لما وقعت كارثة الاحتلال وجدت نفسي كغيري في أسوأ حال ، وكالكثير من المهتمين بالشأن العراقي قمت بتسجيل أفكاري على أوراقي.
ويوما بعد آخر أخذت أكتب في السياسة وتماديت في ذلك بكل حماسة ، ووجدت نفسي بعد حين للسياسيين منتقدا متوسعا في ذلك ومتعمدا .
واليوم كان لابد لي من مراجعة للذات لاستدراك ما قد فات ، فوجدت العجب العجاب وأفعالا تثير الحيرة والاضطراب ، فأين أنا من أولئك الذين أنتقدهم ومواضيع السياسية ( لعبتهم ) ، فالحقيقة التي غفلت عنها سنوات أنني لم أدرس السياسة في الجامعات أو أمارسها في ظل الأحزاب والجماعات ، فحياتي العلمية كانت محصورة بفقه ( الطهارة كالحيض والنفاس ) وأولئك لهم في السياسة خبرة ومراس ، وأيامي العملية لم تتجاوز المدرجات الجامعية التي تدرسهم سطورا من( الكتب الصفراء ) ، فأين أنا ممن مارسها في ( المنطقة الخضراء ) وجالس الخبراء والعملاء .
هي صحوة قد تكون متأخرة لكن لابد منها فقد تكون لغيري محذرة ، ففي هذه الأيام الأخيرة عايشت صراعا بين تيارين جعلني في حيرة ، فقائل يقول أن الاتفاقية مع أمريكا مخزية ، وآخرون يمدحونها ويصفونها بأنها مجزية ، وبعد الاطلاع على ( الاتفاقية الأمنية ) تكشف الحجاب وعرفت وجه الصواب ، الحق فيها واضح وانكشفت بفضلها الفضائح .
قرأت الاتفاقية - ولست من أهل الخبرة - فوجدت في ثناياها ( نصرا ) عظيما ، وأنها تحقق لمن وقعها مكسبا كريما ، واقتنعت أن المعترضين عليها – وإن كانوا هم الجمهور الأعظم من التيارات الوطنية – إلا أن حججهم بعيدة عن مقاصد من وقعها ، وبعيدا عن المبدأ المختلف عليه في هذه الاتفاقية بين الموقعين - الذين يقولون أنها تنظم انسحاب قوات الاحتلال – وبين المخالفين – الذين يرون فيها شرعنة الاحتلال واعترافا به – بعيدا عن ذلك قرأت الاتفاقية فوجدت في ثناياها فقرات تنص على مواعيد الانسحاب ، فقلت آن الآوان أن أعترف لأهل السياسة بـ(نصرهم ) الذي حققوه و ( الإنجاز ) الذي فرضوه .
ولكن يا أهل السياسة العظماء حكام المنطقة الخضراء ، لأني قليل خبرة في السياسة فقد أشكل علي فهم العديد من فقرات الاتفاقية تلك ، أطرحها عليكم من باب حب التعلم ، هي ملاحظات – وإن كانت كثيرة – لكنها بالتأكيد لا تقلل من الإيجابيات التي تعدونها ، وقد تكون هذه الملاحظات جوهرية لكنها لا تنتقص من ( نصركم ) الذي حققتموه ، لن أكرر الملاحظات التي ذكرها المعترضون كاعتراضهم على عبارة التعاون في محاربة ( المجموعات الإرهابية الأخرى والجماعات الخارجة عن القانون وبقايا النظام السابق ) ونحو ذلك بل سأورد ما صعب علي فهمه في النقاط الآتية :
أولا : لاحظت أن الاتفاقية في مطلعها وتحديدا في التعريفات قد قسمت قوات الاحتلال إلى (قوات مقاتلة ، عناصر مدنية ، متعاقدون ) ، وفي ثنايا الاتفاقية رأيت تباينا في ذكر (المتعاقدين) ، فحين تكون هناك مصلحة لقوات الاحتلال يأتي التفصيل بذكرهم (قوات مقاتلة ، عناصر مدنية ، متعاقدون ) ، لكن حين تكون مساءلة أو نحوها يغفل ذكر ( المتعاقدون ) مثلا :
أ. المادة (الثالثة - الفقرة 1) المتعلقة ( بواجب احترام القوانين والأعراف والتقاليد والعادات العراقية عند القيام بعمليات عسكرية ) فقد نصت على ( يلتزم أفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني ) فقط ؟
ب. المادة ( الرابعة عشرة – الفقرة 2 ) جاء فيها ( للسلطات العراقية حق التدقيق والتحقق من قوائم أسماء أفراد قوات الولايات المتحدة وأفراد العنصر المدني الداخلين إلى العراق والخارجين منه ) .
ت. المادة ( الحادية والعشرون – الفقرة 1 ، 2 ) المتعلقتان بالتعويضات كذلك أغفلت ذكر ( المتعاقدين ).
ث. المادة ( الرابعة والعشرون – الفقرات 1 ، 2 ، 3 ، 4 ) المتعلقة بالانسحاب حيث اقتصرت على ( القوات المقاتلة ) و( العنصر المدني ) ولم يرد ذكر لـ(المتعاقدين).
ثانيا : استوقفني تقييد بعض الفقرات بألفاظ محددة ، وعذرا لسوء الفهم فهل هذا يعني أن الأحكام الواردة مقيدة بهذه الأوصاف فقط مثلا :
أ. المادة ( الثانية عشرة – الفقرة 1 ) التي تضمن للعراق حق الولاية القضائية على القوات الأمريكية بأن تكون ( الجنايات الجسيمة المتعمدة ) و( خارج المنشآت والمساحات المتفق عليها و خارج حالة الواجب ) ونتساءل عن الجرائم غير الجسيمة ؟ أو غير المتعمدة ؟ أو داخل المنشآت؟ أو أثناء الواجب؟ الجواب جاء في الفقرة (3) من هذه المادة وأن ذلك من صلاحيات قوات الاحتلال ، وفي كلا الحالتين فإن قوات الاحتلال هي من تقوم بالاحتجاز كما جاء في الفقرة (5).
ب. المادة ( العشرون – الفقرة 2) والتي تمنع قوات الاحتلال من تصدير العملات جاء فيها ( لا يجوز لقوات الولايات المتحدة تصدير العملة العراقية ) ولماذا ( العملة العراقية ) فقط؟
ت. المادة ( الثانية والعشرون – الفقرة 5) حين قررت عدم جواز قيام ( قوات الولايات المتحدة تفتيش المنازل أو العقارات الأخرى إلا بموجب أمر قضائي عراقي) لكن السؤال : لماذا جاء استثناء ( الحالات التي تدور فيها عمليات قتال فعلية )؟
ثالثا : رغم أن الاتفاقية كتبت في أغلبها بألفاظ محددة إلا أني أجد في بعض الأحيان لغة التعميم ولاسيما إذا كان الأمر فيه مصلحة لقوات الاحتلال مثلا :
أ. المادة ( الحادية والعشرون – الفقرة 2) والتي تتحدث عن التعويضات التي تدفعها قوات الاحتلال - في حالات محدودة – وصفت هذا التعويض بأن يكون ( عادلاً ومعقولاً ) ونحن نعلم العدل الأمريكي وتثمينه لحياة الشعوب الأخرى .
ب. المادة ( السابعة والعشرون - الفقرة 1) والمتعلقة بأنه (عند نشوء أي خطر خارجي أو داخلي ضد العراق ) فعندئذ ( تتخذ الولايات المتحدة الإجراءات المناسبة ) وبالرغم من أنها ذكرت أن هذه الإجراءات (تشمل الإجراءات الدبلوماسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو أي إجراء آخر ) إلا أنك لا تجد أي إلزام لها .
رابعا : ولسوء الفهم أيضا استوقفتني العديد من الفقرات أقتصر على الآتي :
أ. المادة ( الرابعة – الفقرة 4 ) والتي جاء فيها ( يواصل الطرفان جهودهما للتعاون ) دون تحديد للمدة .
ب. المادة ( الرابعة – الفقرة 5 ) جاء فيها ( يحتفظ الطرفان بحق الدفاع الشرعي عن النفس داخل العراق ) وربما كل الأعمال التي تقوم بها قوات الاحتلال هي ( دفاع عن النفس).
ت. المادة ( الثانية عشرة – الفقرة 10) والتي أتاحت للطرفين مراجعة فقرات هذه الاتفاقية وتعديلها ( آخذين بعين الاعتبار الوضع الأمني في العراق، ومدى انشغال قوات الولايات المتحدة بعمليات عسكرية ، ونمو وتطور النظام القضائي العراقي ، والتغييرات في القانون الأمريكي والقانون العراقي ) فأقول : ما دام ( الوضع الأمني في العراق مضطربا والقوات المحتلة منشغلة بعمليات عسكرية والنظام القضائي العراقي في مرحلة النمو ) ستخضع الاتفاقية للتعديل .
ث. المادة ( الخامسة عشرة – الفقرة 1 ) والتي تتحدث عن الاستيراد والتصدير جاء فيها (لا يخضع تصدير البضائع العراقية من قبل قوات الولايات المتحدة والمتعاقدين معها لأي تفتيش أو أية قيود ) .
ج. المادة ( الخامسة والعشرون ) تضمنت ( أن الخطر الذي كانت تشكله حكومة العراق على السلام والأمن الدوليين قد زال ) أليس في هذا اعتراف بأن العراق طيلة المدة السابقة كان ( يشكل خطرا على السلام والأمن الدولي ) والسؤال من ساذج مثلي : ماذا يترتب على (العراق وشعبه ) ؟
ح. المادة ( السادسة والعشرون – الفقرة 3) استوقفني أنها تتحدث عن شيء لم يقع بعد وإنما بناء على (رسالة من رئيس الولايات المتحدة سترسل إلى رئيس وزراء العراق) المهم أن القوات الأمريكية ستبقى ملتزمة بـ( مد الحماية والترتيبات الأخرى بشأن البترول ومنتجات البترول والغاز الطبيعي المنتجة في العراق ) ، إذن ( ستبقى ) دون تحديد لزمن .
خ. المادة ( السابعة والعشرون – الفقرة 2) كسابقتها ورد فيها تأكيد الطرفين (على الاستمرار في تعاونهما الوثيق في تعزيز وإدامة المؤسسات العسكرية والأمنية والمؤسسات السياسية الديمقراطية في العراق ) .
عذرا يا أهل السياسة في المنطقة الخضراء من هذه التساؤلات الحمقاء ، يحق لكم تجاهلها كما تجاهلتم أصوات الملايين وفتاوى العلماء والمصلحين ونصائح الناصحين ، وعذرا إن عكرت جو الفخار الذي تعيشونه لما حققتموه من انتصار ، فكما قدمت نحن لا نجاريكم في السياسة خبرة وحاشا أن يسجل مثلنا عليكم أي عثرة ، وأعترف بأنه لا فائدة للملاحظات التي رصدت فالاتفاقية قد وقعت وأعلنت ، وتكشف الضباب واقترب يوم الحساب .
يا أهل السياسة في العراق فخار هذا أم شنار؟!_ د. عبد الحميد الكاتب
