زيارة مفاجئة للعراق لها العديد من الدلالات قام بها رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون، وأنهاها بتأكيده على أن مهمة الجنود البريطانيين قد انتهت،
وحان الوقت لجدولة انسحاب مشرف بعد أن "تمكن من القضاء على الإرهاب وتأسيس ديمقراطية المستقبل وترك العراق في ظل الأمن والاستقرار في أيدي القوات العراقية التي أصبحت قادرة على إدارة شؤونها بنفسها".
وبراون بهذه الزيارة المفاجئة يناقض ما صرح به، فإذا كان العراق ينعم بالأمن والديمقراطية النموذج فلمَ لم يقع إعلان موعد الزيارة؟!. ولـمَ لم يتنقل بين أرجاء الوطن الذي دمرته جيوشه وجيوش الأمريكان ومرتزقتهم بكل أريحية وفي العلن وأمام الجميع؟!.
قرار سحب جيوشه من البصرة في منتصف عام 2009 لم يكن سببه أنهم "قاموا بأصعب المهام، وأسسوا ديمقراطية من أجل المستقبل، ودافعوا عنها ضد الإرهاب"، بل المسألة تتعدى هذه الأوهام.
فالعراق لم يعد المكان الآمن للجنود البريطانيين، وكذلك للجنود الأمريكيين بعد تصاعد المقاومة العراقية وبعد الخسائر المادية والمعنوية التي لحقتهم.
ذاك ما تشير إليه التقارير والأخبار الواردة من بلاد الرافدين، فالعمليات ضد الاحتلال وأعوانه ما زالت مستمرة، وما زالت تربك جنود الاحتلال، وتقض مضاجع الساسة البريطانيين والأمريكيين على السواء.
وكل القراءات التي تشير إلى نجاح الاحتلال في أهدافه وإرسائه للديمقراطية والقضاء على الإرهاب وجعل العراقيين في أمن دائم كلها قراءات تسوق للاحتلال ومن جاء بهم، إذ الواقع يكذبها؛ فبعد زيارة براون المفاجئة بوقت قصير انفجرت قنبلتان في بغداد، وخلفت 18 قتيلا و53 مصابا.
فعن أي أمن يتحدث رئيس الوزراء البريطاني، وعن أية ديمقراطية تؤسس للاقتتال والدماء... دماء العراقيين التي أصبحت مباحة بسبب الفشل الذريع لمشاريع الاحتلال وسياساته وفشل حكومة المالكي في الحفاظ على وحدة العراق ضد الطائفية، والتأسيس للاقصاء والتهميش؟!.
العراق الذي زاره براون ما زال لم يعرف الأمن إلى الآن، وما زالت أرواح العراقيين تزهق بكل برودة دم، وما زال الاحتلال والمليشيات المأجورة ترتكب الفظاعات ضد السكان والأبرياء بدعوى حمايتهم للإرهابيين، وما زالت الفوضى الأمنية هي عنوان المشهد العراقي.
لكل تلك المعطيات فإن براون لم يحسن اختيار المصطلحات، وكان عليه أن يجد مبررات أخرى لهروبه من العراق؛ فديمقراطية المستقبل لا يؤسسها المحتل الغازي، بل يؤسسها أصحاب الأرض، وهو لن يعلم العراقيين دروس الديمقراطية وأبجدياتها.
براون كان عليه أن يشير إلى أن البقاء في العراق أصبح مغامرة غير معروفة النتائج بحكم الأزمة الاقتصادية الخانقة وبحكم ما تتكبده بريطانيا من خسائر كتكلفة للحرب وما يدفعه جنودها من ثمن تكون المقاومة العراقية الباسلة عادة وراءه.
العراق الذي أصبح يعيش حالة من القتل اليومي والفلتان الأمني لن تقدر جيوش الاحتلال على السيطرة عليه بحكم أن الشعب العراقي في حقيقته رافض للاحتلال ورافض للوصاية وللوجود البريطاني والأمريكي.
وهذا الرفض الوجداني لا يمكن لأي كان أن يتجاوزه، ويغيره إلى حب وقبول وترحيب.
الإنسان العراقي الآن أصبح رافضا للوجود الأمريكي والبريطاني على أرضه، رافضا لأن يعيش وسط حصار الدبابات الأمريكية وسط الخوف الدائم.
وذاك الرفض عبرت عنه المقاومة بأساليب مختلفة، وتمكنت بوسائل بسيطة من جعل الغزاة يفكرون في الرحيل، ويضعون الجداول الزمنية، وعبر عنه أخيرا الزيدي الذي أسقط ذاك الصنم المخيف وتلك الهيبة المصطنعة.
جوردن براون كان واعيا بهذه الحقيقة لذا سارع إلى لملمة جنوده والهروب من المستنقع الذي بدأ يضيق، وبدأ يحاصر الجميع، وكل المنمقات اللفظية لن تخفي حقيقة الأسباب التي تجعل قوات الاحتلال تغادر، وتختار الخروج من العراق.
قرار انسحاب القوات البريطانية إذن لم يأت صدفة، ولكنه جراء العديد من الدوافع، أولها تصاعد ثقافة الرفض ومقاومة المحتل، وثانيها الأزمة الاقتصادية وما يفرضه البقاء في العراق من فاتورة باهظة.
العرب اونلاين
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
ثقافة الرفض.. عبد الفتاح العربي
