نظرية المؤامرة بين أزمة المال وأزمة الحذاء - د. يوسف القاسم
حضرت قبل عيد الأضحى ندوة فقهية حول الأزمة المالية وانعكاساتها على اقتصاديات دول الخليج، تحت رعاية الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل(الهيئة البكر الولود)، وقد كان من ضمن أسئلة الحضور سؤالٌ غريب، يحمل مفهوم المؤامرة بأقصى درجاتها، وكان سؤال الأخ الكريم:"هل كانت الأزمة المالية مفتعلة؟".
فدهشت من هذا السؤال! وقلت في خلدي: كيف يمكن لنظرية المؤامرة أن تطمس كل الأدلة المشاهدة والمحسوسة لتنسج خيالاً غريباً وعجيباً كهذا؟ وأضحى من حسن حظ الولايات المتحدة الأمريكية أن يفسر كل ما يحل بها من مصائب ونكبات لصالحها.
فأحداث سبتمبر خدعة أمريكية لتمرير أجندة سياسية وعسكرية. .
والتورط الأمريكي في المستنقع العراقي لعبة عسكرية واقتصادية. .
وكارثة الرهونات العقارية خطة سياسية، ومناورة اقتصادية. .
وهنا يتملكك العجب!
فالأزمة المالية التي تسهم في إزاحة الحزب الجمهوري الحاكم عن الرئاسة، وتطيح ببنوك وشركات كبرى بالعشرات، وتزحزح عدداً من مدراء المؤسسات والشركات المالية الكبرى عن مناصبهم، وتحيل "في إطلالتها"عشرات الآلاف من العمال(53.000) إلى عاطلين في الشوارع، وتضطر الحكومة الأمريكية إلى استجداء مجلس الشيوخ والنواب ودافعي الضرائب للسماح بخطة الإنقاذ، وتدفع بميزانية الحكومة الأمريكية نحو الديون الترليونية. . . الخ، هذا النوع من الأزمة إذا كان مفتعلاً، فهذا يعني أنه تآمر من الحكومة الأمريكية للإيقاع بالحكومية الأمريكية ذاتها، وبالخزانة الأمريكية، وبالاقتصاد الأمريكي، وبالشعب الأمريكي، وبـــ. . . الخ، وتصور ذلك كاف في إبطال هذه الفكرة برمتها.
ومن يدري، فقد يخرج علينا من يقول:
رشق الحذاءين العراقيين على الرئيس الأمريكي رسالة أمريكية للدلالة على مدى مساحة الحرية في الدولة العراقية، ومدى نضج التجربة الديموقراطية...!!
ولن يعدم صاحب هذه المقالة من حجة، فالأدلة قوية، والشواهد دامغة...(!!!) بدليل:
1- عدم إصابة الحذاءين للرئيس الأمريكي.
2- انحناء الرئيس السريع للحذاء.
3- تباطؤ تدخل رجال الأمن.
وبهذا تتحول النكت والأباطيل إلى حجج!
بل وتصبح الأدلة العقلية (المدركة بالعقل) والأدلة الحسية (المدركة بالحس) رهناً لنظرية المؤامرة، وحينئذ تصبح هذه النظرية نوعاً من الخداع النفسي المضلل، من حيث نشعر أو لا نشعر.
ولا ريب أن نظرية المؤامرة حين تزيد عن الحد المسموح به، وتتجاوز خط الاعتدال، وتتعدى منطقة الوسط، فإنها تطمس على الكثير من الحقائق، فتقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً، وإن اعتبرها البعض عامل ذكاء؛ فهي تعطي في كثير من تطبيقاتها عوامل عكسية.
ولئن كانت حادثة الحذاء العراقي مفتعلة، أو مدفوعة الأجر ـ كما قد يدعي البعض ـ فلقد أخطأ شعراء الغيرة في العالم حين جادت قرائحهم لـ"منتظر الزيدي" بأبيات رائعة تذكرنا بقصائد الفحول من شعراء العرب، لا فضّ الله أفواه الغيورين من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ومن تلك الأبيات التي تستحق الإشادة، ما جاد بها يراع د. أحمد التويجري"العضو السابق في مجلس الشورى"، حيث قال:
اخلَعْ حِذاءَكَ أيُّهَا البَطَـــلُ.... واقذِفهُ كَيْمَا يَرتَعِدْ هُبَــــلُ
واشتُمْهُ والعَنْ كُلَّ عُصْبَتِهِ.... شَاهَ الشقيُّ وجُندُهُ الهَمَـــــلُ
واجْعلهُ يعلمْ أنّ أمَّتَنَـــــــــا.... لا تَستَكِينُ وهامُهَا زُحَلُ
اخلعْ حِذاءَكَ يا لرَوْعَتِـــــهِ.... يا للتَّمَرُّدِ فيهِ يَـــشتَعِـلُ!!
واصْفَعْ زَنِيماً فَوْقَ هَامَتِـــهِ..... واجعلْهُ كالجُرذَانِ يَنخَذِلُ
واقذِفْ جَميعَ الخائنينَ بــه.... منْ لِلدَّنيَّةِ عِرضَهَمْ بَذَلُــوا
فَلَقَدْ كَشَفْتَ لِثَامَ سَوْأَتِهِـمْ.......ولقد فَضحتَ جميعَ ما فعـلوا
اخَلعْ حِذاءَكَ أيّها البَطــلُ.... باسمِ اليتامى واسمِ مَنْ قُتِلوا
باسمِ الدّماءِ تَسَلُّطاً سُفِكَتْ.... باسمِ الأراملِ باسمِ مَنْ وَجِلُوا
باسمِ الشعوبِ تَجبُّرَاً قُهِـرَتْ.... باسمِ الكِرَامِ وكُلِّ مَنْ خُذِلُوا
باسمِ الأُولى غَابَتْ حِكَايَتُهُمْ.... باسمِ القُلوبِ عَزَاؤُها الأمَلُ
اخلعْ حِذاءَكَ أيَّها البَطــــلُ.... واقذِفْهُ كيما يَرتَعِدْ هُبَــــــلُ
اخلعْ حذاءَك فهو يُشــــبِهُهُ.... لكنّهُ مِنْ فِعلِهِ خَجِــــــــلُ
واخلعه بِرًّا مَرَّةً أخـــــــرى.... واقذِفهُ كَيْمَا الحَجُّ يَكتمِــــلُ
وبيتان لشاعر آخر :
لديَّ سؤالٌ بحجـمِ العــراقِ.... وطولِ الفراتِ ومدِّ النظـرْ
لماذا وأنت سليلُ النخـــيلِ.... تهينُ حذاءَك يـا منتظـرْ؟
وبيتان لشاعر أيضاً:
لا تلوموا الحذاءَ إنْ لم يصبْه.... وهْو من كفّ قاذفٍ قد ألَحّا
لم يكنْ يجهلُ الطريقَ ولكنْ.... خاف من شؤمِ وجهِهِ فتنـحّى
لقد أثبتت هذه الحادثة الطريفة، ذات النكهة العربية العراقية، وما لها من تداعيات شعبية، عربية وإسلامية، أثبتت أن الغيرة الدينية، والنخوة العربية، لا تزال جذوتها مشتعلة في النفوس، متقدة في الضمائرـ وأنها وإن خبت يوماً أو سنة، فإنها لا يمكن أن تنطفئ. . .
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص
نظرية المؤامرة بين أزمة المال وأزمة الحذاء - د. يوسف القاسم
