ساهم الاحتلال الامريكي الغاشم المتواصل منذ عام 2003 في انحدار مستوى التعليم في العراق بفعل ممارساته الممنهجة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، تجاه مجمل المنظومة التعليمية في هذا البلد
الى درجة دفعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إلى مناشدة الأطراف الفاعلة كافة داخل وخارج العراق ومنها الادارة الامريكية بتحمل مسؤولياتها في هذا الشأن كما ناشدت المجتمع الدولي ببذل كل الجهود الممكنة لمنع انزلاق هذا القطاع الحيوي إلى مزيد من الانهيار، وهو ما عكسه المؤتمر الدولي الذي عقدته المنظمة مؤخرًا في باريس، والذي اتخذ من مسألة الدعوة إلى الكف عن المجازفة بمستقبل العراق شعارا رئيسيا له.
ونقلت مصادر صحفية عن مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية قوله في تقرير له نشر مؤخرا .. ان الأمر لم يقتصر على اليونسكو فحسب إذ حظي ما أصاب المنظومة التعليمية في العراق من تدهور وانهيار باهتمام العديد من المنظمات الدولية الأخرى، وعلى رأسها البنك الدولي الذي صنف العراق في تقريره حول حالة التربية والتعليم في الشرق الأوسط وشمال افريقيا منذ الستينيات، والصادر في 24 آذار الماضي ضمن الدول المتخلفة تعليميا، ووضعه في خانة واحدة مع الدول الأشد فقرًا في العالم.
واضاف التقرير لعل الحقيقة السابقة التي خلص إليها تقرير البنك الدولي لم تأت من فراغ، وإنما يؤكدها العديد من الشواهد والمؤشرات الدالة على انهيار التعليم في عراق ما بعد الغزو، ومن أبرزها: عدم تمكن نحو 50% من أطفال العراق من الالتحاق بالدراسة، بل الأخطر من ذلك هو انتشارهم في الطرق، والأسواق التجارية، والورش الفنية وقيامهم بأعمال لا تتناسب إطلاقًا مع أعمارهم، وكذلك عدم السماح للأحداث المودعين داخل الإصلاحيات بالتعلم داخل السجون والتقدم لأداء الامتحانات للمراحل التعليمية المختلفة، رغم إجازة القوانين العراقية لذا الأمر، واعتراف وزير التعليم في الحكومة الحالية في نيسان الماضي بأن ثلث العراقيين البالغين لا يجيدون القراءة والكتابة .
واشار الى تردي الأبنية المدرسية، وتضخم قاعات التدريس بأعداد مضاعفة من الطلبة تفوق الحد الطبيعي، نتيجة تكدس نحو مائة تلميذ في الفصل الواحد، وصولاً إلى ضعف المادة التعليمية ذاتها، فضلاً عن الانعكاسات السيئة للأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والمعيشية على الجوانب النفسية للطلبة، وعلى الواقع التعليمي ذاته، الأمر الذي أصاب العملية التعليمية بالشلل، بل دفع العديد من المدارس نتيجة الازدحام الشديد الذي تعانيه إلى العمل بنظام الفترات الدراسية المتعددة في اليوم الواحد، وعدم إنهاء المناهج الدراسية المقررة.
واكد التقرير ان حجم الكارثة التي أصابت المنظومة التعليمية في العراق يتضح من خلال الأرقام والإحصائيات التي أوردتها المنظمات الدولية بهذا الخصوص؛ إذ تشير إحصائيات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) إلى تشرد ما يزيد على 600 ألف طفل عراقي منذ عام 2006، وهؤلاء هم الأكثر عرضة للتوقف عن الدراسة، أو على الأقل عدم التمكن من إنهاء العام الدراسي، كما تعاني قاعات الامتحانات في المدارس والكليات العراقية تدخل الميليشيات المسلحة في مسار العملية التعليمية والامتحانات، إضافة إلى تدني مستويات التعليم ومعاييره.
وقال المركز في تقريره ان عمليات الاغتيال المنظم والتصفيات الطائفية والسياسية التي شهدها القطاع الجامعي والعلمي بوجه عام، منذ بداية الغزو عام 2003 دفع بأعداد كبيرة من الكوادر العلمية المؤهلة إلى الهجرة، ليس بحثًا عن الرزق والمورد المالي الأفضل، وإنما طلبًا للأمن والسلامة الشخصية بعد أن بلغ عدد أساتذة الجامعات والكوادر العلمية الذين تم تصفيتهم المئات الأمر الذي أفرغ الجامعات من أعداد كبيرة من الأساتذة حيث شملت الاغتيالات جميع التخصصات الأكاديمية في كل جامعات العراق .
واشار التقرير االى ان مقتل مقتل 232 أستاذا جامعيا خلال ألاعوام ألاربعة التي تلت الاحتلال الغاشم إلى جانب هجرة أكثر من ثلاثة آلاف أستاذ آخر إلى الخارج واختفاء العشرات منهم، ما أجبر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على إغلاق (152) قسمًا علميا في وقت اكد فيه أحدث تقييم بشأن استهداف العلماء العراقيين مقتل 5500 عالم وأكاديمي عراقي من قبل المليشيات الطائفية منذ الغزو الهمجي الذي قادته الادارة الامريكية في اذار عام 2003 ـ 80% منهم من العاملين في الجامعات كما يحمل أكثر من نصف الضحايا لقب أستاذ أو أستاذ مساعد حيث ان أكثر من نصف عمليات الاغتيال وقعت في جامعة بغداد تليها البصرة ثم الموصل ثم الجامعة.
