مرجعية جديدة للعرب السنة في العراق ... ياسر الزعاترة
ما إن حط غراب الاحتلال الأميركي على أرض العراق وتلاشى حزب البعث بين أنقاض الهزيمة المدوية؛ هو الذي كان يتفرد قسراً بالساحة، حتى برز الحزب الإسلامي العراقي بوصفه المرجعية السياسية الأهم في الساحة العربية السنية، وإلى جانبه هيئة علماء المسلمين، وما إن سار الحزب في ركب الاحتلال وقبل بالعملية السياسية مقابل رفض الهيئة لها حتى وقع اعتماده بسطوة الواقع وغياب التنظيمات المنافسة كمرجعية تمنح صوت العرب السنة لأية خطوة سياسية يقرها الأميركان في عراق ما بعد الاحتلال.
بدأت اللعبة بتشريع مجلس الحكم ونظام المحاصصة الطائفية الذي قام عليه وقامت عليه كل العملية السياسية، ومن ضمن ذلك حشر العرب السنة في دائرة الأقلية التي لا تتجاوز 20 في المئة، ولم تتوقف تلك اللعبة رغم مقاطعة هذه الفئة للانتخابات الأولى على إثر اجتياح مدينة الفلوجة، وهي المقاطعة التي حمّلها الحزب وزر خيبته السياسية، أو ما قال إنه تهميش الفئة المذكورة، معتبراً أن هيئة علماء المسلمين هي التي ورطتها بمقاطعة الانتخابات (نحب التذكير بشكل دائم بأنهم لا يتذكرون أهمية الهيئة إلا في هذا السياق، بينما يعتبرونها مؤسسة لحفنة من الأشخاص في سائر السياقات الأخرى).
تواصلت اللعبة بعد ذلك، وقبلها أيضاً، بدليل مشاركته (أعني الحزب الإسلامي) في سائر الحكومات التي أنشأها الاحتلال، ومن ضمنها الحكومة التي جاءت عقب مقاطعة الانتخابات، ثم كانت الانتخابات التالية التي خاضها الحزب تحت لافتة جبهة التوافق التي ظلت عملياً أسيرة سياساته وبوصلته التقليدية.
وفي حين كانت المقاومة تشكل عصب الواقع للعرب السنة، وهي التي تحظى بثقتهم، فقد عمل المحتلون، ومعهم القوى الشيعية والكردية المتحالفة معهم على تثبيت الجبهة (جبهة التوافق) بقيادة الحزب الإسلامي كممثل للعرب السنة، وبالطبع نظراً إلى خضوعها عملياً لرغباتهم وتشريعها لحضور هذا المكون الثالث (إلى جانب الشيعة والأكراد) من مكونات العراق في العملية السياسية وسائر مفرداتها. هكذا تجلى الحرص الدائم على تمرير أية خطوة سياسية مهمة بتوقيع هذه المجموعة، وهو ما تبدى بوضوح في سائر المحطات، وعلى رأسها محطة الدستور الذي لم يكن في حاجة عملياً إلى موافقة الحزب حتى يمر في الاستفتاء، وإن بقليل من التزوير.
المصيبة أن الحزب لم يوظف هذه الحقيقة الأساسية في العملية السياسية في العراق (أعني استحالة مرور شيء من دون توقيعه كممثل مفروض للعرب السنة)، لم يوظفها بطريقة ذكية، بل منحها دائماً مقابل وعود بائسة، بما في ذلك تمرير الدستور الذي مرره بوعد تعديل بعض بنوده بعد أربعة أشهر، وهو ما لم يعتقد عاقل في ذلك الحين بأنه سيتحقق.
لو أدار أعضاء جماعة الحزب لعبته السياسية (نتحدث بعيداً عن المبادئ التي تنص على رفض العملية السياسية تحت الاحتلال والإصرار على مقاومته وإخراجه)، لو فعلوا ذلك لكان بوسعهم تغيير الكثير، وأهمه الحؤول دون حل الجيش العراقي الذي كان رمز وحدة العراق، إلى جانب تحسين حصة العرب السنة في العملية، بما في ذلك قانون الانتخابات الذي أمعن في تهميشهم عبر توزيع غير عادل للمقاعد على المحافظات (قادة الحزب يعترفون هذه الأيامب بأن حضور العرب السنة في مؤسسات الدولة لا يتجاوز 6 في المئة).
هذه المرة، وفي محطة لا تقل أهمية (محطة تمرير الاتفاقية الأمنية)، رأينا كيف أصرّ الأميركان، ومعهم التحالف الشيعي الكردي، وخصوصاً الشيعي، على حضور الجبهة في تمرير الاتفاقية (اتفاقية الانتداب)، بل على أن يكونوا هم سادة التمرير عملياً (أقله في سياق التصويت)، بغياب أطراف شيعية عن الجلسة ووضوح موقف آخرين (التيار الصدري) برفضها، وذلك حتى تتحمل إثمها فئة من دون أخرى، بل إن ذلك كان شرط المراجع، وعلى رأسهم السيستاني، كما قالت بعض المصادر.
طبعاً، هم يروجون موافقتهم بقصة وثيقة الإصلاحات السياسية التي لا صلة لها بالاتفاقية، وبقصة عرض الأخيرة على الاستفتاء، وهو هراء لا يمر على عاقل؛ لأن الوثيقة ستبقى حبراً على ورق، تماماً كما وقع لبند تعديل الدستور الذي برروا به موافقتهم عليه.
الآن، وفي ظل ما جرى يمكن القول إن الهجمة على الجبهة وعلى الحزب الإسلامي قد تجاوزت الحدود المعروفة، فقد رفض الإخوان المسلمون العراقيون ما جرى، وهم عملياً المرجعية المفترضة للحزب (لا يبرئهم ذلك من إثم الموقف)، كما اعتبرت هيئة علماء المسلمين أنها (أي الجبهة) باعت العراق، وهو ما انسحب على سائر القوى المقاومة التي وصف بعضها ما جرى بالخيانة.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن ثمة حراكاً سياسياً في أوساط العرب السنة يبشر بإمكان شطب جبهة التوافق من مرتبة المرجعية السياسية، بصرف النظر عما إذا كان بوسع قوى المقاومة والممانعة التوافق على جبهة جديدة تحل مكانها، أم سيبقى الحال على ما هو عليه.
من الأفضل بالطبع أن يصار إلى إنشاء جبهة جديدة من تلك القوى التي تطرح نفسها ممثلاً للعرب السنة، وليكن بشكل مباشر أو غير مباشر، على ألا تتورط في التحاور مع الأميركان في المرحلة الراهنة، مع ضرورة التعاون مع الآخرين من رافضي الاتفاقية في الساحة من أجل إخراج المحتل والتوافق على عراق موحد ذي هوية عربية إسلامية، لاسيما أن معظم الأطراف التي شاركت في تمرير الاتفاقية تقر التقسيم، بل تريده، وعلى رأسها المجلس الأعلى بقيادة الحكيم والحزب الإسلامي، وبالضرورة تحالف الأكراد.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها
مرجعية جديدة للعرب السنة في العراق ... ياسر الزعاترة
