يعلم المعنيون بالشأن العراقي أنه كان بوسع الائتلاف الشيعي ومعه التحالف الكردستاني تمرير الاتفاقية الأمنية (اتفاقية الانتداب بتعبير أدق) مع الولايات المتحدة من دون هذا السجال الماراثوني الذي تابعناه خلال الأسابيع الماضية، وبالطبع تبعاً لامتلاكهما أكثر من نسبة النصف زائد واحد اللازمة لذلك.
لكن الائتلاف الشيعي، وبدرجة أقل التحالف الكردستاني، ومعهم الأمريكان، أصرّوا على جرّ الكتلة العربية السنية ممثلة في جبهة التوافق إلى ساحة المؤيدين للاتفاقية، بينما جرى تجاهل الرافضين الشيعة مع أن عددهم يزيد عن عدد أعضاء التوافق (الكتلة الصدرية 30 مقعداً، الفضيلة 15، الإصلاح 10، وربما آخرون لم يعلنوا موقفهم)، وهي مسألة بالغة الدلالة والأهمية من دون شك.
لم يحدث ذلك تبعاً لإدراك أولئك لواقع أن جماعة التوافق ليسوا رافضين بالفعل للاتفاقية، وأن ما يفعلونه هو محض مناورة سياسية لتحقيق بعض المكاسب من جهة، ولتخفيف حدة الهجاء الذي يتعرضون له من جماهير العرب السنة وقواهم الحية، بل حدث لأن الشرعية المطلوبة للاتفاقية لن تتوفر من دون بصمة هذه الفئة، فضلاً عن رغبة الائتلاف والمرجعيات الشيعية، وعلى رأسها إيران التي مررت الاتفاقية تبعاً لحسابات كثيرة، رغبتهم في توزيع الإثم على الجميع، ولتغدو النتيجة أنه كما يتوفر مؤيدون ومعارضون للاتفاقية في الوسط الشيعي، فإن ذلك يحدث في الوسط العربي السني أيضاً، بينما يتفرد الأكراد في الإجماع عليها، طبعاً باستثناء قوىً لا حضور لها في مجلس النواب.
هنا أطلّ علينا جماعة التوافق معلنين أنهم حققوا إنجازاً عظيماً قبل التصويت لصالح الاتفاقية يتمثل فيما يسمى وثيقة الإصلاح التي تتحدث عن تفعيل قانون العفو العام، العمل على إعادة المهجرين، إعادة مناقشة بنود الدستور، وقف ملاحقة التيارات السياسية، ضمان نزاهة الانتخابات، دمج مجالس الصحوة في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية، وإعادة بناء القوات المسلحة على أسس مهنية غير سياسية.. كل ذلك معطوف على إجراء استفتاء على الاتفاقية منتصف العام المقبل.
هذه المهزلة لا تختلف كثيراً عن سابقة لا تقل سوءًا، تمثلت في تمرير دستور الفيدرالية والتقسيم إياه، وذلك حين عاد كبيرهم ليعلن أن موافقته جاءت إثر الحصول على تنازل عظيم من الائتلاف الشيعي تمثل في الموافقة على مناقشة تعديل الدستور بعد أربعة أشهر، متجاهلاً أنه لا يملك تغيير أي شيء حتى لو وقف جلال طالباني إلى جانبه (الأرجح أنه وعد بذلك).
ذكّرنا بحكاية الدستور لنقول إن أحداً لا يمكنه ضمان تنفيذ الوعود المشار إليها حتى لو كانت صادقة بالفعل، فكيف وهي مجرد استدراج من طرف، بينما هي محاولة من الطرف الآخر لتبرير موقفه أمام جمهور يميل إلى الرفض تبعاً لمواقف القوى التي يؤمن بخطها مثل هيئة علماء المسلمين وسائر قوى المقاومة!.
لو أدرك هؤلاء (أعني جماعة التوافق وعلى رأسها الحزب الإسلامي) القيمة الحقيقية لمعادلة أن شيئاً لم يكن ليمر من دون بصمتهم كممثلين عن العرب السنة (بصرف النظر عن حقيقة تمثيلهم)، وكانوا على قدر المسؤولية (لن نتحدث عما هو أفضل مثل دعم المقاومة)، لما كان لفصول هذا المسرحية البائسة أن تمر بحال: من تشريع وجودهم كأقلية (عشرين في المئة) في المحاصصة الطائفية التي رتبها الأمريكان إلى حل الجيش وسائر الخطوات الأخرى التي همشت وجودهم، ووضعت البلاد في يد الذين جاءوا على ظهر الدبابة الأمريكية.
أياً يكن الأمر، فقد مرت الاتفاقية، وعرفت هوية المؤيدين والمعارضين، وصار بوسع الجميع أن يتعاونوا في ميدان التصدي لها، وعلى كل طرف أن يثبت جديته في المواجهة لا سيما التيار الصدري الذي وعد بمواجهة مسلحة، بينما سيكون على قوى المقاومة في الساحة السنية أن تلملم أوراقها وصفوفها كي تبدأ حملة لإسقاط الاتفاقية، ومعها كل نظام المحاصصة الطائفية الذي كرسه الاحتلال.
من الأفضل بالطبع أن تبادر القوى الرافضة والمقاومة إلى التعاون في المواجهة الجديدة، وذلك ضمن شعار إخراج المحتل وعراق موحد ذي هوية عربية إسلامية لا سيما أن أهم الأطراف التي وقعت على الاتفاقية لا تعارض الفيدرالية الأقرب إلى التقسيم، وعلى رأسها المجلس الأعلى وجبهة التوافق، وبالضرورة الأكراد.
ياسر الزعاترة
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
يقين
لماذا أصروا على (التوافق) لتمرير الاتفاقية الأمنية؟.. ياسر الزعاترة
