هيئة علماء المسلمين في العراق

تهافت التهافت / حاتم جعفر
تهافت التهافت / حاتم جعفر تهافت التهافت / حاتم جعفر

تهافت التهافت / حاتم جعفر

لم يحسن ولم يوفق هذه المرة نوري المالكي لا في اختياره للتوقيت ولا في التهم التي اطلقها ضد المخالفين له ولقرار حكومته في الشأن المتعلق بالاتفاقية الامنية مثار الجدل ، وذلك في الخطاب الذي بث عبر شاشات التلفزيون, حين ركز في حديثه على بنود الصفقة التي تم الاتفاق عليها وتوقيعها بالاحرف الاولى بين الجانبين الامريكي من جهة والحكومة العراقية من جهة اخرى.
ان الهدف من وراء ذلك, وكما بدا واضحا وجليا, هو جمع اكثر ما يستطيع  من المؤيدين لنهجه من داخل البرلمان بغية التصديق النهائي على الاتفاقية آنفة الذكر بين الطرفين غير انه شطح في الرأي حين شن هجوما غير مبرر على الرافضين للاتفاقية المذكورة غير ابه للعبة الديمقراطية التي تجمع بين المختلفين, متهما اياهم بازدواجية الطرح وبأنهم يشكلون حجر عثرة امام طموحات الشعب العراقي في تحقيق التحرير الكامل وتحقيق خروج قوات الاحتلال من العراق وبتأريخ متفق عليه بين الطرفين لا يتعدى نهاية عام 2011, وفق ما اعلن عنه.
لكن الرد على خطاب المالكي جاء سريعا وخاصة على تلك الجداول الزمنية التي حددها والمتعلقة بالانسحاب النهائي لقوات الاحتلال ومن قبل ارفع مستوى عسكري هذه المرة, اذ اعلن رئيس الاركان للجيوش الامريكية الادميرال مايكل مولن في المؤتمر الصحفي الذي عقده بعيد تصريحات المالكي, ومن دون اي مواربة او غموض او لبس عن ان الانسحاب من العراق مرهون بالتطورات على الارض.. غاضا النظر بذلك الاعلان عن حالة الحرج الذي تمر به الحكومة الحالية وخاصة في هذه الاونة.
  وبذلك يكون المسؤول الامريكي قد اصطف ومن حيث لا يدري او لا يرغب مع جانب المعارضين للاتفاقية الامنية ومن دعاويهم الصادقة التي تشير الى ان الولايات المتحدة الامريكية وانطلاقا من سجلها العدائي الحافل ومن سياستها التي اتبعتها طوال فترة احتلالها للعراق, لا يمكن بأي حال من الاحوال الارتكان الى وعودها او تصديق عهودها. وكذلك يكشف هذا التصريح ويعبر بشكل واضح عن مدى هشاشة الاتفاق وسوء الروية وضعف الحجة لدى الجانب العراقي , حين اعلن عن مواعيد اخرى للانسحاب ربما لا تسعد ولا تسر اقطاب ( الحكم العراقي ).
وليس مستبعدا من ان يدفع اختلاف التوقيتين بين بغداد وواشنطن بالكثير من مؤيديها الى التبرؤ والتملص من الوقوف الى جانبها اذا ما استمرت في تضليل الشارع العراقي, خاصة وان بنود الاتفاقية ومسوداتها, لم تعرض حتى على اغلب المشاركين معها في العملية السياسية. وذلك يأتي بالضد من تصريحات المالكي الذي ادعى اطلاع كل الكتل والاحزاب على مجريات اللقاءات والحوارات التي تمت مع الجانب الامريكي وبكل حيثياتها, منذ انطلاقها وحتى لحظة توقيعها.
  ومن بين الاباطيل التي تسوقها الحكومة العراقية والتي تتعكز عليها في سبيل تمرير الاتفاقية سيئة الصيت, هي عدم تمكن العراق الخروج والتخلص من عقوبات الامم المتحدة وبندها السابع وبالتالي عدم تمكن العراق من استعادة امواله المجمدة والبالغة قرابة الخمسين مليار دولار, من دون الاعتماد على الولايات المتحدة الامريكية . فبمقتضى الفصل السابع لميثاق الامم المتحدة والذي اتخذ لمرتين بحق العراق, سوف لن يتمكن ( العراق) من استعادة وضعه الطبيعي كدولة كاملة السيادة والسلطات وفق القانون الدولي, اي العودة الى ما كان يتمتع به قبل صدور قرار مجلس الامن الدولي المرقم 661 في عام 1990, من دون الغائه.
  وبالعودة الى حيثيات ذلك القرار واسباب اتخاذه في المرة الاولى لوصلنا الى نتيجة طبيعية ومنطقية, تبطل وبالحجج القانونية وبسبب التطورات اللاحقة من مفعوله, فقد وضع القرار 661 العراق تحت البند السابع لاعتبارات عديدة لعل من اهمها بحسب ماورد آنذاك: احتلال العراق لدولة الكويت وكذلك امتلاكه لاسلحة الدمار الشامل اضافة الى عدم انصياع العراق لقرارات الامم المتحدة.
ولو اكتفينا بشرط الحرب الذي شنته امريكا ضد العراق واسقاط نظامه السياسي بالقوة ووقوعه تحت شكل من اشكال الانتداب الامريكي وبالتالي خضوعه للحماية الامريكية وفقا للقرار المرقم 1723 وتحت البند السابع للمرة الثانية وبتفويض مطلق من الامم المتحدة, لاعتبرت كل تلك العقوبات باطلة بطلانا تاما, طالما انتفت اسباب وجودها. هذا ان تجاوزنا جدلا كل الاسباب الاخرى والحقائق التي كشفت فيما بعد والتي اثبتت عدم مصداقية مدعيها. واستكمالا لفكرة الغاء القرارات المجحفة بحق العراق واخراجه من تهديدات البند  السابع  ومن السوط المسلط عليه فلا بد من اجتماع مجلس الامن والشروع بصياغة قرار جديد يوافق عليه الخمسة الكبار ومن بينهم الولايات المتحدة الامريكية. وبهذا المعنى فأن الحل والربط في معالجة اشكالية هذا القرار, ليس بيد امريكا وحدها وانما بيد كل الدول دائمة العضوية والتي يحق لها التصويت, الا اذا ارادت ان ترتكب حماقة جديدة بحق العراق وتلجأ الى استخدام حق النقض والذي سيأتي بالضرورة على الضد من مصلحة شعبه.
  والورقة الاخرى التي يجري التلويح بها في حال عدم اقرار الاتفاقية الامنية من قبل البرلمان العراقي, هي الورقة الايرانية. والمؤيدون لها يرون في خروج قوات الاحتلال في هذا الوقت الحرج الذي يمر به العراق, سيفتح المجال واسعا امام التمدد الايراني لفرض السيطرة على مرافق الدولة العراقية. والتساؤل هنا هل ان هذا التوسع الايراني في العراق مر دون رضا وقبول الجانب الامريكي؟ او على اقل تقدير هل حدث كل ذلك دون علمهم او جرى استغفالهم دونما موافقة ؟. كيف دخل الرئيس الايراني العراق وهو الذي يقف وفق التصنيف الامريكي على رأس هرم الارهاب في العالم ؟ من حمى اجواء العراق ومن حمى ارضه حين هبطت الطائرة التي اقلت نجادي ؟. الم تطلق التحذيرات من سوء العاقبة ومن سياسة التغاضي التي اتبعتها الادارة الامريكية ؟ الم تكن هذه السياسة مرسوم لها وبدقة كي نصل الى ما وصلنا اليه ؟. كيف ستتمكن قوات الاحتلال من بسط سيطرتها على كامل الاراضي العراقية خلال الفترة المتبقية لها ؟, هذا فيما لو صدقت وعودها. وانطلاقا من تلك السنوات العجاف والتجارب المرة التي مرت على العراقيين, فهم الاولى بادارة شؤونهم, دون وصاية من احد ودونما هيمنة.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق