ثلاثة أعوام أخرى من الاضطراب تنتظر العراق اذا ما صادق البرلمان العراقي على الاتفاقية الامنية التي وقعتها الحكومة العراقية مع الادارة الامريكية الاسبوع الماضي.
فالوجود الامريكي لم يكن يوما مصدر استقرار للبلدان التي يتواجد على اراضيها، فكلما طال أمد وجوده تواصلت المعاناة والتوتر، هذه الاتفاقية انما هي الجزء الاكثر اثارة من الاتفاقية الاستراتيجية الأوسع التي فرضتها الولايات المتحدة على العراق، وقد لا تكون الأخطر من حيث الآثار الثقافية والسياسية والاقتصادية البعيدة المدى. بل انها الأقصر أمدا، اذ انها حددت بقاء القوات الامريكية على الاراضي العراقية بثلاثة اعوام، بينما الاتفاقية الاستراتيجية ليس لها سقف زمني، وانما هي مفتوحة بدون حدود. ولا شك ان الوجود العسكري لاي بلد على اراضي البلدان الاخرى يعتبر الجانب الاكثر اثارة للجدل واللغط، ولكنه قد لا يكون الأخطر. اما الاتفاقية الاستراتيجية فتحمل في مضامينها أبعادا خطيرة، لانها توفر للجانب الامريكي فرصة لفرض النفوذ على الأصعدة كافة. مع ذلك، فقد أوضحت الاتفاقية عددا من الحقائق ذات الصلة بالوضع السياسي العراقي من جهة، والوضع النفسي لرموز الادارة الامريكية الحالية من جهة اخرى. فعلى الصعيد العراقي، برز عدد من الظواهر المعروفة والمجهولة: ومنها: اولا ان التيار الصدري برز الأكثر رفضا للاتفاقية، فهو الذي أطلق رموزه التصريحات النارية ضد الاتفاقية، وهو الذي نظم المظاهرات العملاقة في شوارع بغداد والمدن الأخرى، وهو الذي أصر نوابه في البرلمان على رفض الاتفاقية، وهو الذي بدا منسجما مع اطروحاته على مدى السنوات الخمس الماضية. والثاني ان بعض الاصوات التي كان يتوقع منها موقف رافض بصرامة كانت مضطربة في طرح مواقفها، واتهمت بازدواجية الخطاب بين ما تقوله في الجلسات الخاصة، وما تطرحه من خطاب للجماهير. والثالث: ان مشروع الاتفاقية أعاد الى الاذهان طبيعة المجتمع العراقي الذي يرفض الهيمنة الخارجية، ويتشبث بثوابت وطنية، ولا يسهل على الآخرين مهماتهم اذا كانت تهدف للهيمنة عليه وعلى مقدراته. الرابع : ان المشروع اظهر مدى هشاشة الموقف الامريكي وتزلزله من جهة، ومدى رغبة الادارة الامريكية الحالية في ضمان توقيع الاتفاقية قبل مغادرة الرئيس جورج بوش البيت الابيض بعد شهرين. الخامس : ان الاتفاقية كشفت للامريكيين حقائق يبدو انهم كانوا غافلين عنها ومنها ان العراقيين ليسوا أداة طيعة بأيديهم، وان هناك مشاعر وطنية ودينية وقومية لدى الشعب العراقي يحول دول الاستسلام المطلق للقوى الاجنبية.
لقد بدا مشروع اتفاقية تنظيم القوات State Of Forces Agreement (SOFA) للكثيرين انه محاولة لتحقيق عدد من الامور: اولها الحفاظ على النفوذ الامريكي المستقبلي في العراق، ضمن بنود موقعة بين الطرفين، وثانيها: تسهيل مهمة خروج الرئيس بوش من البيت الابيض بعد سنوات عجاف سلبته جانبا كبيرا من المصداقية، وتركت وضعه مكشوفا امام الرأي العام الامريكي وأمام التاريخ، كأضعف رئيس امريكي من الناحية الشعبية. ثالثها: كشفت الاتفاقية حقيقة اخرى وهي محاولة واشنطن فرض اتفاق من طرف واحد يعتقد نفسه منتصرا، على طرف آخر تتواصل محاولات اضعافه وتهميشه ومنعه من النهوض الحقيقي والقدرة على حماية نفسه واراضيه وقراره. رابعها: ان التوازن السياسي في العراق، برغم المقاومة المتواصلة للاحتلال، أصبح يرجح كفة الجانب الامريكي، لاسباب عديدة من بينها نظام المحاصصة الذي فرضته واشنطن على العراق كنظام سياسي يحكم الشعب والارض. هذا النظام دفع بعض الفئات للاستقواء بالجانب الامريكي تارة، وابتزازه تارة اخرى، واستغلال الاوضاع الصعبة التي يعيشها العراق، لتوفير دعم للوجود الامريكي بذرائع متعددة، لا تستند الى وقائع محددة. خامسها: ان اتفاقية 'سوفا' ما كان ينبغي لها، من وجهة النظر الامريكية، ان تمر بهذا الفحص الجماهيري والجدل الشعبي المتواصل، لان الولايات المتحدة سبق ان وقعت اتفاقات مماثلة في الفلبين وكوريا الجنوبية واليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ولم تواجه بمثل هذه المواقف التي تزداد تبلورا يوميا. ولم يكن خافيا ان الرئيس الامريكي الذي تنتهي ولايته في غضون بضعة اسابيع، يبذل الجهود لضمان توقيع الاتفاقية قبل ان يغادر البيت الابيض ليضمن لنفسه ما يستطيع الفخر به كانجاز مهم بعد ثمانية اعوام من المغامرات الفاشلة والسجل الأسود الذي جعله واحدا من أسوأ الرؤساء الامريكيين. ورشحت معلومات خاصة بان الحكومة العراقية استلمت في الاسابيع الماضية رسالتين من الادارة الامريكية تتضمنان تهديدات واضحة. اولها هددت بتجميد الاموال العراقية في البنوك الامريكية التي تقدر بأكثر من 70 مليار دولار ما لم توقع الاتفاقية. والثانية هددت بفتح ملف تعويضات المواطنين الامريكيين نتيجة أزمة الكويت وحوادث 11 ايلول ، وان تلك التعويضات ستبلغ اكثر من ألف مليار دولار. الحكومة العراقية من جانبها اقترحت خمسة تعديلات وافق الجانب الامريكي على بعضها.
برغم ذلك يطرح معارضو الاتفاقية عددا من الاشكالات. اولها انها تشرع الاحتلال الامريكي لهذا البلد الكبير، وهو امر غير مقبول، والثاني انها تفتح الباب للتدخل الامريكي البعيد المدى في الشأن العراقي، الامر الذي يؤدي الى الاخلال بالسيادة العراقية، والثالث ان التوقيع على اتفاق يسمح للقوات الامريكية بالبقاء على الاراضي العراقية ثلاثة اعوام اخرى في الوقت الذي يطالب المواطنون فيه برحيل هذه القوات يعني ان استمرار وجودها اصبح مصدراضطراب امني وسياسي وان ذلك الوجود يشجع ظاهرة الارهاب ولا يضعفها. والرابع انها تسعى لتحييد العراق عربيا واسلاميا. خامسها ان هذه الاتفاقية تعبد الطريق للهيمنة الامريكية على منابع النفط العراقية، وقد كرر( ألان جرينسبان ) رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، ان الغزو الامريكي 'لم يكن من اجل الهيمنة على النفط، ولكن هل كان لتلك الحرب هدف غير ذلك'. سادسها انها تنص بوضوح على تعميق الدور الامريكي في الاقتصاد العراقي، وان تسعى واشنطن لضمان عضوية العراق بمنظمة التجارة العالمية.
والأخطر من ذلك انها تسعى لضمان توقيع العراق اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، وهو الجانب الاخطر لانها تنص على ضرورة الغاء المقاطعة الاقتصادية للكيان الصهيوني كشرط ثابت لتلك الاتفاقية.
