كل هذا بسبب حذاء - د.عبد الحميد الكاتب
سمعنا عن أدباء تتفتق قرائح شعرهم لنظرة من حبيبتهم أو جمال طبيعة يظهر أمامهم أو حادثة تلم بهم ، فينتج عن ذلك شعراء ينظمون القصائد وكتاب يؤلفون كتبا أو يسطرون مقالات ، وقرأنا عن علماء كان سبب بعض اختراعاتهم ملاحظتهم لحدث في الطبيعة ينبههم لقانون أو اختراع ونحوه ، ولكن أن يكون ( الحذاء ) سببا لكل ذلك فهذه سابقة لم نسمع بها من قبل .
فور سماعي للخبر ومشاهدتي للصور الأولى لحادثة قذف بوش بـ( الحذاء ) من قبل الصحفي العراقي ( منتظر الزيدي ) قفزت إلى الحاسوب لكتابة مقال يقارن بين طريقة استقبال لبوش بالحذاء وبين طريقة استقبال ( اللاعبين بالسياسة ) لبوش بالفرحة وأخذه بالأحضان ، وسارعت لنشر المقالة على صفحات الأنترنيت وبين الأصدقاء ، لكني تفاجأت أن العشرات غيري قد سبقني بمقالات رائعة في هذا المجال ، بل سبقنا الشعراء فنظموا القصائد في مدح ( الحذاء ) ومدح صاحبه ، وتبارى الكتاب في توثيق الحادثة من غير المقالات والقصائد فهذا يكتب النكتة وذاك يسردها في قصة وثالث يصوغ الأهازيج الشعبية حولها .
وإذا ما استعرضت وسائل الإعلام تراها قد انشغلت بهذه الحادثة دون سواها من أحداث العالم ، فلم تعد الفيضانات أو حوادث القتل والحروب ولا حتى الإعصار المالي الذي ينذر بالانهيار المرعب لأمريكا لم يعد كل ذلك مهما في الإعلام مقارنة بحادثة ( الحذاء ) .
وفي قراءة للرسائل المرسلة من المشاهدين المعروضة على شريط الرسائل في بعض القنوات ترى حجم التفاعل الجماهيري مع الحادثة ، فضلا عن الجمعيات المؤيدة والنقابات المساندة ومئات المحامين الذين عرضوا خدمة الدفاع عن ( قاذف الحذاء ) ، والأعجب سماعنا في غرائب الأخبار عن ملايين الدولارات التي يعرضها هذا التاجر أو تلك الجهة مقابل شراء ( الحذاء ) الذي قذف به بوش .
نعم هي المرة الأولى التي يقذف بها رئيس دولة بـ( الحذاء ) بشكل علني ومباشر ، والمرة الأولى التي يهان بها رئيس أمريكا بهذا الشكل ، ولكن حجم الاهتمام هذا هل جاء لأنها ( المرة الأولى ) فقط ؟
إن التفاعل الجماهيري الواسع خير استفتاء على الاتفاقية الأمنية ، ودليل على أن الموافقين عليه من ( البرلمان العراقي ) لا يمثلون من ادعوا تمثيله ، هو استفتاء حقيقي بلا تزييف ، استفتاء مباشر لم ينتظر الأشهر الستة التي وعد بها البعض وعد ذلك نصرا ، استفتاء على الهواء لا يعلن رفض الاتفاقية فحسب وإنما رفض كل الأطراف الموقعة عليها .
ومن جهة أخرى فإن هذا الاهتمام الكبير والمتنوع ليدلل على حجم الحقد الذي تحمله الشعوب ضد ( أمريكا ) وتحديدا رئيسها ( بوش ) الذي يعيش أيامه الأخيرة في حكمه السيئ ، وهذا الحقد بالتأكيد لم يأت من فراغ وإنما ردة فعل طبيعية لسياسات الطغيان والاستعلاء الأمريكي بحق الشعوب ، وردة فعل طبيعية ضد عشرات الجرائم المنظمة التي ارتكبتها (أمريكا) لاسيما في ظل حكم ( بوش ) .
من هنا فواجب على كل الساسة أن يأخذوا العبرة ليس من حادثة ( الحذاء ) فحسب وإنما ردود أفعال الجماهير ، ومن يدري متى تتفجر الجماهير لتعبر عن غضبها المكبوت بعد أن تعلمت طريقة جديدة ضد الزعماء ، وقد سبق لهذه الجماهير أنها تعلمت من المقاومة العراقية أن ( أسطورة الجندي الأمريكي ) كذب ، وانكسر حاجز الخوف من ( الجيش الأمريكي ) الذي لا يقهر .
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص
كل هذا بسبب حذاء - د.عبد الحميد الكاتب
