كشفت التظاهرات الجماهيرية التي انطلقت في عدد من المدن العراقية، تضامناً مع غزة واحتجاجاً على المجازر الوحشية التي ارتكبها ( الإسرائيليون ) ضد المدنيين العزل هناك إن مشاعر
العراقيين في هذه اللحظة من النضال لإخراج المحتلين الأميركيين وجلائهم عن أرض العراق تكاد تتمحور في النقطة التالية: إن التماثل في ملامح العدو، والتشابه المذهل في أساليب القتل التي يتبعها، هي التي يجب أن تجعل من هذا النضال مشروعاً عربياً لا مشروعاً «قُطرياً» أو محلياً، وأن المعركة في شوارع بغداد تتكامل في شوارع غزة ، تماماً كما تتكامل صورة الجريمة في العراق وفلسطين.
بيد أن أكثر ما يلفت الانتباه في التظاهرات العراقية التضامنية التي انطلقت في النجف والأعظمية وفي مدن كردستان، أنها أعادت العراق إلى بيئته العربية- الإسلامية التاريخية، رغم كل المحاولات التي جرت طوال السنوات الماضية من الاحتلال لعزل العراق عن محيطه العربي وتقطيع روابطه مع حاضنته العربية.
وفي هذا السياق، يمكن للمراقب المحايد أن يلاحظ كيف أن العدوان الوحشي على غزة لعب، وبالضد من إرادة المحتلين في بغداد وفلسطين، باتجاه توحيد المشاعر والمواقف داخل مجتمعين تعرضا إلى «النمط» نفسه من الجريمة، فكما أن المساجد في العراق كانت تتعرض للقصف والتدمير بحجة «وجود مسلحين» فإن مساجد غزة أصبحت هدفاً للنمط نفسه من القصف والتدمير وبالحجج والذرائع ذاتها، وأكثر من ذلك، أن عمليات الاستهداف المتعمد للمدنيين في غزة والعراق، كانت تثير وبالقدر نفسه من القوة، حقيقةَ أن العدو هنا وهناك لا يتردد عن القيام بأي عمل وحشي وتحت أي ذريعة ، وذلك ما يجعل من الجريمة ، هنا وهناك ، وكأنها من «تصنيع» العدو نفسه، بل إن الانقسام المجتمعي (السياسي أو المذهبي) في فلسطين المحتلة والعراق المحتل، كان يتبدى كنوع من «الصناعة»، وكان ذلك واحدة من الذرائع الشائعة التي استخدمها الأميركيون و( الإسرائيليون ) على حد سواء لتبرير العدوان والاحتلال.
ولذلك تبدو تظاهرات العراقيين التضامنية مع غزة والتي توحد فيها الهتاف في النجف والأعظمية وكردستان، متخطياً الحواجز المذهبية الوهمية، وكأنها الدليل القاطع على زيف وبطلان «الصناعة الثقيلة للانقسام» التي روج لها الأميركيون، وهو تماماً ما تجلى في أنصع صورة في شوارع غزة، حين قاتل الفلسطينيون ببطولة أسطورية، متخطين «الانقسام السياسي» بين فتح وحماس، لقد قاتل الفتحاويون في غزة ببسالة إلى جانب إخوتهم أبطال حماس والجهاد وكتائب أبو علي مصطفى، متخطين «انقسامهم السياسي» لأن الجريمة المرتكبة لا تميز بين المذاهب والعقائد والأفكار والسياسات.
ومع ذلك، فإنه لأمر مثير حقاً أن تعبّر تظاهرات العراقيين في شوارع بغداد والنجف ومدن كردستان عن رفض شبه معلن لجوهر وروح الدستور الذي فرض عليهم، ذلك أن هذا الدستور هو الذي ثبتّ في بند من بنوده الفكرة الزائفة القائلة «إن العرب في العراق جزء من الأمة العربية»، بمعنى أن العراقيين (الآخرين من غير العرب والمقصود فقط الشعب الكردي) لا يمتون بصلة إلى هموم العرب والمسلمين، وبالتالي فهم لن يصبحوا جزءا من حركته الوطنية التحررية، لقد أطلق الأكراد بكل تعبيراتهم السياسية والدينية، صيحة غضب واحتجاج على مجازر غزة ، وكان صداها يتردد في كل مدن العراق تجسيداً للرفض الشعبي للدستور الذي كرس انقسامهم الزائف.
