هيئة علماء المسلمين في العراق

الفيل الطائر وفقاعات وزارة النقل.. عصام الساعدي
الفيل الطائر وفقاعات وزارة النقل.. عصام الساعدي الفيل الطائر وفقاعات وزارة النقل.. عصام الساعدي

الفيل الطائر وفقاعات وزارة النقل.. عصام الساعدي

يحكى أن معلما سأل تلاميذه: أعطوني اسم حيوان يطير؟. فقال له احد الطلاب: الفيل يا أستاذ. فقال المعلم: ما هذا الغباء. ابن من أنت أيها المغفل؟. فأجابه الطالب: ابن مدير جهاز المخابرات. وهنا ارتبك المعلم، وحاول تلافي الإحراج. وقال للطالب: نعم يا ابني، الحقيقة إن الفيل يمكنه الطيران، ولكن بارتفاعات منخفضة لو شد حيله، ممتاز سلم لي على أبوك يا حبيبي.

تذكرت هذه النكتة أثناء تصفحي العدد التجريبي لمجلة (النقل والمواطن) التي أصدرتها وزارة النقل الشهر الماضي, وكدت أصاب بجلطة دماغية حادة أو ذبحة صدرية تقعدني في ردهة الإنعاش لغاية 22/12/2008، وهو اليوم الموعود لمثول مولانا الوزير في بلاط البرلمان.

فقد أطلقت الوزارة أفيلتها في كل الاتجاهات, وسمحت لها بالتحليق والطيران، وكرست صفحات مجلتها لتضخيم وتمجيد وتزويق وتعظيم (انجازات) جلالة السيد الوزير التي لم نلمس منها شيئا على أرض الواقع لحد الآن.

ولجأت المجلة إلى استخدام الأسلوب السلطوي المفرط في سرد المفاخر الخاوية، وهو أسلوب ممجوج يعكس حجم نفاق القلم الوزاري في التعبير عن مهزلة الفقاعات الإعلامية المتطايرة في فضاءات العبقرية الانتهازية التي سرعان ما تتلاشى، وتتبدد في مهب الريح.

فكلمة الباش مهندس الوزير المنقوشة بالصيغة الملائية على الصفحة الثانية والتي استهلها سيادته بآية مختارة من القرآن المجيد عن نزاهة النبي يوسف (عليه السلام) ومعجزته النبوية في إدارة أزمة السنوات السبع العجاف: ((قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)), وحاول من خلالها أن يوحي للمواطن المفجوع بان سيادته يمتلك نزاهة وكفاءة وخبرة وتقوى الأنبياء والقديسين، الامر الذي يجعله قادرا على التصدي لمعضلات حركة النقل في شرق الأرض وغربها.

وارى أن الاستشهاد بهذه الآية الكريمة وانتحال خصال الأنبياء والرسل يعد تطاولا صلفا على كراماتهم ومنزلتهم الربانية الرفيعة.

وخصصت المجلة سبع صفحات ملونة ومزينة بصور ولقطات مختلفة للوزير المفلطح ووعوده السحرية (بتقديم وتسهيل وتنظيم وتطوير) خدمات النقل البري والجوي والبحري داخل العراق، ومزاعمه بتوفير الأنظمة المتكاملة للنقل المتعدد الوسائط من الباب إلى المحراب بما يضمن تلبية احتياجات العراق في المستقبل القريب والبعيد، بل انه تجاوز كل حدود المنطق المعقول, وراح ينسج خيوط العنكبوت في الصفحة الرابعة حول أهدافه الوزارية، مدعيا أنه سيساهم في (تحقيق ودفع نمو القطاعات المختلفة كزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي).

وهذا يعني اننا نشهد عصر ظاهرة اعجازية فريدة، فإما أن تكون هذه الادعاءات مجرد فقاعات فارغة أو اننا أمام "معجزة نبوية" جديدة وموهبة وطنية خارقة سيفجرها معاليه في مزارع ومعامل العراق وأجواءه الملبدة بغمائم الفساد الإداري.

فحزمت أمري, وهرعت إلى مقر الوزارة من اجل الفوز بفرصة لقاء مولانا الوزير وتحقيق سبق صحفي مع معاليه، فوجدت انه غادر العراق لأداء مناسك الحج والعمرة.

