لقد أوشكت المقاومة الوطنية العراقية بالولوج في سنتها السادسة وهي ما زالت، ولله الحمد، تعطي دروساً مذهلة لكافة قوى التحرر حول العالم. وهذه المقاومة الباسلة مثلما تمثل النبراس المضيء للمستقبل، فإنها تمثل أيضاً \"الخير\" الذي أشار
إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال: "إن الخيرَ باقٍ في أمتي إلى يوم القيامة". وكما لهذه المقاومة الشامخة قادتها السياسيين والعسكريين، فإن لها قادتها الروحيين أيضاً. وعن النقطة الأخيرة نورد أهم قطبين جليلين هما المجاهدان آية الله أحمد الحسني البغدادي والشيخ حارث الضاري، اللذان يتميزان بمواقفهم المبدئية والثابتة في قيادة المشروع المقاوم للاحتلال الأمريكي وإلى كل ما نتج عنه جملةً وتفصيلاً.
ومن خلال تصريحاتهم وأحاديثهم الأخيرة سنأخذ محورين مهمين يتعلقان بالاتفاقية الأمنية التي أُبرمت بين بغداد وواشنطن ومستقبل المقاومة العراقية.
رفض الاتفاقية الأمنية
من دون ريب، كان إفتاء المراجع العربية من السّنة والشيعة تجاه رفض الاتفاقية الأمنية واضحاً جلياً لا تلكؤ فيه ولا تردد. وليس كما فعلت المراجع غير العربية في النجف الأشرف من تميع وتملص حيال هذا الأمر التاريخي والخطير. والسبب لا يحتاج إلى تأويل أو تفسير أو حتى لتبرير، لأن أرض الآباء والأجداد لا يحررها إلا أبناؤها، لا المندسون والمتخاذلون والمتسترون بالدين.
يقول الإمام البغدادي: "أن النصوص التشريعية الدالة على نفي سبيل الكافرين على المسلمين، والأدلة الدالة على النهي عن موالاة الكافرين، والأدلة الدالة على امتنانه تعالى بكف أيدي الكافرين على المسلمين، تؤكد على عدم شرعية سيادة الكافرين على المسلمين".
ومن هذا المنطلق يرفض البغدادي الاتفاقية الأمنية، ويعتبر إبرامها عملا غير شرعي. لأنها صودقت من جانب "مجلس نواب لا قيمة لوجهة نظره إطلاقاً، لأن هؤلاء انتخبوا تحت الحراب الأمريكية، والحماية العسكرية". وأشار إلى هذه الكتلة السائرة بركاب المحتل قائلاً: "ليعلم هؤلاء، مهما كان الصهاينة والأمريكيون والتابعون لهم من الملوثين والمفتونين والغرباء والقتلة واللصوص يتآمرون علينا، فإن المسيرة الكفاحية سوف تستمر. وهذا هو منطق الأمم في تحرير أوطانها من خلال المقاومة السياسية والميدانية، وهذا هو منطق حركات التحرر الإسلامية قديماً وحديثاً".
وهكذا دعا سماحته إلى إسقاط الاتفاقية الأمنية عبر تصعيد المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، وكذلك عبر الاعتصامات الجماهيرية، والتظاهرات الشعبية سواء بسواء. حيث "نحن أمة حية مجاهدة لا تقبل بالإذلال والتوهين على طول التاريخ".
وعلى هذا المنوال تأتي أقوال الشيخ الضاري برفضه "الاتفاقية الأمنية وتحريم الموافقة عليها". لكونها باطلة شرعاً ولأنها "اتفاقية بين قوي وضعيف، بين محتل وممثلين لشعب أحتُل ودُمِرَ من قبل هذه الدولة المحتلة، ولأن هؤلاء الممثلين لم يكونوا ممثلين للشعب العراقي حقيقة وشرعية بل كانوا من خلال انتخابات مزورة قررها الاحتلال وأشرف عليها وأنتجها. والكل يعلم ذلك".
ويرى فضيلته بأن "هذه الاتفاقية فيها ما يكفي لتحريمها من الأمور" وهي: تمس السيادة أولاً، ولا تحترم مصالح الشعب العراقي ثانياً، وليس فيها انسحاب كما يزعمون ثالثاً. ولذل يقول: "نحن نعتبر أن الموافقة على هذه الاتفاقية والتوقيع عليها من أي طرف يعتبر خيانة وستبقى غير مشروعة لأنها اتفاقية إكراه وإذلال". وأن مصير هذه الاتفاقية "ستنتهي بانتهاء وجود الاحتلال في العراق".
