الفشل الأمريكي في تحقيق الأهداف الاستراتيجية في العراق كان الدافع لأن تسابق الإدارة الأمريكية الزمن لإنجاز الاتفاق الأمني المشبوه مع العراق قبل نهاية المأساة للمحافظين الجدد بزعامة
جورج بوش في البيت الأبيض, وذلك بغية تحقيق أهداف كانت قد فشلت جيوشهم الجرارة في تحقيقها في مواجهة مقاومة شعبية غيرت مجرى التاريخ وفرضت على العالم إعادة كتابة النظريات العسكرية.
لقد كانت مقاومة الشعب العراقي بكافة أطيافه للاتفاقية الأمنية المزعومة والتي تكرس الاحتلال الأمريكي للعراق مثالاً واضحاً لهزيمة المشروع الأمريكي على الساحة العراقية والشرق أوسطية. حتى اعترافات أقرب المقربين من المحافظين الجدد في البيت الأبيض باتت تحمل معالم ذلك الفشل الذريع وبشكل واضح وصريح, حيث اعترفت شخصيات بارزة في صفوف المحافظين الجدد بارتكاب أخطاء جسيمة فيما يتعلق بالحرب التي قادها جورج بوش على العراق.
بول وولفوتيز النائب السابق لوزير الحرب الأمريكي كان آخر من أماط اللثام عن عدم توقع الإدارة الأمريكية للمقاومة الشعبية العراقية التي أبداها أفراد الشعب العراقي على مساحة بلاد الرافدين, ويقول وولفوتيز في تصريح لجريدة (دي تسابت الألمانية) لم يكن لدينا أدنى فكرة عن العدو ولم يكن لدينا أدنى فكرة عن الحرب الداخلية التي يمكن أن تواجهنا على أرض العراق.
واضاف إنه قبل الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 لم نكن نعرف العدو .. مستطرداً أن الحكومة الأمريكية لم تتوقع حرب ( المتمردين ) التي واجهتها لاحقاً .. لافتاً الانتباه إلى أن هذه الحرب قد أعد لها سابقاً ومنذ زمن طويل.
وقال بول وولفوتيز إنه لا يتحمل المسؤولية عن قرار الحرب .. كاشفاً النقاب عن أن وزير الحرب الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد هو من اتخذ قرار الحرب, وأضاف: لم يكن لنا تأثير حقيقي حيث كانت النصائح التي نقدمها تواجه بالإهمال بل بالتجاهل كلياً.
الجريدة نفسها نقلت اعترافاً جديداً عن خبير الدفاع ريتشارد بيرلي وهو أحد الشخصيات البارزة في معسكر المحافظين الجدد قوله لم أكن لأصدق مطلقاً أن تفسد الأمور بهذه الطريقة قائلا : أردنا أن نكون المحررين, لكننا أصبحنا بعد خمسة أو ستة أشهر القوة المحتلة والمستهدفة.
وكان وزير الحرب الأمريكي روبرت غيتس قد صرح الشهر الماضي أنه ليس من المرجح أن يدخل جيش بلاده حرباً جديدة قريباً, وصرح بأنه ليس من المرجح أن تكرر واشنطن الحرب التي شنتها على العراق وأفغانستان في القريب, وبدلاً من ذلك قال غيتس إنه سيتم استخدام مقاربات غير مباشرة لمنع المشكلات من أن تتحول إلى أزمات تتطلب تدخلاً أمريكياً باهظ الثمن, ومثيراً للجدل.
واقعياً تتمثل أهم ملامح الفشل الأمريكي الذي يخلفه بوش وإدارته للرئيس الجديد في الأوضاع الكارثية لجيش الاحتلال الأمريكي بالعراق, حيث كشف محللون وخبراء عسكريون مؤخراً عن تعرض جنود قوات الإحتلال الأمريكية في العراق لخطر عدو خفي يتمثل في تزايد معدلات الإصابة بالصدمات النفسية والإجهاد الشديد وحالات الإحباط والاكتئاب والكوارث الإجتماعية التي تصل إلى حد مروع في كثير من الأحيان, هذا بالإضافة إلى استمرار خطر التعرض للقتل.
ورأى المحللون أن أعراض الإجهاد الناجمة عن الصدمة تظهر في ردود فعل ضخمة كالتوتر الشديد والغضب السريع, أو الكوابيس.
تقول الطبيبة النفسية في الدائرة الصحية التابعة للجيش الأمريكي الكولونيل كاميرون ريتشي: (نعرف أن الإجهاد الناجم عن الحرب والذي يتضمن انتشاراً لفترات مطولة ومتكررة يترك تأثيرات على معظم جنودنا).
وكشفت مصادر مطلعة أن حوالي عشرين في المائة من جنود الإحتلال الأمريكي العائدين من العراق مصابون بعوارض الإجهاد الناجمة عن الصدمات, كما يشكل ارتفاع معدلات الانتحار والطلاق أيضاً دليلاً على فشل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية ومغبة طول فترات الانتشار في مناطق القتال.
إن الأهوال التي يواجهها جنود الاحتلال الأمريكي على أيدي المقاومة في العراق دفعتهم إلى تناول العقاقير المهدئة بشكل ملحوظ ومتزايد حيث كشفت مصادر طبية امريكية رفيعة المستوى عن تزايد حالات تناول المهدئات وسط الجنود الأمريكيين منذ الغزو الأمريكي للعراق, الأمر الذي زاد من مخاوف إساءة استخدام تلك الأدوية .
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
الاتفاقية الأمنية... تكريس لواقع الاحتلال / غالب حسن محمد
