ينبغي أن نعترف ونكرر الاعتراف بأن الغرب قد نجح منذ وقت طويل في تمزيق الوطن العربي، وأنه لعب دوراً بالغ الخطورة في تدمير فكرة وحدة الأمة العربية وإشاعة القطرية
وجعلها البديل عن أي وحدة أو اتحاد، وهو الآن يسعى إلى القضاء على ما تبقى في النفوس من مشاعر الولاء للعروبة، وتفتيت الأقطار المفتتة من قبل، وسيكون العراق هو النموذج لهذا السعي، فالعمل يسير على قدم وساق إلى تقسيم هذا البلد العربي الذي كان أبناؤه يطمحون إلى التوحد مع بقية أشقائهم، والتقسيم المشار إليه سيكون إلى دويلات ثلاث أو أكثر، وهذا ما هيأت له الحرب ونشط من أجله الاحتلال وعملاؤه وأكدته المعاهدة الأمنية المذلة.
ولعل أسوأ ما في الاتفاقية الأمنية انها كرست الاحتلال وحولت العراق إلى محمية أبدية، كما أنها استبقت عهد الرئيس الأمريكي الجديد بأسابيع، وهو الذي أعلن في خطابه الانتخابي أنه سيسحب القوات الأمريكية من العراق من دون قيد أو شرط، بعد اعترافه بأن الحرب على هذا البلد العربي كانت كارثة على الولايات المتحدة بكل ما في الكارثة من معنى، لا سيما بعد ان اتضح للعالم أن لا أسلحة دمار شامل لدى العراق، وأن شهوة الاستيلاء على منابع نفطه كانت وراء تلك المغامرة الفادحة، التي كلفت الولايات المتحدة الكثير من المليارات والكثير من الدم وسوء السمعة، وكلفت العراق ما لم يكن في حسبان الشعوب جميعاً من دماء ودمار وإيقاظ للنائم والمنسي من الانتماءات التي عادت به إلى قرون خلت.
والمؤلم، بل الجارح أن صورة العرب اليوم بعد توقيع المعاهدة الأمنية المذلة تبدو شبيهة بصورتهم بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد، مع فارق كبير في الوعي والمواقف والظروف، وهو ما يجعل الصورة اليوم أكثر قتامة نتيجة ما سبقها ورافقها من نشوء خطاب اقليمي يفرز مشاعر الانسلاخ عن العروبة، وإعادة النغمات النشاز التي كان الساقطون والعملاء يرددونها في وجه معارضي اتفاقية “كامب ديفيد” من العرب، وأنه لا يمكن أن يكونوا مصريين أكثر من المصريين، وكذلك النغمات النشاز التي كان المتساقطون يرددونها بعد اتفاقية “أوسلو” بأن أحداً لا يمكن ان يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم الذين اختاروا الحل المناسب لقضيتهم.
إن إخفاء الخيانة وراء أثواب بالية من الادعاء الكاذب بالوطنية صار يعد من الأمور المكشوفة، وبات واضحاً أن المسارعة إلى اتخاذ موقف الهجوم بدلاً من موقف الدفاع أسلوب قديم عفا عليه الزمن، وفي مقدور كل مواطن ينتمي إلى هذه الأرض ويتكلم لغتها ويعيش مأساتها أن يقول ما يراه حقاً، وأن يفتح عيون الأبرياء الذين يساقون إلى حتفهم وحتف أوطانهم بكل ما في جعبة الانحطاط السياسي من أكاذيب ومغالطات، ومن محاولات تسعى بوقاحة منذ اليوم الأول للغزو إلى تحويل الاحتلال إلى تحرير، ومعاهدة المذلة إلى معاهدة أمنية.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
معاهدة أمنية أم معاهدة مذلة ؟ عبد العزيز المقالح
