((الواجب الشرعي يستوجب نصرة المسلمين بغض النظر عمن يحكمهم، ولا يجوز بحال التنصل من هذا الواجب تحت ذرائع واهية ومصطنعة)).
بعد المجزرة الرهيبة غير المسبوقة، هل يبقى لدعاة "الاعتدال" العرب من السياسيين وإعلامييهم ومثقفيهم أن يراوغوا، ويُلبِّسوا؟!.
جاءت هذه الضربات الجنونية عقب انتهاء التهدئة الهشة التي اخترقتها حكومة الاحتلال مرارا. وليس مفاجئا ذاك العدوان والإجرام الصهيوني من عدو مسفر بالعداوة للمسلمين ولأهل فلسطين كافة على اختلاف منطلقاتهم الفكرية ومواقفهم السياسية حتى التي تبدي تجاوبا مع تلك الدولة، وتستعد للتفاوض معها.
ولكن الغريب المستنكر أن تعلن فئات من السياسيين والمثقفين مواقف تفضي إلى تحميل حماس المسؤولية عما ترتكبه دولة الاحتلال من مجازر بدعوى أن حماس هي التي أوصلت الأوضاع إلى هذه الحالة، وأنها تتمترس بالشعب الفلسطيني في غزة، وتتخذه رهينة لتحقيق مكاسب سياسية خاصة تتمثل في احتفاظها بالسلطة، ولو أفضى ذلك إلى الحصار القاتل، والمواجهات العسكرية غير المتكافئة.
وينسى أولئك أن الخسائر الواقعة والمتوقعة لن يكون قادة حماس السياسيين والعسكريين بمنأى عنها، بل لعلهم الأقرب إلى دائرة الاستهداف الجدي، وليس بدعا في هذه الحركة تضحيتها برموز وقادة كبار من أمثال الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل أبو شنب وصلاح شحادة وغيرهم، كما لم يثن الدكتور محمود الزهار استشهاد ولديه ومحاولات اغتياله عن المضي فيما يراه من نهج المقاومة والتضحية.
كما يتجاهل أصحاب ذلك الرأي أن الذي يُعرِّض حماس والشعب الفلسطيني في غزة لتلك الحرب الشرسة هو المواقف التي أبت حماس إلا التزامها، وهي رفض شروط الرباعية المعروفة المشتملة على الاعتراف الصريح بـ"إسرائيل" ونبذ "الإرهاب" وغيرها من إملاءات تفضي إلى تصفية القضية الفلسطينية والتنازل عن حق العودة وغيرها، وهو ما لا تنفرد به حماس، على أية حال، بل تشاطرها الرأي فيه معظم الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية في الداخل والشتات، ولا يكاد يوافق عليه غير المنخرطين في المشاريع الأميركية و"الإسرائيلية".
ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن حماس وحكومتها ليست مسنودة بتلك المواقف والتوصيفات وحسب، بل إنها فوق ذلك قد حظيت بحسب المنطق الحقوقي والعالمي بتفويض من الشعب الفلسطيني، منحها إياه على برنامجها المقاوم، وعلى أرضية الحفاظ على الثوابت والحقوق الفلسطينية، ولم يسحب الشعب اعترافه بها، ولم تنقض فترة التفويض أيضا.
وبرؤية أقرب فإن التهدئة التي انتهت مدتها أرادتها "إسرائيل" مجانية وغطاء لحصار يميت الناس في غزة موتا بطيئا أو يبتز من حماس تلك المواقف التي تتناقض مع مبادئها، وقد تفقدها أية مصداقية سياسية وأخلاقية.
فهل يعقل أن يُجرَّم من يتمسك بمواقفه السياسية وهو يبدي "مرونة" واضحة في موضوع الهدنة الطويلة، ما يعني عمليا الكف عن تهديد "الإسرائيليين"؟!، ويكاد يعفى العدو "الإسرائيلي" وداعمه الأميركي من أية مسؤولية؟!.
لسنا ننكر تعقيدات الحالة الفلسطينية: سلطة تحت الاحتلال، وتنازع حول من هو الأقرب إلى تحقيق المصلحة الفلسطينية، لكن الإنصاف مطلوب دوما، فكما يأخذ دعاة "الواقعية" من العرب والفلسطينيين على حماس ادعائها الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والحفاظ على ثوابته ومصالحه العليا، على الرغم من كل ما سبق ذكره وغيره، فكذلك لا يليق بهم وهم المجانبون لكل الحقائق السابقة أن يدَّعوا هم التمثيل الكامل للشعب الفلسطيني والانفراد بمعرفة مصلحته.
لقد وصل الأمر ببعضهم إلى التلميح، وأحيانا التصريح، بالدعوة إلى عدم التجاوب مع دعوات حماس للتضامن مع غزة والانتصار لها أمام العدوان "الإسرائيلي" بتلك "الحجج" الواهية كنوع من "إراحة الضمير" من وزر التخاذل العربي المتوقع والتنصل من واجب لا يتزعزع، ولا يتأثر بأية معطيات سياسية أو خلافات أو اختلافات.
ولْنَدعْ حماس وحكومتها جانبا، ولننظر في الصورة الصارخة: أليس الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة ما زال يرضخ تحت احتلال لا يكف عن العدوان بوتائر متفاوتة على نحو ممنهج على الأرواح والمقدسات والأرض؟!. أليست المقاومة حقا مشروعا في كل الشرائع؟!. هل توقف ذاك العدو عن الممارسات الاحتلالية والاستيطانية في الضفة حتى بعد أنابوليس وقبلها؟!. أليست الحالة الطبيعية التي يقضي بها الإسلام هي الصراع مع ذاك الكيان الباطل من أساسه حتى استئصاله؟!. ثم ما وجه المقارنة بين أسلحة المقاومة المحدودة وآلة الحرب الصهيونية؟!. فعلام هذا اللوم والتجريم؟!. ومن أحق به؟!. أيها المنصفون!.
كان المفترض والطبيعي أن يستنفر الناس على اختلافاتهم وتبايناتهم أمام عدوان على شعب يشاركنا العقيدة والعروبة ضد دولة ما زلنا معها، رسميا في الأعم الأغلب، في حالة عداء، ولا سلم حقيقيا حتى مع الدول التي أبرمت معها معاهدات "السلام".
إن الواجب الشرعي يستوجب نصرة المسلمين بغض النظر عمن يحكمهم، ولا يجوز بحال التنصل من ذلك تحت ذرائع واهية ومصطنعة. ولا يمكن مهما دُبِّج من مقالات أو لُفِّق من برامج إعلامية انتقائية أن تشوش البدهيات أو تحجب الحقائق الثابتة.
ميدل ايست اونلاين
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
هل هي معركة حماس؟.. د. أسامة عثمان