وذكرني احد زملائي في الجامعة بخطاب الوزير في البرلمان وتصريحاته الطنانة عن خبرته الطويلة في العمل المضني في أكثر من مئة ميناء حول العالم، وشهاداته التي يحملها في العلوم الهندسية, ومنها شهادة الدكتوراه التي حصل عليها من (جورجيا)، ولا نعرف بالضبط من هي جورجيا؟. هل هي جورجيا الولاية الأمريكية؟. أم جورجيا الدولة المنشقة من القبيلة السوفيتية؟؟.

وهذا السؤال موجه إلى أعضاء البرلمان الذين سيحققون مع سيادته يوم 22/12/2008.

يا جماعة، أرى أننا نعيش زمن الظواهر الغريبة، ولا اغرب من التفوق العلمي الباهر للرجل الفيل الطائر بأجنحة الخطوط الجوية العراقية إلى مزدلفة، وان أعضاء البرلمان أدرى من غيرهم بما آلت إليه أحوال طائراتنا الورقية البالية التي ستلفظ أنفاسها الأخيرة في سماء خيالات هذا الرجل الهمام, وتفننه في إطلاق الفقاعات الإعلامية المؤطرة بالمبالغة والتهريج.

وخصصت المجلة صفحات أخرى تتحدث عن التقدم المزعوم في مجال السكك الحديدية وعرباتها السياحية المكيفة، وكيف انها ستعمل بمعدل 24 ساعة في اليوم لتأمين نقل زوار العتبات المقدسة، وان محطة البطحة ستضاهي محطة قطارات برلين رغم ما يمر به هذا القطاع الهزيل الممزق من تخلف مريع لم يرتق إلى المستوى الذي كان عليه قبل عام 1936 حينما نقلت ملكيته إلى الحكومة العراقية. (انظر الصفحة 17 وما يليها).

وتبشرنا الصفحات الأخرى برحلات جوية إلى جميع أقطار العالم المتحضر، وان الخطوط الجوية العراقية ستكون هي الرائدة في مجال النقل الجوي عبر القارات، وستتفوق على طيران الإمارات ولوفتهانزا وأخواتها بينما ما زالت مقاعد طائراتنا بلا أرقام, وبلا براغي، والصعود إليها يشهد ازدحاما بشريا شبيها بازدحام فورتات كراج العلاوي.

لكن الفيل الطائر يصر على مواصلة التحليق فوق نجوم الظهر, ويعلن في الصفحة 19 من مجلته الدعائية استعداده لخوض غمار الطيران الحر في مشارق الأرض ومغاربها.

أما الحديث عن إنقاذ شركة النقل البري فهو عشم إبليس في الجنة بعد أن تفشى سرطان الفساد الرسمي واللغف العلني في قواعد وأسس وسقوف هذه الشركة الفاشلة اذ لم يتبق من أسطول شاحناتها سوى 455 من أصل 1089 شاحنة، وباتت الشركة مديونة بمبالغ تصل إلى مئات المليارات على الرغم من إدمانها اللغف من المستوردين عبر المنافذ الحدودي. وتسيطر عليها الآن شلة من الصكاكة والنشالة واللوتية.

ولا حاجة لنا لشرح صورة الموانئ العجوز التي بلغت من العمر عتيا، فهي أقدم من عمر الرذيلة، واضعف من مالك الحزين.

وختمت المجلة صفحاتها بكلمة لعبد الحسين القريشي، جاءت مشبعة بعبارات النفاق واللواكة المفضوحة، فقال فيها: ((بزغت نجمة جديدة من نجوم الإبداع في وزارتنا تضاف إلى مسيرة التألق التي يقودها معالي وزير النقل)). ((والتي لم تنضج وتكون بهذه الصورة لولا الملاحظات والمتابعة المستمرة من لدن معالي وزير النقل لتضاف في ثمرة الانجازات وتنقل الواقع الحقيقي لهذه الوزارة)).

يا عمي والله دخنه.. مو كافي جذب.. كافي نفاق وتهريج.. فقد صار النفاق منهجا وزاريا شائعا لتسويق الوعود البراقة الخادعة.. ونحن نعتب على البرلمان الذي سيستجوب الوزير، ونطالبه بوضع حد لهذه التجاوزات المستهترة وإنقاذ العراق من هيمنة الزمر الفاشلة وفقاعاتها المتطايرة فوق تعاستنا.. فنحن نعرف البير وغطاه، ونعرف خلفية وتاريخ وحقيقة أشباه الرجال الذين تسيدوا علينا في زمن التردي والانحطاط.. واللبيب بالإشارة يفهم.

وليعلم هؤلاء أن الحج المدفوع الثمن والتظاهر بالورع والتقوى لا يغسلهم من عار، ولا يحميهم من نار.


الدار العراقية


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق