تفاقية تؤسِّس للبقاء وليس للرحيل! ... جواد البشيتي
من الآن وصاعداً لن يعرف العراق من التطورات والأحداث إلاَّ ما يقيم الدليل على أنَّ الاتفاقية التي وقَّعها مع الولايات المتحدة, في ربع الساعة الأخير من عهد الرئيس بوش وإدارته الجمهورية, لن تُتَرْجَم أو تُنفَّذ إلاَّ بما يُحقِّق إمكانية من إمكانيتين اثنتين: إمكانية أن يظل العراق الواحد (أي المحتفظ بانقسامه الذي نعرف) خاضعاً للهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية.. طويلة الأجل للولايات المتحدة, فلا نرى, سنة ,2011 خروج آخر جنودها منه, وإنَّما بقاء عشرات الآلاف منهم في القواعد والمنشآت العسكرية التي شرعت تقيمها فيه بعد وبفضل الاتفاقية, أو إمكانية أن ينهار هذا العراق على نفسه قبل أن يحتفل ب¯ "عيد الجلاء الجديد".
لقد أقرَّت الحكومة العراقية الاتفاقية, ثمَّ وقَّعها زيباري وكروكر, ثمَّ أقرَّها مجلس النواب العراقي; وليس من حاجة الآن, على ما يقول زيباري, لتوقيعها ثانيةً. وتعزيزاً ل¯ "شرعيتها العراقية", قد يستفتى الشعب العراقي في أمرها, فتحظى بتأييد الغالبية الشعبية العراقية.
أمَّا الأمم المتحدة, أي مجلس الأمن الدولي, فلا خيار لديها إلاَّ أن تُعْلِن في الحادي والثلاثين من كانون الأول المقبل انتهاء العمل ب¯ "التفويض" الذي منحته لما يسمى "القوَّة الدولية متعددة الجنسية", فالوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق سيحظى بعد الاتفاقية وبفضلها ب¯ "الشرعية العراقية".
ولقد صوَّر القادة العراقيون, الذين اضطَّرتهم مصالحهم الشخصية والفئوية إلى أن يكونوا أكثر تأييدا للاتفاقية من الرئيس بوش نفسه, انتهاء العمل بذلك "التفويض الدولي" على أنَّه عيد للسيادة العراقية الكاملة, ففي الحادي والثلاثين من كانون الأول المقبل "يتحرَّر" العراق" من "الوصاية الدولية" التي عانى من عواقبها زمناً طويلاً, منتظِراً بعد ذلك الحادي والثلاثين من كانون الأول 2011 ليحتفل, هذه المرَّة, ب¯ "عيد الجلاء الجديد", أي بخروج آخر جندي للولايات المتحدة من العراق.
الاتفاقية تحتاج الآن إلى "توقيع" طرف ثالث هو الأهم من الطرفين اللذين وقَّعاها; وهذا الطرف الثالث هو الرئيس المنتخَب أوباما عند توليه منصبه رسمياً.
نظرياً, يحق للرئيس أوباما إلغاء الاتفاقية, أو طلب تعديلها (أو توقيع اتفاقية جديدة) من خلال مفاوضات جديدة مع الحكومة العراقية. ويحقُّ له, أيضاً, أن يحيلها إلى الكونغرس ليقول كلمته فيها كما قالها مجلس النواب العراقي.
ولكنَّ الخيار النهائي للرئيس أوباما لن نراه على حقيقته الآن, وإنَّما بعد تموز المقبل, حيث ينبغي ل¯ "المارينز" الخروج من العاصمة والمدن العراقية (وسائر الأماكن المأهولة) لتتولى قوى الأمن العراقية السيطرة التامة.
عندئذٍ, نرى في وضوح موقف الرئيس أوباما, فهل يَنْقُل كل الجنود الذين خرجوا من المدن إلى قواعد ومنشآت عسكرية في داخل العراق أم يَنْقُل بعضهم إلى أفغانستان حيث "الحرب السليمة" التي ينبغي للولايات المتحدة خوضها والانتصار فيها, على ما قال في حملته الانتخابية?!
وأحسب أنَّ إدارة الرئيس بوش لم تَخُضْ معركة توقيع الاتفاقية إلاَّ لتجعل تموز المقبل موعداً لنشوء واقع أمني جديد في العراق, يضطَّر الإدارة الديمقراطية الجديدة إلى أن تقف من الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق مواقف تشبه أكثر فأكثر مواقفها هي, ف¯ "خطة أوباما" لإنهاء الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق ستَظْهَر عندئذٍ, أي بعد تموز المقبل, على أنَّها خطة تُلْحِق ضرراً كبيراً بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في العراق, وفي جواره الإقليمي.
وتتوقَّع إدارة الرئيس بوش أن يأتي تموز المقبل بما يؤكِّد اشتداد حاجة العراق, وجواره الإقليمي, إلى أن تظل الولايات المتحدة محتفظة بوجود عسكري طويل الأجل في العراق, فتموز المقبل لن يكون موعداً لخفض, وإنما لرفع, منسوب الخوف العراقي والإقليمي من عواقب أن تُنفَّذ الاتفاقية بما يؤدي إلى خروج آخر جندي للولايات المتحدة من العراق في كانون الأوَّل 2011.
وتتوقَّع أيضاً أن يأتي تموز المقبل بما "يُقْنِع" الرئيس أوباما بأنَّ إنهاء الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق, من خلال تنفيذ "خطته" أو من خلال تنفيذ الاتفاقية ذاتها, هو أسوأ عمل يمكن أن تقوم به الإدارة الديمقراطية الجديدة, التي بسبب ذلك لن تعرف كيف يمكنها أن تزج بمزيد من القوى العسكرية في حربها على "معقل الإرهاب الدولي" في أفغانستان.
في الاتفاقية, وبها, سيتغيَّر العراق, من الوجهة الأمنية والسياسية; ولكن بما يجعل تموز المقبل موعداً لاشتداد الحاجة العراقية والإقليمية إلى احتفاظ الولايات المتحدة بوجود عسكري دائم في أراضيه.
وينبغي لنا ألاَّ نضرب صفحاً عن البند الأهم في الاتفاقية وهو البند الذي يسمح بتعديلها إذا ما اقترح ذلك أحد الطرفين, ووافق الطرف الآخر. وهذا إنَّما يعني أنَّ الحادي والثلاثين من كانون الأول 2011 يمكن أن يكون موعداً ليس لرحيل آخر جندي للولايات المتحدة عن العراق, وإنَّما لاحتفاظها بوجود عسكري دائم فيه.
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
الدار العراقية
ع
اتفاقية تؤسِّس للبقاء وليس للرحيل! ... جواد البشيتي