مستقبل المقاومة
في لغة صريحة ومؤلمة يقول آية الله البغدادي: "نحن كمقاومة لم يدعمنا أحد من النظام العربي والإسلامي الرسمي إطلاقاً. بل نحن نقاتل ب"كلاشنكوف" قديمة ولكنها أفشلت المشروع الأمريكي، وتصدت لأقوى جيش فتاك في العصر الحديث، والذي يعتبر أداة للهيمنة الإمبريالية على العالم".
وأشار إلى أنه التقى عدداً من القادة الفلسطينيين الذين أكدوا له أن المقاومة في العراق هي الحلقة المركزية في التصدي للمشروع الصهيوني في المنطقة، وشددوا على القول له "إذا انهزمتم في معركتكم الفاصلة مع العدو الأمريكي الغاشم ستسقط كل منجزات ومكتسبات الشعب الفلسطيني التحررية".
ويؤكد هذا القول الشيخ الضاري بأن "تحرير بغداد هو تحرير للقدس أو سيسهم في تحرير القدس عاجلاً أو آجلا بإذن الله تعالى. وتحرير القدس هو تحرير لبغداد وانتصار أخوتنا في فلسطين والمقاومين فيها هو انتصار لنا. وقلت سابقاً أن بغداد والقدس وجهان لعملة واحدة على مدى التاريخ".
وعن مستقبل المقاومة الوطنية العراقية يقول سماحة الضاري: أن "مستقبلها بخير فهي قطعت ثلاثة أرباع الشوط للوصول إلى هدفها وهو تحرير العراق، الأمريكيون زائلون". كما وأن "مستقبل العراق مشرق في النهاية... وسيعود لأبنائه الأحرار والأشراف الأصلاء الصامدين على الشدائد من أجل العراق ومن أجل أمتهم وأبناء شعبهم".
وهذا ما يؤكده قول الإمام البغدادي عن النظرة المستقبلية بأن: لا نعول على دور الأمم المتحدة أو غيرها من المنظمات الدولية، أو البرلمان العراقي، فإن ذلك من وجهة نظر فقهية مخالفة شرعية وخيانة وطنية. لأن تلك المؤسسات الدولية "موجهة من قبل الماسونية العالمية وربيبتها الصهيونية". ولذلك يقول: "نحن في العراق كمقاومة ثورية رسالية حضارية لا نريد أن نقتل إنساناً بريئاً، أو نظلم كافراً معاهداً، وإنما كمقاومة نقول للعدو المحتل المجرم أخرج من أين أتيت، لا مكان لك في دار الإسلام... نقول له أخرج، أن القرآن والعقل والوجدان والتاريخ يؤكد علينا مقاتلتك وطردك".
ملاحقة الشيخين
إن ما يتعرض له هذين الرمزين الكبيرين البغدادي والضاري من ملاحقة ومضايقة أمر متوقع، لاسيما من قبل حفاة ورعاع المنطقة الخضراء. وأخرها الاعتقالات التي جرت لمئات من أتباع البغدادي لمعارضتهم العلنية للاتفاقية الأمنية. وقبلها الاعتداء الهمجي على مكتب البغدادي في النجف، وغيرها من سلسة الانتهاكات الوحشية التي تلاحقهم كما تلاحق بقية الوطنيين العراقيين.
أن حثالة حكومة الاحتلال لم تكتف بإصدار مذكرة اعتقال بحق الشيخ الضاري بدعوى دعم الإرهاب، بل لم تكف عن متابعته في العواصم العربية بغية تسليمه لها. يقول الضاري: "نعم، طالبوا سوريا والأردن وجهات أخرى ورفضت هذه الدول، وقالوا لهم هؤلاء سياسيون معارضون كيف نسلمهم إليكم، نحن لم نسلمكم أنتم حينما كنتم في بلادنا أيام صدام حسين". وكذلك كلام وزير الداخلية السعودية الأمير نايف عندما قال لهم: "كنت أتوقع أن تأتونا بتصور عن المشكلة العراقية وكيفية حلها ولا تأتون بهذه المسائل الجانبية".
أن ملاحقة الضاري والبغدادي وغيرهما من الأحرار الوطنيين إن هي إلا أوسمة ونياشين تطرز صدور هؤلاء الرجال. أما صعاليك الاحتلال الذين زينت لهم سوء أعمالهم، فسوف تلاحقهم لعنة التاريخ الأبدية كما لاحقت أبا رغال والعلقمي. أما التصفيات والاغتيالات التي تطال جموع الأحرار من الوطنيين العراقيين، فنحسبهم شهداء عند الباري تعالى؛ ومنزلة الشهداء غير العملاء بالدنيا والآخرة.
وكالة يقين_ 13/12/2008
البغدادي والضاري ومستقبل المقاومة --- د. عماد الدين الجبوري
