حدث لبوش في زيارة الوداع الأخيرة للعراق ما لم يكن في الحسبان، فقد كان هدفا مباشرا لقاذفات من نوع غير مألوف، لم يكن مستعدا له ولا لتداعياته، كان بانتظاره حذاء منتظر الزيدي الذي جعل من وجهه مرادفا لصيقا بالحذاء كلما جاء ذكر العراق أمامه.
فأل سيء سيرافقه مدى العمر مذكرا إياه بمآسي شعب العراق التي سببتها قراراته الغبية، كان مؤملا أن تكون زيارته هذه لتخفيف القلق الذي يجتاح اتباعه في العراق، جاء ليقول لهم إنهم سيكونون بأياد أمينة من بعده، جاء ليقول لهم: هذا غيتس باق، وهو صمام الأمان لكم وللنصر الأمريكي الذي طال انتظاره، وهذه هي الاتفاقية بيننا تمهد الطريق لخلفي كي يتعامل معكم ومع عراقكم كما يجب، لكن رد منتظر جعل كل ترتيباته ترتبك وكأنها ريشة في مهب الريح!.
كالعادة، فزيارة الوداع ولرئيس مثل بوش ضرورية للظهور بمظهر الواثق أمام الداخل الأمريكي الذي يضغط باتجاه ترك العراق للعراقيين، يريد بوش القول إنه سيسلم العراق موثوقا الى أوباما، وإن الاتفاقية الامنية معه هي مفتاح النصر القادم!.
كان بوش يحاول، وقبل مغادرته المكتب البيضاوي، تبييض ما أمكن من صفحات حكمه المليئة بالسواد والثقيلة على قلوب أغلب الامريكان، وعلى قلوب معظم أصحاب القلوب في القارات الخمس، ولو بشيء من التبرير المصحوب بطلب الصفح، فهو يأسف من ناحية على حربه في العراق مدعيا أن الاخطاء الاستخبارية كانت السبب الأول وراء التسرع بشنها، ثم يطالب الأمريكان بطي صفحة الخلاف بشأنها والتصالح على أساس "ان الحي أبقى من الميت"!.
ما زالت عالقة بالاذهان الأمريكية الكيفية التي تم بها انتخابه واللغط الذي ساد وقتها حول شرعية فوزه ثم قلة كفاءته التي سمحت لطاقم إدارته ـ تشيني ورامسفيلد والرهط المرافق له من طحاطيح المحافظين الجدد ـ في تسيير دفة الحكم من وراء الستار، فالرئيس الذي لا يميز بين النمسا واستراليا، ولا يعرف أين يقع العراق، ولا يدرك الفرق بين الصليبية والصليب، ولا يدرك عواقب الحروب المتعددة، وفي وقت واحد لا يمكن أن يكون إلا واجهة لقوى متنفذة ومتعصبة لا يهمها إلا تحقيق أجندتها المسبقة والمعلبة والمؤدلجة، فلم يكن بوش نفسه من خطط للحروب الاستباقية، ولم يكن هو صاحب نظرية الصدمة والترويع في مواجهة المارقين، ولم يكن هو من أبدع عقيدة الرسالة الربانية لامريكا ونظامها في فرض إرادتها على العالم اجمع!.
11 سبتمبر كان الفاتحة العملية لحكمه الذي استطال لثماني سنوات عجاف وكأنه حدث مبرمج يراد منه تسليك ما بعده من تداعيات، إعصار كاترينا واخواتها كان وحده حدثا طبيعيا سافرا وغير مبرمج، ولانه كذلك، فلم يكن الرئيس وطاقمه جاهزا لمواجهته، كانت سياسة التخويف من الاعداء البرابرة سياسة الابتزاز والترهيب بالأكاذيب والمعاني الغامضة ديدنا للاعلام واجهزة الدعاية الموجهة لتسهيل مهمة الانقياد الاعمى وراء قرارات الادارة الجائرة!.
الحرب على الارهاب لواء مضلل لدين الامبراطورية الامريكية التي لا دين لها غير احتكار رأس المال وما يتبعه من تدابير ضرورية لديمومته كاحتكار مصادر الطاقة والقوة العسكرية وأسواق العمل والتصريف وربطها جميعا بـ"معبد" ويل ستريت، والصكوك الخضراء التي تتحكم بورصته بأثمانها الحقيقية!.
الحرب على الارهاب حرب لصوصية عالمية جديدة لتأبيد تحكم القطب الأمريكي الأوحد في العالم وما يختزنه من طاقات، إنها حرب شبحية ليس لها نهاية للصوص لا يتحركون إلا عندما يعم الضباب!.
رويدا رويدا تنكشف الحقائق، الناتو يعتبر مشاركته في حرب افغانستان ورطة يجب الانسحاب منها، امريكا لا تمانع من التفاوض مع طالبان، والمؤشرات قد تحتم نوعا من الهدنة مع القاعدة إن وافقت هي على نوع من التغيير، امريكا تريد الخلاص من عار غوانتنامو!.
لا سلاح للدمار الشامل في العراق، ولا صلة للعراق بأحداث 11 سبتمبر او القاعدة، لا ديمقراطية مع الاحتلال في العراق، بل هي الفوضى العارمة فيه.
إن الذي يعانيه العراق منذ 9 نيسان 2003 وحتى الآن هو دمار شامل بسبب عملية غزوه واحتلاله وإسقاط دولته والعبث بمقدراته، العراق يعيش حالة تقاسمات وتحاصصات طائفية وعرقية متحركة نحو مزيد من المكاسب على حساب العراق وشعبه!.
في العراق مقاومة باسلة تتصاعد رغم البطش ورغم مسلسل الرعب الذي لم يتوقف عند فضائح أبو غريب واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا وتعميم الفساد والفرقة حتى غدا العراق اليوم نموذجا للفشل الأمريكي الذريع في الشرق الاوسط الكبير وفي العالم اجمع!.
10 مليارات دولار شهريا للصرف على عبثهم في العراق، ولا أفق حقيقيا لتحقيق النصر الموعود، وبوش وأوباما أيضا يدركان الآن جيدا أن انحسار خسائرهم البشرية حاليا ليس معناه نجاح دائم للوجود الأمريكي هناك إنما هو نوع من التهدئة المؤقتة التي تستدعيها تحولات في تكتيكات واستراتيجيات المواجهات ذات النفس الطويل والتي تعتبر فخا مؤلما لهذا الوجود الذي بات منبوذا في الداخل الامريكي مثلما هو منبوذ اصلا في خارجه!.
الاتفاقية الأمنية بين امريكا والعراق جاءت كإجراء يتيح للامريكان مرونة في الهروب او في تقنين الوجود حتى يتم الاطمئنان ولو جزئيا على عدم الظهور بمظهر المهزوم وما يترتب عليه من تداعيات قانونية ومادية ونفسية، لذلك فالاتفاقية تقر بالبقاء الأمريكي المشروط، وتقر أيضا بالانسحاب المشروط، وكل هذا بتسهيلات مذهلة من الجانب الآخر أي الجانب الذي يفترض فيه أن يمثل المصلحة العراقية الحرة!.
الاتفاقية وتطبيقاتها وكيفية التعامل مع أهدافها ستكون محكا للادارة الجديدة التي اعتمدت بنجاح حملتها على شعار الانسحاب من العراق، والحقيقة هنا أن المقاومة العراقية وحدها من يملك زمام المبادرة، أي المقدرة على الضغط الميداني والسياسي الذي سيجبر الادارة الجديدة حتما على الالتزام الكلي بما وعدت به شعبها!.
لم يكن العالم بأجمعه سعيدا بفترة حكم جورج بوش الابن، لذلك تراه قد تنفس الصعداء عندما خسر قرينه وامتداده الحزبي والايديولوجي جون مكين حتى أن أغلب المنظمات الأممية قد عبرت عن تطلعها بأن يكون الرئيس الامريكي الجديد مختلفا عن سابقه شكلا ومضمونا!.
كيف لا وبوش كان لا يراعي أي اعتبار لحسابات المشاركة الدولية والمسؤولية الجماعية واحترام وجهات النظر المخالفة للوجهة الامريكية، فالموقف الامريكي من معاهدة كيوتو، التي تمحورت حول المعالجات الملزمة لتخفيف مخاطر التحولات المناخية وأضرار ارتفاع حرارة الأرض، المنطلق من اعتبارات انانية تريد التملص من المسؤولية لا سيما وان امريكا هي واحدة من اكثر دول العالم المسببة لانبعاثات العوادم العدوة للبيئة، ثم الموقف الامريكي من المحكمة الجنائية الدولية والضغوط الامريكية على المحكمة لاستثناء الامريكان من الملاحقات القضائية الدولية، المواقف الامريكية غير المناسبة لمصالح الغالبية العظمى من دول الاتحاد الاوروبي فيما يتعلق بتطبيقات قوانين منظمة التجارة العالمية والابتزاز الامريكي للهيئة العامة للامم المتحدة ومنظماتها المتخصصة ـ اليونسكو مثلا ـ عندما تتعمد الربط بين تسديد حصتها من تمويل مخصصات الأمم المتحدة وبين الرضوخ لشروطها، الدور الامريكي السلبي في مجلس الامن بخصوص النزاعات العالمية والمشكلات المزمنة التي تتطلب تضامنا دوليا لمعالجتها كأن تستخدم حق النقض مرارا وتكرارا للدفاع عن تجاوزات اسرائيل المخلة بالقوانين الدولية متحدية بسلوكها هذا الارادة الدولية التواقة للتوازن في التطبيقات الميدانية للصلاحيات والقدرات!.
لقد كان بوش أكثر رؤساء أمريكا فاقدا للصلاحية والمصداقية في الداخل والخارج الامريكي على حد سواء، هذا إضافة إلى تميزه بلقب الرئيس الاكثر غباء في التاريخ الامريكي، فما أكثر وعوده التي لم يصدق بها، فهو قد وعد العالم في مؤتمر انابوليس بأن نهاية عام 2008 ستشهد قيام الدولة الموعودة للفلسطينيين، ووعد شعبه والعالم أجمع بأن امريكا والعالم سيكونان أكثر أمنا بعدما تم الاطاحة بالنظامين الافغاني والعراقي، وهذا ما لم يحصل، بل حدث عكسه تماما، حيث توالدت المشاكل والازمات، وانهار الامن الاقتصادي في الداخل والخارج الامريكي، وأصبح النظام العالمي أكثر قلقا حتى توج بأعمق ازمة اقتصادية يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وانكمش الاقتصاد الأمريكي، وتعالت الصيحات من ديونه التي صارت حملا لا يطاق على اقتصاديات العالم!.
حماقات بوش لم تستثن أحدا، فادارته عملت على انعاش سباق التسلح العالمي وعلى اكثر من صعيد، الى جانب قيامها باستهتار متعمد بالاخلال بكل التوازنات الاقليمية والقارية من خلال استدراج دول أوروبا الشرقية لدخول بيت طاعتها بانضوائها تحت خيمة حلف الناتو، ثم سعيها المحموم لتطويق روسيا بشبكة صاروخية مضادة للصواريخ البالستية، مما وتر الأجواء بين روسيا وجيرانها من جهة وبين روسيا وحلف الناتو من جهة أخرى، وكانت حرب القوقاز الأخيرة إحدى التداعيات الصارخة لهذه السياسة الحمقاء!.
المضحك المبكي كان في كلمة بوش الأخيرة التي حاول فيها تجميل صورة الشرق الأوسط مدعيا أنه أكثر استقرارا من ذي قبل، ثم تهرب من ذكر فشله بتحقيق وعده بقيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية ولايته الى إلقاء اللوم على الرئيس الراحل ياسر عرفات بعرقلة جهود السلام واصفا اياه بالارهابي!.
متناسيا أن وعده جاء بعد رحيل ياسر عرفات أي لم يكن لعرفات الغائب أي دور في فشل جهوده المنحازة والعقيمة!، بربكم الا يستحق هذا البوش محاكمة دولية تحاكمه على أكاذيبه وجرائمه وارهابه؟.
بعد كل هذا الخراب كيف يتسنى للامريكان أن لا يذكروا بوش وفترة حكمه بأبشع الأوصاف؟.
كيف يقبلون اعتذاراته ومحاولاته للتملص من المسؤولية الوظيفية والقانونية والاخلاقية؟.
من على استعداد لتصديق أقواله بأن المعلومات الاستخبارية الخاطئة كانت وراء حماقاته التي لا تنحصر بقضية واحدة؟.
إن أغلب الامريكان، بل أغلب مواطني دول العالم قاطبة هم ليسوا مع بوش بما قال وفعل، وهم بذلك - وحسب القاعدة التي يسير عليها بوش نفسه - ضده!.
أخيرا هل يحق لرئيس بهذه المواصفات ان ينهي ولايته وهو مرفوع الرأس؟.
ربما يستطيع ذلك إذا اعتبرنا بعبرة السنابل الفارغة التي تبقى منتصبة لخواء حملها، في حين تنحني السنابل المحملة بالثمار!!.
كان منتظر الزيدي هذا الصحفي العراقي الشاب الذي رأى الكثير من شظايا جرائم بوش في العراق ينتظر بوش ليوصل له رسالة عراقية خالصة مفادها أن أهل العراق لا يكنون له ولسياسته في العراق غير الاحتقار والرغبة في مواصلة مقاومتها، ويبدو أنه لم يجد ما يوجز هذه المعاني إلا الهتاف بسقوط بوش ورشقه بحذائه، وهذا ما حصل فعلا!.
لم يجد بوش في زيارته التوأمية إلى كابل التي كانت هي الاخرى مفاجئة وسرية ما يسره او يخفف من حدة التشاؤم الذي اثارته زيارته الاولى لبغداد، فأخبار التدهور الامني في قندهار ومعظم مناطق جنوب وشرق افغانستان تتواتر ودون اي مؤشر للتراجع، والتململ يتسرب الى معظم عناصر قوات الناتو المشاركة في الحرب الافغانية، أما كوارث انقطاع خط امداداتها القادمة من باكستان فحدث ولا حرج حتى أن قادة الناتو في كابل راحوا يفكرون بتغيير مسار طرق الامدادات من الشرق الى الشمال، بل ذهب بعضهم الى الحديث عن تخصيص مبالغ "خاوة" للقبائل الموالية لطالبان حتى لا يتعرضوا لشاحنات المدد، ناهيك عن توسلات حميد كرزاي - الذي نادرا ما يغادر قصره في كابل - ببعض الوسطاء لاقناع قادة طالبان بالتفاوض والمشاركة في الحكم!.
ذهب بوش غير مأسوف عليه وعلى فترة حكمه الكريهة، ذهب وستلاحقه اللعنات، لعنات الارامل والايتام والمفقودين والمتضررين، لعنات ضحايا ابو غريب وغوانتنامو، لعنات كل المدافعين عن حقوق الانسان في العالم، ذهب وستلاحقه "قنادر" منتظر الزيدي الموقعة بتأييد الملايين في العراق وحول العالم والى أبد الآبدين!.
* كاتب عراقي مقيم في السويد
العرب اونلاين
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
حذاء منتظر.. أقل الجزاء.. جمال محمد تقي*