وإذا كان ثمة من «فضيلة للجريمة» فإنها قد تعيد الضحايا إلى لحظة وعيهم التاريخي بوحدة مصيرهم، وبإمكانية أن يتخطوا أسوار المذاهب والانقسام السياسي من أجل مقاومة العدو، وفي هذا الإطار وحده ، يمكن للمراقب المحايد أن يرى في التظاهرات الصاخبة التي عمت مدن العراق، كرجع صدى قوي لفكرة الوحدة الوطنية الممزقة، كما يمكنه أن يرى فيها تعبيراً بليغاً عن «الروح التاريخية» لهذه الفكرة ، فهي ليست شعاراً أو موضوعاً للسجال أو مادة للصراع والمزايدات الانتهازية ، بل هي لب وجوهر وجود المجتمع في فلسطين والعراق، وهذا هو المغزى الحقيقي لتضامن العراق الجريح مع غزة الجريحة.
لقد استرد العراقيون وهم يلاحقون الصور المرّوعة لعمليات القتل الوحشي في غزة، الصور نفسها التي أظهرتهم وطوال السنوات الست الماضية من الاحتلال الأميركي، كأهداف بشرية «مشروعة» سواء في الفلوجة أو النجف ، وأكثر من ذلك ، فإن الصور الفظيعة لعمليات القصف بالقذائف المسماة «الفسفور الأبيض» في الفلوجة كانت تتكرر أمام أنظار العراقيين وهم يتابعون عمليات القصف الصهيوني لغزة ومخيماتها وبالقذائف الوحشية نفسها، وهكذا فقد شاهد العراقيون «الصبيان ذوي السيقان الطويلة» وهم يصعدون في سماء غزة ، كما صعدوا من قبل في سماء الفلوجة، هؤلاء الصبيان هم الذين تخلقهم انفجارات قذائف الفسفور الأبيض المصنوع من اليورانيوم المنضبّ ، وهكذا أيضاً فقد اتضح أن العدو نفسه كان يقوم بالعمل نفسه وباستخدام السلاح نفسه ، ولهذا تبدى تضامن العراقيين مع غزة ، تعبيراً عن الإيمان بوحدة الضحايا.
صحيح أن العراق الرسمي لم يُظهر -من الناحية الفعلية- أي شكل حقيقي من التضامن، ( فلا طائرات مساعدة وإغاثة انطلقت من مطار بغداد ولا قوافل مساعدات تحركت من هناك)، ولكن الصحيح أيضاً، أن العراق الشعبي أدرك بسرعة «وحدة المصير» وعاشها وجدانياً، وأراد من خلال تظاهراته الصاخبة أن يرسل إلى العالم كله الرسالة الوحيدة التي يتعين الإصغاء إليها: أنه العراق الحقيقي الذي اختارته الأقدار لتجربة إمكانية «تفكيك روابط العرب» الروحية والثقافية، لكنه خرج من الاختبار وهو أكثر تصميماً على تخطي الانقسام و «صناعته الأميركية». وفي هذا المنحى المحدد من تطور وعي العراقيين بهويتهم (ولنقل نزعتهم إلى استعادة هذه الهوية) فإن التضامن مع غزة بالصراخ والهتاف ، سوف يتبدى تعبيراً قوياً عن رفض روح الدستور الذي قسمهم إلى «عراقيين جزء من الأمة» و «عراقيين لا صلة لهم بالأمة».
لقد كان دم غزة يوحد العراقيين ، كما وحد دم الفلوجة من قبل شعب فلسطين.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
بغداد وغزة.. هتاف واحد / فاضل الربيعي
