هيئة علماء المسلمين في العراق

هل هي النهاية الرمزية للاحتلال؟.. زهير الخويلدي*
هل هي النهاية الرمزية للاحتلال؟.. زهير الخويلدي* هل هي النهاية الرمزية للاحتلال؟.. زهير الخويلدي*

هل هي النهاية الرمزية للاحتلال؟.. زهير الخويلدي*

عندما قذف مراسل قناة البغدادية منتظر الزيدي خريج كلية الإعلام ببغداد حذاءه في وجه بوش وحليفه المالكي فانه في الواقع عبر عن رفض كامل الشعب العراقي للوصاية والتبعية، ودق بذلك الإسفين الأخير في نعش الاحتلال الأمريكي للعراق، وثأر للأرواح والأرزاق التي هبت عليها رياح عاصمة الصحراء، ومرغت كرامة العراقيين في الوحل، ودنست مقدساتهم على الأرض.

هذه الحادثة وقعت في ذكرى إلقاء القبض على الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وما رافق ذلك من بث لصور مذلة إلى العالم عن العرب والمسلمين ثم القيام بالتشفي والانتقام عندما تم اعدامه بعد محاكمة غير عادلة وإدانة غير مثبتة في ظل مناشدات عالمية بحسن معاملته بحكم كونه الرئيس الشرعي لدولة مستقلة ذات سيادة.

إن ما استيقظ في الزيدي هو شهامة الرجال النشامى الذين يجود بهم علينا القدر نادرا، ويأتون من بطون الغيب، ويجسدون خط الثورة في التاريخ من سلالة أهل العدل والتوحيد، وما حركه هو تراث العراق المنهوب وعظمة شعبه وعراقة حضارته، فكانت قبلة الوداع طريحة رمزية لبوش ترمم معنويات الشعب العربي الذي كثيرا ما هتف إلى هذا الرئيس في مظاهراته بأنه لا يقبل الإهانة، وسيرد الفعل بطريقته على ضراوة القصف وعلى الطاقة التخريبية التي تحملها الصواريخ إلى المدن والأراضي العراقية والقنابل والتقتيل والتشريد والتفكيك.

والآن ها هو بوش يرحل مدحورا خاسئا، وها هي الديمقراطية تنتصر على جبروته وغطرسته، وها هي المنطقة الخضراء تتحول إلى ساحة صفراء تكشف عن قبح الممارسة ومكائد العسكر وممارساتهم الشنيعة والدنيئة في أبو غريب والفلوجة والموصل وكركوك وحلبجة والأنبار وديالى والبصرة والعمارة والسماوة والنجف وكربلاء والتي ذهب ضحيتها الأبرياء والشيوخ والصغار والنساء.

هل انتقم الزيدي لاستباحة جحافل الجراد لعرض العراق وانتهاكها لشرفه ومجده؟.

أظن أن بوش قاد شعبه إلى انتهاك كبير لحقوق الإنسان، وجعل اسم أمريكا يرتبط بالتعدي والاستعمار والغطرسة على الشعوب الأخرى، وقد حكم بلاده بطريقة سيئة، وأعطى أولوية مطلقة للحل العسكري والاستعمال المفرط للقوة في التعامل مع القضايا السياسية، وقد انتهت مدة حكمه بأزمة مالية عالمية وبإفلاس كبير للبنوك والشركات، وذلك نتيجة التكلفة الباهظة للحروب المتهورة التي خاضها وعجز الاقتصاد الأمريكي عن تغطية هذه النفقات الحربية، وانتهى أيضا بفشل ذريع لسياسات أمريكا في العراق وافغانسان والصومال وروسيا وعجزه في إيجاد أرضية تسوية للصراع العربي الإسرائيلي وإجبار إسرائيل على الالتزام بالسلام مع جيرانها العرب.

يا لها من عاقبة سيئة في لحظة وداع خاص في بغداد لبوش!، ويا له من رفض عارم لكلمات الأسف والاعتذار التي صدرت منه تجاه العراق بعد فوات الأوان وتوقيع الاتفاقية الأمنية التي تعيد الانتشار!.

لقد نعته الزيدي بالكلب، وافتك من العالم الاعتراف بأن بلده محتل وأن شعبه تائق إلى التحرر الحقيقي والاستقلال التام، وقد أدان بصنيعه هذا كل الذين ضربوه عقابا، ونكلوا به حفظا لماء وجههم أمام راعيهم الأمريكي، وورطهم في التعامل مع المحتل والرغبة في إبقاء العراق في الأسر.

الآن أجزم بأن الشعب العراقي سيهتف باسم منتظر الزيدي بجميع أطيافه ومكوناته، وسيتحول هذا الصحفي الواعد إلى بطل قومي؛ لأنه عبر عما يخالج كل مواطن عربي صادق وكل مناصر للقضايا العادلة في العالم من الخيرين وأصحاب القلوب الطيبة؛ لأنه بين بالكاشف حقيقة النوايا الاستعمارية الأمريكية في بلده، وصنع الحدث بكل ما في الكلمة من معنى، وقلب المشهد لصالحه، ورمى هدفا في شباك خصوم العراق، وأنجز فعلا مقاوما شريفا، وأعطى درسا كبيرا لكل المعدلين والخانعين بسياسة الأمر الواقع.

لقد أنهى منتظر الزيدي بإلقائه لزوج حذائه على بوش والمالكي وصراخه في وجه جلاديه الظلمة وشتمه لهما رمزيا الاحتلال الأمريكي في العراق، وبين للملايين في العالم أن العراق ما زال حيا ينبض بالرفض والاستثبات والممانعة وأن مصير أعدائه والمتواطئين معهم هو الخزي والعار والشتم والرفض.

إن الدلالة الرمزية للحادثة هي إعادة المعركة من جديد بين الوطنيين الصادقين والموالين المنبطحين وإعطاء جرعة معنوية كبيرة للمعسكر الأول من أجل الاستمرار في رفض نهج الاستسلام والخضوع والحرص على الوحدة الوطنية في مواجهة مشروع الاختراق والتقسيم، وما خروج المظاهرات في العراق وتحرك شيوخ العشائر في الوسط والجنوب واستعداد العديد من محامي العالم للدفاع على الصحفي إلآ خير تعبير عن رجحان الكفة لصالح دعاة الوحدة التحرر الكامل للعراق.

إن ما يخشاه المراقبون هو أن تتعرض حياة منتظر الزيدي للخطر في ظل الضرب والتنكيل والتعذيب الذي لقيه لحظة رميه بالحذاء وأن يستغل الأمريكيون وحلفاؤهم هذه الحادثة مثلما استغلوا حادثة 11 سبتمبر الأليمة من أجل الانتقام ومعاودة نهج التنكيل وتغذية نزعة التشتيت والتشرذم وإثارة النعرة الطائفية والمذهبية والعمل على تسريع نسق التقسيم.

فهل سيعمل الرئيس الأمريكي الجديد على تلميع صورة بلاده في الخارج، ويزيل أسباب الاحتقان والتوتر في المنطقة العربية؟. وهل سيسحب جيشه من العراق وأفغانستان كما وعد حتى يعيد الاعتبار إلى مكانة شعبه بين المنتسبين إلى التحضر والماسكين بزمام المبادرة نحو التقدم؟. أليس الأصح هو: "أن تفعل للغير ما لا تريد أن يفعله بك"؟.

* كاتب فلسفي من تونس


العرب اونلاين

المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق