هيئة علماء المسلمين في العراق

صناعة (الشرق الأوسط الجديد) / الياس سحاب
صناعة (الشرق الأوسط الجديد) / الياس سحاب صناعة (الشرق الأوسط الجديد) / الياس سحاب

صناعة (الشرق الأوسط الجديد) / الياس سحاب

عندما كانت وزيرة خارجية الولايات المتحدة خلال معظم فترة الولاية الثانية للرئيس بوش (كوندوليزا رايس)، تقوم بزياراتها المكوكية الدؤوبة للمنطقة العربية، طوال فترة العدوان الصهيوني الذي استمر (33 يوما ) على لبنان في عام 2006 كان الشعار الدائم الذي رفعته لتلك الزيارات، وتكرره في مطلع كل زيارة، وفي اثنائها وفي ختامها، أن ما يشهده العالم بين لبنان و(إسرائيل)، ليس الا المخاض العسير والصعب لولادة ( شرق أوسط جديد ). وكانت لهجة رايس في هذا السياق شديدة التفاؤل والابتهاج، وكأنها تزف الى العالم بشرى سارة وسعيدة، وسط الركام والدماء التي كان يسببها العدوان الصهيوني ، في كل يوم من أيامه الطويلة جداً، خاصة بالنسبة للمدنيين اللبنانيين الذين يتلقون الضربات ، كذلك، فإن من إنجازات السياسة الأمريكية في تلك الايام العصيبة، الضغط المتكرر على مجلس الأمن، لعدم اصدار قرار بوقف العدوان الصهيوني ، لسبب بسيط ومنطقي بالنسبة لواشنطن، هو أن الولايات المتحدة كانت، وفقاً للتصريحات المتكررة لوزيرة خارجيتها، لا ترى في العدوان الصهيوني على لبنان، وما يسببه من دمار للبنية التحتية ، ومن قتلى وجرحى قس صفوف اللبنانيين، سوى عملية جراحية ضرورية لتسريع ولادة الشرق الأوسط الجديد، على يد القابلة ( الإسرائيلية ).
ولكن ما أهم ملامح هذا الشرق الأوسط الجديد الموعود؟ أهم هذه الملامح، هي تمهيد الأرض من المحيط الى الخليج، لولادة وضع عربي عام، قابل بالإجماع، لتسوية القضية الفلسطينية بشروط التحالف الأمريكي- الصهيوني ، ورؤيته التاريخية، وهي التسوية المعادلة تماما للتصفية، على حساب الوجود الإنساني والسياسي لشعب فلسطين، وعلى حساب حقوق المنطقة العربية بأن تقيم ما بين مشرقها ومغربها كياناً سياسياً موحداً، يؤمن مصالحها ومصير شعوبها.
تلك الجولة الأمريكية- الصهيونية الأولى لصناعة هذا الشرق الأوسط الجديد، انتهت بفشل ذريع لكل أهدافها الاستراتيجية (بعيداً عن عبارات النصر والهزيمة).
لكن يبدو أن مشروع تصنيع ( شرق أوسط جديد ) بالمواصفات الأمريكية- اصهيونية لم تطو صفحته الى الأبد، بل عاد مؤقتا الى رفوف وأدراج الحكومتين الأمريكية والصهيونية ، انتظاراً لفرصة ثانية، مؤاتية أكثر من الفرصة الاولى.
ويبدو أن توقيت هذه الفرصة الثانية، بدا مثالياً للإدارتين الأمريكية ولبصهيونية في هذه الايام من مطلع العام 2009:
* فالرئيس الأمريكي بوش، يتحضر منذ شهرين، لتسليم دفة البيت الابيض، لخلفه المنتخب باراك أوباما، وهذه آخر فرصة متاحة أمامه لتكرار محاولة ثانية في سياق مغامرة صناعة الشرق الأوسط الجديد، خاصة أنه في حال فشل هذه المحاولة الثانية (كالأولى)، فإن الإدارة الجديدة لأوباما هي  التي ستتحمل أوزار إزالة أوساخ الفشل وآثاره على المصالح الأمريكية، في المنطقة العربية وبقية أرجاء العالم.
أما الثلاثي (الإسرائيلي) الحاكم (أولمرت- باراك- ليفني)، فلكل طرف فيه حساباته.
بالنسبة لأولمرت، فإنها فرصة ثمينة لن تتكرر في أن يقوم بأي مغامرة سياسية وعسكرية يختم بها حياته السياسية، طالما أنه لن يتحمل تبعات الفشل اذا حصل (كما لن يقطف ثمار النجاح اذا حصل)، باعتباره رئيس وزراء مستقيلاً، يصرّف الأعمال لأسابيع معدودة، لا أكثر.
أما بالنسبة لباراك (رئيس حزب العمل) وليفني (رئيسة حزب كاديما)، فبازار الانتخابات النيابية ينتظرهما، ويتربص بهما زعيم الليكود نتنياهو، ما يفتح الباب مجدداً أمام كافة القيادات السياسية في الكيان الصهيوني ، ليكرروا للمرة العشرين ربما منذ إنشاء هذا الكيان ، لعبة (الأكثر تطرفاً ووحشية )، في إيذاء الفلسطينيين وتكسير عظامهم وإسالة دمائهم وإزهاق أرواحهم. ذلك ان كل التطورات الديمقراطية الشكلية في حياة المجتمع الصهيوني ، منذ نشوء هذا الكيان ، كانت وما زالت تسير في اتجاه رئيسي واحد، هو أن الأكثر تطرفا وعنصرية ووحشية، يفوز بالنسبة الأعلى في سوق الانتخابات النيابية.
لكن هذا المشهد برمته لا يجوز أن يغرقنا (رغم قسوته ووحشيته) فينسينا حقيقة تاريخية أساسية في هذه المنطقة من العالم (كما في سائر المناطق الأخرى)، وهي أنه اذا كان لا بد من ولادة ( شرق أوسط جديد )، بحكم التطور التاريخي الطبيعي، فمن قال إن واشنطن وتل ابيب هما صاحبا الحق الأوحد في تحديد معالم هذا الكيان الجديد؟.
لقد سبق للعرب في عقدي الخمسينات والستينات تجربة الدخول عنصراً مشاركاً، بل عنصراً اساسياً في صناعة حاضر ومستقبل منطقتهم، وسط العواصف الإقليمية والدولية.
هذا هو بالضبط ما يحدث في قطاع غزة اليوم، إنها جولة جديدة تريد بها واشنطن وتل ابيب تحييد أو الغاء العنصر العربي في صناعة الشرق الأوسط الجديد، إلا اذا كان هذا العنصر العربي، ملتزماً تماماً بالخطة الأمريكية- الصهيونية آنفة الذكر، ومحورها فرض تسوية للقضية الفلسطينية، تصل الى حد التصفية الفعلية، تحت تسميات شكلية خادعة.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق