحد عناصر تميّز رؤيته للسياسة الخارجية عن سلفه جورج بوش، فمعنى ذلك أنه من المستحيل بالنتيجة أن يُتخذ القرار الإسرائيلي– الأميركي بهذه الحرب الجديدة دون أن يكون هناك هدف.

والهدف الواضح البديهي هو توجيه ضربة لحركة حماس قبل الشروع بإطلاق دينامية "الحلول" بعد تولي أوباما لمسؤولياته، كي تأتي هذه الحلول بما يخدم خطة إسرائيل القاضية بعدم قيام دولة فلسطينية قادرة على الحياة بعد ضرب المقاومة الفلسطينية كي يكتفي الفلسطينيون بـ"فتات" ما يفرضه الإسرائيليون والأميركيون على طاولة مفاوضات "شكلية".

لهذا يمكن الخروج بجواب أن الحرب الدموية التي تكرر فيها الآلة العسكرية الإسرائيلية تقاليدها الإجرامية فعلا ضد الكتل السكانية العربية في فلسطين ولبنان، هي "حرب تحريك" سياسية كما سُميت ذات يوم على مستوى أوسع حرب أكتوبر عام 1973، آخر حرب بين جيش الدولة العبرية وجيوش دول عربية، ليبدأ بعدها مسلسل الحروب الجديدة الطويل بين جيش الدولة الإسرائيلية من جهة ومنظمات حروب العصابات غير الدولتية من جهة أخرى، بدءًا من العام 1978 مع فتح وفصائل منظمة التحرير، مروراً بحرب 1982 مع فتح خصوصاً في حصار بيروت لبضعة أشهر، إلى حرب 1993 الأولى مع "حزب الله".

ثم الثانية الأخطر عام 1996 أيضا مع "حزب الله"، إلى الحرب الكبيرة الأولى بعد تحرير جنوب لبنان عام 2006، والتي ظهر فيها "حزب الله" للمرة الأولى منظمة حرب عصابات، لكن بإمكانيات تدريبية لفرق كوماندوس نخب الجيوش، إلى الحرب الجارية الشبيهة بين الجيش الإسرائيلي وحماس التي يبدو أنها تحاكي نموذج "حزب الله" المستجد.

ما يحصل في غزة هو من نوع الأحداث المنعطفات التي لا يمكن إلا أن تترك أثرا عميقا في البنية السياسية العربية، كما أظهرت التجربة منذ العام 1948، فحدث تأسيس إسرائيل، أدى إلى إبعاد تدريجي للجيل الأول في السياسة العربية في سوريا ومصر والعراق وليبيا والسودان وفلسطين نفسها عندما انتقلت القيادة من جيل ليبرالي وارث للعصر الذهبي لليبرالية العربية في النصف الأول من القرن العشرين وفاشل في معالجة المسألة الوطنية الناشئة ضد إسرائيل، إلى جيل قومي يساري أبرزه النموذج الناصري.

ثم كانت هزيمة 1967 التي فتحت المجال لبدء تدريجي لسقوط جيل أو جزء كبير من الجيل القومي اليساري خصوصا في البيئة الفلسطينية التي أتت بجيل جديد تمثل بمدرسة فتح وقيادتها لفصائل العمل الفلسطيني.

السؤال الآن بمعزل عن حدود نتيجة المواجهة المباشرة في غزة، هو: أي انتقال جيلي يمكن أن تشهده البنية السياسية العربية لا سيما بعدما بدت الضفة الغربية وكأنها دولة عربية أخرى داعمة، وليست جزءا فلسطينيا منخرطا في المعركة؟.

لكن بالعودة إلى مدى فرص نجاح مشروع التسوية الآتي مع باراك أوباما، فالسؤال الآن هو: أي طرف فلسطيني ستتحدث معه إدارة أوباما إذا كانت السلطة الوطنية غير قادرة عمليا على تحمل مسؤولية حل وحدها؟. وعلى فرض استعدادها للتحمل، وغير قادرة على استيعاب نتائج الحل... فمن هي الجهة القادرة على إعادة وصل حماس بالعملية السياسية؟ لا سيما أنه وخلافا للترويج الشائع، فإن حماس لم تكن هي المسؤولة في العمق بعد فوزها في الانتخابات عن رفض مسار التسوية، وإنما إدارة جورج بوش والحكومة الإسرائيلية التي رفضت أي حوار معها... حاولت، وحاول الرئيس محمود عباس، مده بأشكال تدريجية.

إن إسرائيل تدمر كل شيء في غزة في محاولة لمحو فشلها في حرب لبنان واستعادة "قوة الردع"، لكن "الردع لم يعد موجودا" كما يقول مراسل الإيكونوميست ومدير مكتبها السابق في القدس؛ فالردع كان ممكنا في الحرب ضد الجيوش، في حين أن الحروب الحالية هي مع منظمات مثل حماس و"حزب الل"ه لا شيء يردعها.. وحين تكون الهزيمة الوحيدة هي الإبادة، فليس هناك ردع، أن تجعل إسرائيل كل غزة ركاما.

ومهما توحشت إسرائيل، فإنها تبقى عاجزة عن إلغاء حركة شعبية وكسر إرادة المقاومة لدى شعب تحت الاحتلال، ومهما ضعف العرب، فإنهم قادرون في النهاية على الخروج من السياسة الكلاسيكية التي جعلتهم يبدون بلا وزن أمام الأوزان الإقليمية والسياسة الأميركية، والبداية هي الخروج من الانقسام الفلسطيني والعربي والتجاذب الإقليمي والدولي.


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق