كثر الكلام عن التغيير المنتظر بعد رحيل عدو البشرية بوش وفريقه إلى مزبلة التاريخ، ونجاح أوباما في وراثة أعباء التركة البوشوية القذرة، وأعلن الكثيرون ممن يعيشون على رد الفعل في منطقتنا أن أوباما ربما يحمل بعض الخير لقضايا شعبنا العربي بسبب لونه الأسمر وعرقه الإفريقي، نقول:
كونداليزا رايس سوداء، بل أكثر اسودادا، وباول كان مثل أوباما، وهما من أشد أعدائنا ضراوة وأذى لنا وللبشرية جمعاء.
عداء كونداليزا رايس للبشرية - وهي من العرق الأوبامي نفسه - فاق عداء الكثيرين من ذوي السحنة البيضاء، ودور باول في التغطية على عدوان أمريكا على العراق لا يقل عن دور أعتى الصهاينة.
ولا يخفى علينا أن بيننا من عرقنا ولوننا وأهلنا من يعادون شعبنا العربي، ويبيعونه، ويظلمونه أكثر من كل الأعداء.
هذا يعني أن لون أوباما وعرقه الإفريقي ليسا كافيين.
- أمريكا مؤسسة، فيها حزبان لا يستطيع الوصول إلى السلطة فيها غيرهما، في ظل ديمقراطية هي في عمقها مزيفة رغم اتهامها كذبا بأكبر الديمقراطيات، والحزبان لم يختلفا يوما عن بعضهما في كل القضايا المفصلية، وأولها الإيمان بمصلحة أمريكا في نهب ثرواتنا والسيطرة على أسواقنا وعلى العالم، ويوازي ذلك الإيمان بحيوية الوجود الصهيوني وضرورة حمايته وضمان أمنه وهيمنته على المنطقة، وتلك الحقيقة التي يؤمن بها أوباما والتي أعلنها بوضوح خلال حملته الانتخابية، وبالحقيقة سواء آمن بها أو لم يؤمن، فهي الحلقة الوحيدة التي لا يستطيع الخروج منها للاستمرار في الحياة.
- أمريكا المؤسسات، فيها كنائس يخضع لها الملايين، ويقودها الصهاينة حتى وإن كان أوباما يتبع كنيسة في شيكاغو تعتبر من الكنائس القليلة التي يقودها القس جرميا رايت المعادي «لإسرائيل» والذي يعتبره أوباما مرشده الروحي، لكن الملايين هم الذين يحسمون نتائج الانتخابات، وليس راعي كنيسة أوباما.
- وأمريكا - بالإضافة إلى الناخب اليهودي الفاعل - فيها سيطرة المال الصهيوني الفعال على قراراتها في حين ترقد مليارات الدولارات العربية في خزانات بنوكها لا يسمح بحركتها إلا بإرادة أعدائنا وأصدقائهم.
- وأمريكا تنهب ثرواتنا بواسطة شركاتها المقيمة في بلادنا، وهي من أهم عناصر القوة في الاقتصاد الأمريكي، والانهيار مصيره إذا انهارت هذه الشركات، ولا يسمح لأحد - في ظل زعمائنا - أن يهدد أمن هذه الشركات حتى ولا أوباما طيب الذكر أعلاه!.
- وأمريكا فيها شركات السلاح التي توجه فوهات بنادقها نحو كل من يهدد استثماراتها في المنطقة والعالم، ومن يخرج عن سكة الحديد ذات الاتجاهات المحددة.
- وأمريكا غارقة بالديون وخصوصا الديون الناتجة عن حربها الإجرامية في العراق، وهي تريد زيادة النهب للتخلص من كلفة هذه الديون على حساب الآخرين.
صحيح أن أوباما أعلن استعداده للتعامل مع إيران بطريقة مختلفة عن سلفه، لكنه أكد أن إيران هي خطر يهدد «إسرائيل» التي أكد أن أمنها من أولوياته، فكيف سيوفق بين الموقفين المتناقضين؟. إنه حتما سيعود إلى ترجيح الموقف الضامن «لإسرائيل» لا لإيران.
هل يغير رجل مثل أوباما دولة مؤسسية خاضعة لشركات السلاح والنفط وللأموال وأزمة الديون وصحوة الدب الروسي وتمرد إيران وفنزويلا ومثيلاتهما؟؟.
التغيير الوحيد الممكن هو قيادة أمريكا في اتجاه مزيد من النهب لضمان حل مشاكلها - تماما كما فعل بوش - وخصوصا في ظل الأزمة العالمية الاقتصادية الكارثية التي سببتها بشكل رئيس سياسات أمريكا نفسها.
صحيح أن أوباما مثلنا لونا وعرقا، وربما ثقافة غير معلنة، وربما مالت به معطياته إلى احتمالات الاحتكاك الناعم مع «إسرائيل» أو إلى الاختلاف مع بعض قراراتها، لكنه هو الذي أكد أن أمن «إسرائيل» وهيمنتها على المنطقة من أولوياته!!.
وصحيح أنه أعلن ضرورة الانسحاب من العراق، لكن نائبه من دعاة تقسيم العراق، ونائبه جو بايدن كاثوليكي لن ينسى الرصاصات التي اغتالت كنيدي الكاثوليكي يوما، وللعلم فقط، فإن الثنائي «أوباما بايدن» خارجان عن المسار الطبيعي للإدارة الأمريكية، الأبيض البروتستانتي، وهذا ما سيجعلهما أكثر تجددا لبرهنة انتمائهما للقوة والسيطرة الأمريكية.
وللتذكير، فعندما أعلن أوباما ضرورة الانسحاب من العراق، أتبع ذلك بالقول: «وضرورة ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة»، وهو حتما يعني الأمن الضامن لمصالح أمريكا، فما هي الطريقة التي يضمن بها هذا الأمن؟. وهل إذا خرجت جحافله من الحدود ستخرج أساطيله من البحار، وأجهزته الأمنية من الأقبية وعمل الظل، وشركاته من السيطرة على أموال العالم؟.
إن الأمور لا تقاس باللون والشكل والمنابت والأصول، فبيننا - حتى بيننا من عرقنا ولوننا وتاريخنا - من هم أكثر عداء لشعبنا من بوش وشارون ورايس، وبيننا من سمح، وشارك في تسهيل عبور الفلاشا السود إلى الكيان الصهيوني ليكونوا من جلاديه.
صحيح أن بعض كتاب «هاآرتس» يعتبرون أنه سيكون الرئيس الأقل دعما «لإسرائيل».. (والصهاينة للتذكير لا يعتمدون على التسول من هذا وذاك، بل يفرضون الجباية على هذا وذاك)، لكنهم يدركون أن هذا الدعم الأقل لن يكون في التخلي عن تزويدها بالسلاح والمال والتعاون الأمني وتوفير الفيتو لها عند الحاجة، وكل ما هناك أنه سيصدر بعض تصريحات العتاب من حين لآخر، ولا يمكنه غير ذلك في ظل صمتنا وتحالفات حكوماتنا مع أجهزته الأمنية وبنوكه وسياساته.
علينا أن نؤمن أن أمريكا تنهزم وتخضع، لكن ليس بالترجي والتسول، بل بمقاومة مشاريعها، وليكن قائدها من يكون، أبيض أسود ومن كل الألوان، وتجارب هزيمتها ما زالت في الذاكرة، وأقواها هزيمتها في فيتنام، وهزيمتها وهزيمة حليفتها في لبنان، وفشل جيوشها حتى الآن في العراق وأفغانستان، وتمرد إيران وفنزويلا وكوبا وكوريا، وهربها من بيروت ومن الصومال، وهزيمة حليفتها جورجيا أمام الرفض الروسي.
القرار يجب أن يكون لشعب المنطقة؛ لأن أهل الأرض هم الأساس، ولأن المبادرة العربية التي أعلن أوباما تأييده لها تقدم سقفا منخفضا لما تقبله حكومات المنطقة الحليفة لأمريكا والمتعاهدة مع إسرائيل، وهي لا تمثل طموحات الشعب الذي يريد الحرية والحياة الكريمة وتخليص ثرواته وأراضيه من الاحتلال وهيمنة الأعداء، فيجب أن تسقط هذه المبادرة، وأن تسقط المعاهدات، وأن يوضع أوباما وغير أوباما أمام الحقيقة التي تبرهنها كل يوم المقاومة في العراق وفي لبنان وفي فلسطين.
جريدة السبيل الاردنية
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
أوباما ليس أكثر اسوداداً من رايس.. علي حتر
