هيئة علماء المسلمين في العراق

صورة أميركا في العالم العربي / بقلم :د. صالح سليمان عبد العظيم
صورة أميركا في العالم العربي / بقلم :د. صالح سليمان عبد العظيم صورة أميركا في العالم العربي / بقلم :د. صالح سليمان عبد العظيم

صورة أميركا في العالم العربي / بقلم :د. صالح سليمان عبد العظيم

مما لاشك فيه أن صورة أميركا في المنطقة قد ازدادت سوءا وتدهورا في العالم العربي، في إطار المذابح الهائلة التي تحدث في فلسطين الآن، ويمكن القول بأن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تقدم أي شيء حقيقي للمنطقة منذ عقود طويلة، على الرغم من مطالباتها الدائمة والمتواصلة بالمساعدات العربية المختلفة، وبشكل خاص في مسار التحالفات والاتفاقيات الأمنية المختلفة.
ومن اللافت للنظر أن بعض الدول العربية لم تعر علاقاتها بالاتحاد السوفييتي سابقا وبروسيا حاليا، أي أهمية من أجل سواد عيون الولايات المتحدة الأميركية ، فعلى الرغم من الرغبة الحقيقية لدى روسيا من أجل إقامة علاقات جيدة مع العالم العربي، فإن الأخير غالبا ما يولي وجهه شطر البيت الأبيض ، متجاهلا روسيا أو منتقصا من حجم تأثيراتها.
وكما ذاق الكثير من مناطق العالم المختلفة وعلى رأسها أميركا اللاتينية وآسيا، الكثير من ويلات الحروب بسبب التدخلات المفرطة والدموية للولايات المتحدة الأميركية، ذاق العالم العربي بنسب متفاوتة من التدخلات غير المحايدة لأميركا في المنطقة، وعلى رأسها انحيازها الدائم لـ( إسرائيل ) وإمداداتها المتواصلة بأحدث ما وصلت إليه الترسانة الأميركية من أسلحة الدمار المشروعة والمحرمة على السواء.
ومما لا شك فيه أن صورة أميركا لم تتحسن في أي وقت من الأوقات في عالمنا العربي، بل إنها تنتقل من سيئ إلى أسوأ، فلم تتعامل أميركا مع دول وشعوب المنطقة بدرجة عالية من الشفافية والوضوح، وغلبت على طبيعة هذه العلاقات عبر عقودها الطويلة درجة كبيرة من البراغماتية التي أحالت المنطقة إلى مجرد مستودع للطاقة الأميركية من ناحية، ومجرد كم سكاني يجب ترويضه وتدجينه من أجل مصالح ( إسرائيل ) وخدمة لمشروعها الاستيطاني.
ويمكن القول إن ظهور الكثير من المشروعات الأيديولوجية في المنطقة، جاء كرد فعل ضد الهيمنة الأميركية في المنطقة وانحيازها الكامل لـ( إسرائيل )، وأصبح التلازم واضحا في العقلية العربية المعاصرة بين كلتا الدولتين، فحينما يتذكر العرب مآسيهم المختلفة في العقود المنصرمة، لا يمكنهم الفصل بأي حال من الأحوال بين كل من ( إسرائيل ) وأميركا.
وعلى الرغم من وجود أطراف غربية أخرى لعبت أدوارا هامة في تأسيس وتكريس المشروع الصهيوني في المنطقة، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، إلا أن هذه الأطراف لم تكن بمثل هذا الثبات والإصرار الأميركي من ناحية مساعدة ( الدولة العبرية ) والرغبة غير المبررة في تدعيمها على حساب مجمل الدول العربية بأكملها.
ولعل هذا هو ما ميز أدوار بعض الدول الأوروبية بدرجة أكبر نسبيا من المناورة والحركة تجاه الصراع العربي ـ الصهيوني وأدى إلى بروز بعض الآراء الأوروبية التي اتسمت بقدر ما من النزاهة تجاه هذا الصراع.
وفي هذا الإطار تفتقر الولايات المتحدة في توجهاتها السياسية الخارجية، ليس فقط تجاه العالم العربي وقضاياه المصيرية المختلفة، بل تجاه الكثير من مناطق وبؤر العالم الأخرى المتوترة ، إلى هذا القدر من النزاهة والصدق.
فلقد اصطبغت السياسات الأميركية الخارجية لعقود طويلة بدرجة كبيرة من البراغماتية والانتهازية، وهو الأمر الذي ساعد على خلق التوترات والحروب في أية منطقة تطأها أميركا وتعتبرها منطقة نفوذ سياسي خارجي لها.
وربما يمكن الإشارة هنا إلى القارة اللاتينية التي دفعت أثمانا هائلة بسبب التدخل الأميركي، سواء على مستوى حكم العسكر والقمع السياسي لسنين طويلة، أو على مستوى النهب الاقتصادي المنظم الذي استفادت منه الولايات المتحدة لعقود طويلة كذلك، وهو الأمر الذي انتبه له الكثير من دول أميركا اللاتينية من حيث تحولاتها الديمقراطية والاقتصادية على السواء، والتي جاءت بصورة مضادة للتدخل الأميركي في القارة.
يكشف لنا تاريخ الولايات المتحدة منذ ظهورها وحتى اليوم أنه تاريخ دموي ومدمر، ورغم ما قدمته أميركا للعالم من اكتشافات مادية، فإن ذلك لم يشفع لها بسبب ممارساتها القمعية والدموية عبر الكثير من مناطق التوتر في العالم، ولم يكن التدخل الأميركي من أجل قيم الحرية والعدالة والديمقراطية، كما يتشدق الساسة الأميركيون وكما تمطرنا وسائل الإعلام الأميركي الكاذبة في معظمها، بقدر ما كان من أجل مصالحها المادية المباشرة، والاستغلال الاقتصادي المباشر والعلني للكثير من مناطق العالم المختلفة.
ورغم المحاولات الأميركية من أجل تحسين صورتها في العالم العربي، فإنه من الواضح أن سمعة أميركا قد وصلت إلى الحضيض بين شعوب المنطقة. فقد أصبح المواطن العربي البسيط على دراية ووعى كافيين يمكنانه من الربط المباشر بين ما تقوم به ( إسرائيل ) من قتل وتدمير في غزة وبين التواطؤ الأميركي معها، سواء عبر مجلس الأمن أو عبر المساعدات العسكرية التي لا تنقطع لـ( لدولة العبرية ).
ولعل هذا ما يؤدي بالتبعية إلى ارتفاع معدلات الكراهية المتواصلة بين الشعوب العربية لكل ما يرتبط بأميركا حتى لو ارتبط بدعوات الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، فمن غير المتصور أن يأتينا أي خير أو مصلحة من الولايات المتحدة الأميركية في ظل مثل هذه السياسات، وهو ما يستدعي من المثقفين والشرفاء العرب العمل على مواجهة هذه السياسات الأميركية، عبر توعية الأجيال الجديدة القادمة، مع الحفاظ على الزخم الجماهيري الحالي.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح



[C]

أضف تعليق