هيئة علماء المسلمين في العراق

نِهايةُ التاريخِ... \"جَزْمَةٌ\"! عبد الدائم السلامي
نِهايةُ التاريخِ... \"جَزْمَةٌ\"! عبد الدائم السلامي نِهايةُ التاريخِ... \

نِهايةُ التاريخِ... \"جَزْمَةٌ\"! عبد الدائم السلامي

قبلَ البارحةِ، تمّتْ الموافقةُ على بنودِ الاتفاقية الأمنية بين بوش والمالكي. هذا ما سمعناه وشَجَبْناه. ولكنّ أحداثَ إمضاءِ هذه الاتفاقية تشي بكونِ الاتفاقِ بين شعبِ العراق وأمريكا ما يزال يقبعُ بعيدًا في منطقةٍ خضراءَ من خيالِ المالكي وحكومتِه الافتراضيّةِ فقط.

والظاهرُ أن نظريات فرنسيس فوكوياما وصاموئيل هنتنغتون في تاريخ العلائق البشريّةِ وأشراطِ الصِّدامِ الحضاري، لم تُسْعِفْ بوش الذي حزم حقائبَه وحقائبَ كلبَتَيْه ليُغادرَ البيتَ الأبيضَ، ويعيش نهايةَ تاريخِه في مَذَلّةٍ عاليةٍ مِنْ تحقيقِ أمنِه الشخصيِّ في العِراقِ.

فهذا الذي حكمَ العالَمَ بقانون الفوضى، وزكّاها بروحِ مسيحِية مزيفة أفاضَ وُجودُه أول أمسِ في زيارتِه التوديعيّة للعراق كأسَ صَبْرِ الإعلاميِّ منتظر الزيدي مَا جعلَه يرميه بجزمتِه الجديدةِ التي لم تمنعها يدُ المالكيِّ من التوجّه صوب وجهه مثل قنابله الذكيّةِ التي أمطرَ بها العراقّيين، فأفرغته، وهو الفارِغُ من حُبّ الإنسانية، من كلِّ شجاعتِه التي أبدى في حربِه على العراق، وكشفتْ خوفَه من "نَعْلٍ" عراقيٍّ أخالُه لن ينساه ما بقيَ جسدُه النحيلُ حَيًّا باعتبارِ أنّ روحَه الثخينةَ بالآثامِ تنتظرُه منذ سنواتٍ عند إبليسِها الرَّجيمِ!!.

هل يجوز لنا الحديثُ، بعدَ واقعةِ "الجَزْمةِ"، عن صدام الحضارات؟ أبدًا. ما يجوزُ لنا هو الحديثُ عن الصراعِ بين الحضارةِ والهمجيّةِ: حضارةِ العراقِ العظيمة التي بدأ فجرها سنةَ 5000 قبل الميلاد، وتواصل إلى الحقبة الزمنية التي ابتدع فيها الإنسان العراقي الكتابة لأول مرة في تاريخ الإنسانية في الربع الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد وما تبعَ ذلك من إنجازات بشريّة دالّة تواصلت حتى عصرنا الراهن مثل اتساع الزراعة وظهور الحياة الحضرية ونشوء المدن وابتداع فنّ التعدين...، وهمجيّةٍ راقيةٍ انتصرَ فيها بعضُ ساسةِ الغربِ إلى المادّةِ، فطوّروا في فنونِها حتى باتتْ أيّامُنا جداولَ حسابيّةً لا طعمَ لها، وأصبحَ الحصولُ على المالِ غايةَ السياساتِ الدوليّة ما شجَّعَ جَشَعَ الرساميلِ الغربية على ابتداعِ حروبٍ ظاهرُها تحقيقُ الدّيمقراطيّةِ وباطنُها استنزافُ خيراتِ الشعوبِ.

إنّ حادثةَ "الجزمةِ" تُمثّل واقِعًا عِراقِيًّا عربيًّا فَذًّا لم تستطع مساحيقُ الاتفاقياتِ الأمنيةِ ولا الوعودُ باستيرادِ الحريّةِ ولا إقامةُ الحكوماتِ المالكيّةِ الاصطناعيّةِ أن تُضْعِفَ ما يعتملُ فيه من أمواجِ الإحساسِ بالإهانةِ التاريخيّة، إهانةٍ ابتدأت بأحذيةِ الغزاةِ وهي تدوسُ على كرامةِ أرضِ العراقِ، ونراها تتحوّل الآن بنعالٍ عراقيّة "شريفةٍ" إلى مشهدِ كرامةٍ وطنيّةٍ تلطمُ وجهَ بوش، وتفتحُ له بابَ نهايةِ تاريخِ همجيّتِه وهمجيّةِ أتباعِه من أنذالِ المنطقةِ الخضراء.


العرب اونلاين


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق