هيئة علماء المسلمين في العراق

صلة الأرحام أساس بناء المجتمع ... الشيخ سلمان بن يحي المالكي
صلة الأرحام أساس بناء المجتمع ... الشيخ سلمان بن يحي المالكي صلة الأرحام أساس بناء المجتمع ... الشيخ سلمان بن يحي المالكي

صلة الأرحام أساس بناء المجتمع ... الشيخ سلمان بن يحي المالكي

يهدِف الإسلام إلى بناءِ مجتمعٍ إسلاميٍّ متراحمٍ متعاطِف، تسودُه المحبّةُ والإخاء، ويهيمِن عليه حبّ الخيرِ والعَطاء، والأسرةُ وِحْدةُ المجتمع، تسعَد بتقوى الله ورعايةِ الرّحِم، اهتمّ الإسلامُ بتوثيق عُراها وتثبيتِ بُنيانها، فجاء الأمر برعايةِ حقّها بعدَ توحيد الله وبرّ الوالدين، قال - جل وعلا -: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى}، وقُرِنَت مع إفرادِ الله بالعبادةِ والصّلاةِ والزّكاة، فعن أبي أيّوب الأنصاريّ - رضي الله عنه - قال: جاء رجلٌ إلى النبيّ فقال: أخبِرني بعملٍ يدخلني الجنّة، قال: (تعبد الله ولا تشرِكُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاةَ، وتصِلُ الرّحم)، [متفق عليه].

وقد أُمِرَت الأمم قبلَنا بصِلة أرحامِها، قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى}، ودَعا إلى صِلتها نبيُّنا محمّدٌ في مَطلعِ نُبوّته، قال عَمْرُو بنُ عبَسَة: قدمتُ مكّةَ أوّلَ بعثةِ النبيّ فدخلتُ عليه فقلت: ما أنت؟ قال: نبيّ، قلت: وما نبيّ؟ قال: أرسَلَني الله، قلت: بِمَ أرسلك؟ قال: بصلةِ الأرحام وكسرِ الأوثان وأن يُوحَّد الله، [رواه الحاكم].

وسأل هِرقل أبا سفيانٍ عن النبيّ: ما يقول لكم؟ قال:"يقول اعبُدوا الله وحدَه ولا تشركوا به شيئًا، ويأمرنا بالصّلاة والصِّدق والعَفاف والصّلَة"،[متفق عليه].

وأمَر بها - عليه الصلاة والسلام - أوّلَ مقدمِه إلى المدينة، قال عبد الله بن سلام: لمّا قدم النبيّ المدينةَ انجفلَ الناس إليه ـ أي: ذهَبوا إليه ـ فكان أوّلَ شيء سمعتُه تكلَّم به أن قال: (يا أيّها الناس، أفشوا السّلام، وأطعِموا الطّعام، وصِلوا الأرحامَ، وصَلّوا بالليل والنّاس نِيام، تدخلوا الجنّة بسلام) [رواه الترمذيّ وابن ماجه].

وهي وصيّة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.. قال أبو ذر:"أوصاني خليلِي بصِلة الرّحم وإن أدبَرَت"[رواه الطبراني].

فصِلةُ ذوي القربَى أمارةٌ على الإيمان (من كان يؤمِن بالله واليومِ الآخر فليصِل رحِمَه) [متفق عليه].

وقد ذمّ الله كفّارَ قريش على قطيعةِ رحمِهم فقال عنهم:{لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}.


* لقد خلق الله الرحمَ، وشقَقَ لها اسمًا من اسمِه ووعَد ربُّنا - جل وعلا - بوصلِ مَن وصلَها، ومَن وصَله الرحيمُ وصلَه كلُّ خير ولم يقطَعه أحد، ومن بَتَره الجبّار لم يُعلِه بشرٌ وعاشَ في كَمَد {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}، والله يُبقي أثرَ واصلِ الرّحم طويلاً، فلا يضمحِلّ سريعًا كما يضمحِلّ أثر قاطعِ الرّحم، قال النبيّ - عليه الصلاة والسلام -: (قال الله للرّحم: أما ترضينَ أن أصلَ من وصلك وأن أقطعَ من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك) [متفق عليه].


والرحمُ معلّقة بالعرش تقول:"مَن وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله".

* صلةُ الرّحم تدفَع بإذن الله نوائبَ الدّهر وترفع بأمرِ الله عن المرء البَلايا، لمّا نزل على المصطفى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} رجع بها ترجِفُ بوادرُه حتّى دخل على خديجةَ فقال: زمِّلوني، فأخبرَها الخبَر، وقال: قد خشيتُ على نفسِي فقالت له:"كلاّ! والله لا يخزيكَ الله أبدًا؛ إنّك لتصلُ الرّحم، وتحمِل الكَلَّ، وتكسِب المعدومَ، وتَقري الضّيف"[رواه البخاري].


* صلةِ الرّحم أُسُّ بِناء المجتمع.

محبّةُ للأهل، وبَسطُ الرّزق، وبركةُ العُمر، يقول - صلى الله عليه وسلم -: (صِلة الرّحم محبّةٌ في الأهل، مثراة في المالِ، منسَأَة في الأثر) [رواه أحمد].

وعند البخاريّ ومسلم: (من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه ويُنسَأ له في أثَره فليصِل رحمَه).

قال ابن التّين:"صلةُ الرّحم تكون سببًا للتوفيقِ والطاعةِ والصيانةِ عن المعصيةِ، فيبقى بعدَه الذكرُ الجميل فكأنّه لم يمُت".


* صلة الحرم عبادةٌ جليلة مِن أخصِّ العبادات.

يقول عمرو بن دينار: "ما مِن خَطْوةٍ بعد الفريضةِ أعظمُ أجرًا من خَطوةٍ إلى ذي الرّحم"، ثوابُها معجَّل في الدنيا ونعيمٌ مدَّخرَ في الآخرة، قال - عليه الصلاة والسلام -: (ليس شيء أُطِيعَ اللهُ فيه أعْجَل ثوابًا من صِلةِ الرحم) [رواه البيهقيّ].

والقائمُ بحقوقِ ذوي القربَى موعودٌ بالجنّة، يقول - عليه الصلاة والسلام -: (أهلُ الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مُقسط، ورجلٌ رحيمٌ رقيقُ القلب بكلّ ذي قُربى ومسلم، ورجلٌ غنيّ عفيف متصدِّق) [رواه مسلم].


* صلة الرحم تقوَي المودَّة وتزيدُ المحبَّة وتتوثَّق عُرى القرابةِ وتزول العداوةُ والشّحناء.

فيها التعارفُ والتواصلُ والشعور بالسّعادة.


* صِلة الرّحم والإحسانُ إلى الأقربين طُرقُها ميسَّرة وأبوابها متعدِّدة.


الشيخ سلمان بن يحي المالكي
المختار الاسلامي

أضف تعليق