من المعروف أنّ الرئيس أيّ رئيس في كل بلدان العالم ، وقبل أنْ يباشر مهام عمله وكشرط لذلك ، يؤدي يمينا دستورية تختلف من بلد لآخر في صياغتها ،
وأعترف بأنّني أجهل نص اليمين الذي أدّاها الرئيس الأمريكي المنصرف جورج بوش حينما تسلّم مهام منصبه ، والتي أدّاها قبله من سبقه في إشغال منصب الرئاسة في الولايات المتحدة ، أو من سيحتل المكتب البيضاوي ، ولكنّني ومن خلال متابعتي لنمط الحياة الأمريكية من قراءاتي ، وعلى الأقل من خلال أفلام هوليوود وخاصة الحربية منها ، ظننت أنّ العلم الأمريكي يحتل مكانة القداسة عند الفرد الأمريكي العادي ، وترتفع
هذه القداسة عند العسكريين ، ثم لتصل ذروتها عند رمز البلاد أي رئيسه ، فهما يحتلان معا دورا تكامليا في أظهار هذه القداسة أمام شعوب الأرض ، حدّ التضحية بالنفس دون السماح للمس بمكانة علم البلاد أو توجيه الإهانة له .
وأذكر أنّنا حينما صغارا وعلى مدارج النمو في الدراسة الابتدائية ، كان المنهاج التربوي يحفل بالقصائد الشعرية التي تمجّد الوطن وتجعل من رايته رمز عزّه على قدم المساواة مع الوطن نفسه ، وليس كما هو سائد في المناهج الدراسية الحالية والمستوردة التي تبذل أقصى جهدها من أجل تسفيه قيمة الوطن عند المواطن ، و تسعى لتجريده من أي مضمون قيمي ، وحينما انخرطنا في مسالك الحياة العملية وجدنا أنّ الرمزية في التعامل مع العلم الوطني حتى في أوج الاهتمام به كان بحاجة إلى مزيد من التوعية والبناء التربوي بدءً من مرحلة الطفولة كي تصبح غرسا راسخ الجذور لن
تزعزعه الأعاصير السياسية ، فالعلم الوطني يسمو فوق الحكومات والرؤساء ، وكنّا نقارن ما لدينا بما عند الآخرين ، وكانت صورة أمريكا وبريطانيا تبرز على الدوام كبلدين يضحي الأفراد فيهما قادة وجنودا وأفرادا ، دفاعا عن الوطن ورموزه المقدسة لاسيما الراية الوطنية ، وكنّا نتابع بانبهار كيف يحكي القادة العسكريون الأمريكيون أنّهم قاتلوا في المعارك الكبرى التي خاضوها وتمسكوا ببقعة أرض عديمة القيمة لولا سارية تحمل علم البلاد ، كنّا نتمنى أنْ تنتقل هذه الفروسية ألينا بالتعلم إنْ لم تتوفر عندنا بالغريزة .
ومع الزمن ومع تجارب الحياة والتعّرف عن كثب على حياة الشعوب الاخرى ، اكتشفنا كم كنّا مأخوذين بالدعاية النازية الجديدة التي تصل إلينا مما يسمى بالعالم الحر والذي تقوده الولايات المتحدة ، فأمريكا التي تصورناها أو صوَرت لنا نفسها قوة لا تقهر ، تقهقرت بوتائر متسارعة أمام ضربات العراقيين ومقاومتهم الباسلة ، فلم يسمع عراقي أو يشاهد أي سوبرمان أو رامبو أمريكي على أرض الواقع ، بل مجرد كائنات حية على هيئة جنود مدّججين بأحدث الأسلحة وأكثرها فتكّا ، يتحركون بروح الانتقام من أي هدف عراقي خاصة وأنّ قياداتهم العليا والميدانية خولتهم القتل
خارج قواعد الاشتباك التي ظلت أمريكا تباهي بها ، على الأقل في أفلام هوليوود .
في الرابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2008 ، وقف العالم مذهولا أمام مشهد دراماتيكي ومبتكر تعرّض له الرئيس الأمريكي جورج بوش ، الذي جاء مودعا ثماني سنوات من القتل والدمار ومما توقعه نزهة لجنوده يقضونها في العراق ، بدلا من إجازاتهم الدورية ، وما يفتأون إلا ويعود من يعود ويبقى من يبقى ، فأثناء حديثه عن الأخطاء الاستخبارية التي عانت منها إدارته قبل شن الحرب ، تعاظم الغيظ في صدور العراقيين ، الذين دفع بلدهم ثمنا باهظا لجريمة أمريكا ، ثم يأتي الرئيس هكذا وببساطة ليقول لهم أنّ الغزو كان نتيجة خطأ استخباري ، مليون ونصف مليون عراقي رحلوا
نتيجة خطأ استخباري ، مقومات الدولة العراقية اختفت من خريطة المنطقة نتيجة خطأ استخباري ، أية وقاحة هذه ؟ فار التنور في الصدور ووقف عراقي أبيّ لم يتحمل هذه الوقاحة وهذه الصفاقة ، فخلع فردة حذائه وألقى بها على وجه بوش و أردفها بكلمة كلب ، مع أنّ الكلب معروف بوفائه ، وحينما زاغ بوش عن هذه الضربة وأصابت العلم الأمريكي ، أردفها بالاخرى ، ولكنّ يدّ المالكي كانت لها بالمرصاد فحرفتها عن وجه بوش ، ولكنّها لم تخطئ العلم الأمريكي هذه المرة أيضا ، إذن إصابتان في قلب العلم الأمريكي .
هنا برزت على مسرح الحادث قضية جديدة ، مشفوعة بتساؤل مشروع نحن أهل الشرق دخلنا بسببه في إشكالية فنية وسياسية ، هل أنّ وجه الرئيس بوش أكثر قدسية من العلم الأمريكي ، خاصة وأنّ الرئيس راحل والعلم باق ؟ أهكذا تعلمنا من أفلام هوليوود ؟ إذن قدسية العلم الأمريكي خرافة كبرى كخرافة رامبو وسوبرمان ! .
ونتساءل ببراءة لماذا يضع الرئيس الأمريكي يده اليمنى على صدره في موضع القلب حينمّا يعزف السلام الوطني الأمريكي ؟ أليست هذه كناية عن التفاني حتى الموت من أجل رفعته ؟
فهل سقط بوش في أول اختبار جدي وهو في الوقت نفسه الاختبار الأخير ؟ فهو سيغادر البيت الأبيض بعد شهر ، محمّلا بأكبر إهانة لحقت بالولايات المتحدة ، وهنا لابد من التأكيد أنّ القصد ينصرف حصرا إلى إصابة العلم بفردتي حذاء عراقي ، ولم يفد بوش علم بلاده بوجهه أو صدره ، بل تحرك بشطارة بالغة كي يذهب الحذاء المقذوف بقوة اليد أطلقته ليضرب العلم ذي النجوم الخمسين ، حسنا ماذا كان بوش سيفعل لو أنّ منتظر الزيدي قذفه بالرصاص أو بقنبلة يدوية ؟ نعم الرجل لم يشترك في أي من حروب الولايات المتحدة لأن والده وفر له غطاء التهرّب من حرب فيتنام ، وعلى العوم لو
أن بوش تعرض لمحاولة اغتيال فإنه سيحفر نفقا تحت قدميه ليغور في أرض ترفضه كما رفضته فوقها .
أمّا المالكي فأنّا أعذره تماما فهو لا يعرف للعلم قيمة ، وهو أيضا لم يحسب أنّ الحذاء طرف محايد مثله ، كان يمكن أنْ يصيبه هو الآخر .
قراءة اخرى للطريقة العراقية في تكريم بوش_ نزار السامرائي