لقد اصبح هناك قلق كبير من السعي الامريكي الحثيث لتحييد العراق ومنعه من ممارسة دور فاعل في محيطه العربي ـ الاسلامي. وهناك خطر اكبر سينجم عن استعمال الاراضي العراقية للاعتداء على الدول الجارة، كما حدث في مطلع الشهر عندما قامت الطائرات الامريكية بقصف موقع سوري بدعوى وجود احد عناصر تنظيم 'القاعدة' هناك. تلك الحادثة اقنعت الكثير من العراقيين بان الولايات المتحدة ليست جادة في احترام سيادة العراق، وان كانت تتظاهر بذلك. كما ان التهديد بفرض حظر على الاموال العراقية في البنوك الامريكية مؤشر لنمط السياسة الامريكية التي تمارس الابتزاز واستعمال القوة لاخضاع الآخرين بدلا من الاحتكام الى المنطق والقوانين المحلية والدولية. وما الاصرار على استثناء الامريكيين المتواجدين في العراق من القضاء العراقي الا سبب آخر لرفض الاتفاقية. فلا يمكن لنظام سياسي يحترم نفسه ويسعى للحفاظ على سيادة بلده القبول باستثناء من يرتكب مخالفات او جرائم على ارضه من النظام القضائي في ذلك البلد. وصدرت تهديدات مكشوفة بسحب الحمايات الامريكية التي توفر للسياسيين كوسيلة اخرى للضغط عليهم.
من جانبها طرحت الحكومة العراقية مبرراتها للاقدام على توقيع الاتفاقية بيدي كل من الرئيس العراقي، جلال الطالباني والسفير الامريكي، ريان كروكر. فهي ترد على منتقدي الاتفاقية بعدد من الامور. اولها انها توفر مطالب المجموعات التي تطالب بتحديد موعد واضح لسحب القوات الامريكية وانهاء الاحتلال، وان الاتفاقية توفر ذلك اذ انها تنص على انتهاء الوجود العسكري الامريكي في موعد لا يتجاوز 31 كانون الاول 2011. وثانيها: ان توقيع اتفاقية من هذا النوع أفضل من ابقاء الوضع على ما هو عليه، خاضعا للارادة والقرارات الامريكية. ثالثها: ان توقيع الاتفاقية يوفر الارضية لاخراج العراق من رحمة البند السابع الذي وضع العراق تحت طائلته منذ غزو الكويت في عام 1990. رابعها: ان الاتفاقية سوف تنهي التصرفات الامريكية التي تتم خارج ارادة الحكومة ومن ذلك تكوين ميليشيات خاصة عرفت باسم 'مجالس الصحوة' تضم حاليا اكثر من 90 الف شخص تم تدريبهم على ايدي الامريكيين. وقد اجبرت الحكومة العراقية على الاعتراف بهذه الميليشيات ودفع رواتبها. ولكن هذه المجموعات لم تخرج عن النفوذ الامريكي حتى الآن، ومن المتوقع ان تبقى تحت ادارة الامريكيين لوقت طويل، ويمكن استخدامها وقت الحاجة لابتزاز الحكومة العراقية اذا استدعت الحاجة.
وهناك شعور عميق بان القوات الامريكية تحتفظ بخيارات عديدة للضغط على الجانب العراقي، من بينها تحريك عناصر العنف للضغط على الحكومة العراقية عند الحاجة. ولذلك فما ان برزت مؤشرات التردد لدى الحكومة العراقية ازاء توقيع الاتفاقية، حتى تكثفت عمليات التفجير في مناطق عديدة من بغداد، وهي الرسالة التي استلمتها الحكومة العراقية وعرفت فحواها.
الواضح ان الجانب العراقي لا يمسك اوراقا كثيرا في هذه اللعبة، خصوصا ان تكوين المؤسسات العسكرية والامنية مرتبط بالارادة الامريكية، وان احدا لا يملك حرية التحرك خارج الاطر الامريكية. يضاف الى ذلك ان الساسة العراقيين يعلمون ان الامريكيين في ظل ادارة الرئيس بوش الذي يتحرك ضمن اجندة المحافظين الجدد ليسوا في موقع الاستماع لما هو منطقي وعادل، وانهم يمارسون الابتزاز لتحقيق اهدافهم، وليس هنالك بعد أخلاقي لتلك الممارسات.
كان الأولى بالحكومة العراقية التريث حتى تنتهي فترة رئاسة جورج بوش، ويستلم الرئيس المنتخب، باراك اوباما، منصبه في 20 كانون الثاني المقبل. فالاتفاقية مفروضة من طرف واحد، باسلوب فيه الكثير من التهديد والابتزاز، وقد صيغت بهدف ضمان المصالح الامريكية على حساب مصالح العراق واستقلاله وسيادته. ومن خلال ما حدث في الايام الاخيرة بعد التوقيع الأولي على الاتفاقية، اتضح مدى عمق مشاعر المواطنين تجاهها، فقد خرجت المسيرات في مناطق عديدة، بدعوة من التيار الصدري بشكل اساسي، وحدثت مشادات داخل البرلمان العراقي، وحدثت حالة استقطاب تتعمق تدريجيا. السبب ببساطة ان العراقيين يخشون من تلك الاتفاقية، ومن عدم التزام الجانب الامريكي بها. وبرغم من مطالبة الجانب العراقي بان تكون الاتفاقية اكثر وضوحا وإلزاما، أطلق مسؤولون كبار، من بينهم رئيس أركان القوات الامريكية، مايكل مالن، الذي ربط سحب القوات الامريكية باستقرار الاوضاع، وذلك يعني خرق الاتفاقية قبل ان تتم المصادقة عليها. ان الخشية كبيرة من عدم الالتزام الامريكي بالاتفاقية، بالاضافة الى ما تتضمنه من اختراق سيادة العراق، واستمرار التواجد العسكري الامريكي على مدى سنوات ثلاثة مقبلة. البرلمان العراقي قد يرفض الاتفاقية، وعندها ستكون امام الحكومة فرصة اخرى اما لرفضها تماما، او للتفاوض مع الادارة الجديدة حول بنودها بشكل يؤدي الى الاسراع في سحب القوات. فليس من مصلحة العراقيين الاختلاف الكبير في ما بينهم بشأن هذه الاتفاقية، وليس من مصلحة حكومة نوري المالكي اتخاذ خطوات كبيرة كتوقيع الاتفاقية بدون اجماع وطني بشأنها. ان امام الجميع حقبة حافلة بالمشادات الكلامية والسياسية، الامر الذي من شأنه ان يشجع المجموعات المسلحة، خصوصا ( القاعدة ) على الاستمرار في اعمال العنف. مطلوب من الساسة وعلماء الدين والمثقفين العراقيين المشاركة في السجال الدائر على اسس وطنية ومراعاة المصلحة العليا للوطن، بعيدا عن الشد والجذب من منطلقات ضيقة .. مطلوب كذلك توضيح المصطلحات الغامضة في الاتفاقية، خصوصا ما يتعلق بدور العراق المستقبلي في مواجهة الارهاب، او استعمال اراضيه لشن هجمات ضد الجيران، او محاولة اختراق صفوفه بهدف تمييع مواقفه الرافضة لشرعنة الاحتلال. انها مهمة صعبة امام رئيس الوزراء واعضاء البرلمان، وهي تحد كبير للقوى السياسية والمجموعات التي يسعى بعضها لتسجيل نقاط ومواقف ضد الآخر، او تمييع الموقف بربطه بطلبات لا يمكن تحقيقها. العراق، في نظر الكثيرين، يواجه استحقاقات كبيرة وهو يتدبر امره بين توقيع الاتفاقية وما تنطوي عليه من مخاطر استراتيجية، او رفضها وما قد ينجم عنه من اطالة امد بقاء العراق تحت البند السابع الذي يعرقل مسيرته ويجعله بلدا محتلا الى ما شاء الله. وبمقارنة البدائل المتوفرة، يمكن القول ان عدم توقيع الاتفاقية بشكلها وظروفها الحالية هو الأرجح في الميزان والأسلم للعراق، والأفضل لضمان استقلاله.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
الاتفاقية الأمنية فتنة أخرى أمام العراقيين / د. سعيد الشهابي