واوضح التقرير ان الشواهد المذكورة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، أن ما يحدث لقطاع التعليم في هذا البلد الجريح لا يحدث دون تخطيط مسبق من قوات الاحتلال الأمريكية بل تؤكد أنها عملية مبرمجة لنشر الجهل والتخلف من خلال استهداف الحركة التعليمية وكوادرها وتهجيرهم، في عملية مماثلة لما فعله القائد التتري "هولاكو" ببغداد للقضاء على ما كانت تحظى به من مكانة علمية وفكرية أثناء غزوها قبلنحو ألف ومائتي عام .
واشار الى ان العراق احرز خلال الثمانينيات من القرن الماضي تطورا ملموسا في مجالات العلم والتكنولوجيا نتيجة الاهتمام بإعداد العلماء والخبراء للوصول إلى سبل التقدم التقني والمعرفي .. مؤكدا ان أحد اهم الاهداف الرئيسية للاحتلال الظالم هو القضاء على المقومات العلمية العديدة التي يمتلكها هذا البلد، بل إعادته إلى غياهب العصر الحجري بحسب اعترافات المسؤولين الأمريكيين ذاتهم.
وقال المركز في تقريره : من المعروف أن العراق قبل الغزو السافر كان يمتلك أكثر الأنظمة التعليمية تطورًا في منطقة الشرق الأوسط حيث قدرت (اليونسكو) في احد تقاريرها آنذاك نسبة المسجلين في التعليم الابتدائي بـ( 100%) كما تمكن العراق من القضاء على الأمية، علاوة على تحوله إلى مركز للدراسات الأكاديمية في العالم العربي فيما حقق قفزات إيجابية في مجال التعليم خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وخاصة في مجال تعليم البنات والتعليم الجامعي والاهتمام بالعلوم الطبيعية والعلماء...وبالتالي، ليس غريبًا أن يهدف العدوان الأمريكي المستمر ضد العراق الى القضاء على الثروة الفكرية والعلمية والتقنية التي يمتلكها هذا البلد.
واضاف ان واشنطن عملت على تكريس الانقسام الذي أوجدته في العراق والذي شمل مناحي الحياة كافة ومنها الأوضاع التعليمية وذلك من خلال تشجيع ما يسمى بإقليم كردستان على تدشين نظام تعليمي جديد خاص به يختلف عما هو مطبق في محافظات العراق الاخرى اذ قامت ( حكومة كردستان) في عام 2006 بافتتاح جامعة خاصة في أربيل يتم تدريس مناهجها باللغة الإنجليزية، بل الأغرب من ذلك تعيين أحد العسكريين البريطانيين المتقاعدين رئيسًا لها كما اقدمت عدة مدارس في العاصمة بغداد على تغيير أسمائها من أجل أن تعكس الواقع الطائفي الجديد في هذا البلد.
ولم يكن من المستغرب في هذا السياق، أن تقوم قوات الاحتلال الأمريكية باحتلال المدارس وتحويلها إلى مراكز للمراقبة والرصد فضلاً عن نهب الميزانية المكرسة لإعادة تأهيل هذه المدارس، وتزييف عقود البناء في الوقت الذي تعرضت فيه نحو 84% من البنى التحتية لمؤسسات التعليم العالي للأضرار جراء الحرب وأعمال النهب التي تلتها، ناهيك عن حملات الاختطاف والتهديد والتنكيل وقتل المعلمين والأساتذة التي ترتكبها الميليشيات وشركات الأمن الخاصة العاملة مع الاحتلال.
إن الأوضاع والملامح آنفة الذكر لا تبشر بمستقبل واعد للعراق ككل وليس منظومته التعليمية فحسب وهذا ما عكسته المخاوف التي أبداها المفوض العام المساعد لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة ( لاري كريغ جونستون ) فيتموز عام 2007 من ان جيلا كاملا من اطفال العراق قد يفقد فرصته في التعلم خصوصًا اللاجئين في الخارج، ما دفع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونسيف" والمفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة في الشهر ذاته إلى إطلاق حملة جديدة للعمل على إدخال الأطفال العراقيين في المدارس في كل من سوريا والأردن ومصر ولبنان، خلال العام الدراسي الماض 2007-2008 .
وفي ختام تقريره خلص مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية الى القول ان الدعوات الدولية لإصلاح أوضاع التعليم في العراق لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن نقطة في غاية الأهمية وهي مسؤولية الدول التي شاركت في العدوان على العراق وفي مقدمتها امريكا عما آل إليه مصير التعليم في هذا البلد الجريح وهو ما يقتضي ضرورة الضغط الدولي على تلك الدول لإصلاح ما أفسدته سياساتها الكارثية ضد ابنائه ولاسيما تعويض العراقيين عما لحق بالبنية الأساسية لمؤسساتهم التعليمية من دمار وخراب ستمتد آثاره الى عدة أجيال قادمة .
وكالات + الهيئة نت
ح
استمرار الاحتلال الغاشم وكارثة انهيار نظام التعليم التي تنتظر اجيال العراق القادمة
