هيئة علماء المسلمين في العراق

هل تكون الاتفاقية الأمنية الضربة القاضية للثور الأمريكي؟!.. سعدون شيحان*
هل تكون الاتفاقية الأمنية الضربة القاضية للثور الأمريكي؟!.. سعدون شيحان* هل تكون الاتفاقية الأمنية الضربة القاضية للثور الأمريكي؟!.. سعدون شيحان*

هل تكون الاتفاقية الأمنية الضربة القاضية للثور الأمريكي؟!.. سعدون شيحان*

منذ لحظة الشروع بالمفاوضات المكوكية بين الجانب الأمريكي والعراقي ونحن نطالع تصاعد وتيرة الاملاءات من طرف الساسة الامريكان لمفاوضيهم. قد يكون عامل الزمن مهما وحرجا اذ تنتهي صلاحية التفويض الدولي للقوات الامريكية بحلول كانون الثاني المقبل 2009، وهذا ما أزعج الرئيس بوش مع تعثر الوصول لصيغة مقبولة مع الحكومة العراقية، وهو ما دفعة لايفاد وزير الدفاع بادئ الامر ثم زيارتين لكونداليزا رايس لبغداد، والقضية الأبرز هي الاتفاقية التي لم تجد من يبلور بنودها لترضي غرور المحتل، وتبقي على ما تبقى من كرامة شعب محتل .

انطلقت تلك الاتفاقية من خطأ جسيم ارتكبه المالكي من خلال منح نفسه صلاحية توقيع مسودة الاتفاقية من خلال الدائرة التلفزيونية المغلقة مع الرئيس بوش، وهو ما ازعج المكونات السياسية اضافة الى امتعاض الشارع العراقي.

كانت صدمة على جميع الاطراف والمكونات السياسية في العراق، وهو ما افقد رئيس الوزراء الكثير من خطوات منحه رداء الشرعية في الساحة السياسية وعلى صعيد المجتمع العربي، وكان ثمن ذلك كبيرا.

تصفية المليشيات وخاصة جيش المهدي وهيمنة فيلق بدر.. انطلقت مواجهات كبيرة في العمارة والبصرة وبغداد، والهدف إعادة هيبة تدهورت لخطأ استراتيجي اقترفه رئيس الوزراء، وربما أيضا أدرك بوش أنه سار بطريق ثان خاطئ بعد أن أخطأ في احتلال العراق، وفرض الوصاية على شعبه، ولكن سياسة الاصلاح وجدت بعض مبتغاها حيث كان مشروع التخلص من الطائفية والمليشيات عملا مميزا في رأي غالبية الشارع العراقي، وعاد معه المالكي مسرورا للتخلص من المنزلق الخطير.

لم يكتف الأمريكان بالمحاولة الأولى، بل استمروا في اصلاح بعض البنود من خلال فتح أفق من المفاوضات أوكل المالكي كي لا تتكرر تجربة الدائرة التلفزيونية لوزير الخارجية هوشيار زيباري بالمهمة... مفاوضات وسجالات وتصريحات حول البنود الأخيرة، وما وصل اليه المفاوضون تسريبات طفت على السطح، برزت بعض تلك البنود، ابرز نقاطها كانت انه لا يحق للحكومة العراقية معاقبة الجنود الامريكان او المتعاونين معهم والمتعاقدين ولا حتى تطبيق القانون العراقي في حال ارتكاب جرم، والسيادة على الاجواء العراقية من مهام القوات الامريكية، وإقامة قواعد دائمة للجيش الأمريكي.

وفي حال صدور أوامر للجيش الموجود في تلك القواعد فإنه سيكون بمعزل عن أخذ موافقة الحكومة العراقية للقيام بعمل عسكري على أي من الدول الاقليمية أو العالم.

امتعض كل الشعب العراقي من تلك البنود المسربة بقصد، ولعل القصد في تسريب بنود سرية في طور التفاوض كان عملية جس نبض الشارع العراقي الذي ثار على الاتفاقية التي تمتهن كرامة الدولة العراقية، وتفقدها سيادتها.

طال أمد التفاوض فيما البيت الأبيض يرقب عنصر الزمن، واللحظات باتت قريبة من تشرين ثاني اذ تنتهي مدة التفويض الدولي للقوات الأمريكية .

تسريب مبطن من أحد الصحف الامريكية، ثلاث سيناريوهات للتخلص من المالكي، وعادل عبد المهدي هو البديل، ضرب اعصار السيناريو المنطقة الخضراء، والمالكي الذي حاول ان ينأى بنفسه عن ركوب امواج الاتفاقية وجد نفسه يعود أدراجه نحو التفاوض من جديد، ولكن عليه أولا أن يتخلص من زيباري العقبة التي برأيه استعصت ان تجد منفذا منطقيا للحلول.

سحب تلك الاتفاقية من وزارة الخارجية، ومعه قرار وزاري بفصل عشرات من المدراء العامين من الخارجية، وعاد الملف نحو مستشاري ونواب المالكي، وبدأت صفحة استقراءات على أنها لحظات الختام لتلك الاتفاقية.

منذ ان عادت الاتفاقية الى احضان المالكي من جديد اولت الادارة الامريكية المشروع اهتماما خاصا، وزارت وزيرة الخارجية الامريكية رايس بغداد بشكل مفاجئ وبشكل متكرر فيما المالكي لا يغمض له جفن رعبا من خطأ جسيم اخر قد يدفع به نحو سقوط مفاجئ ربما يكون مبيتا .

في الجهة المقابلة تركزت انظار الشارع العراقي على بنود الاتفاقية وما تسربه وسائل الاعلام من تفاصيل خشية البيع دون علم البائع!! ومعه كل مناوئي المالكي ارتكزوا على محاولة افشالها من خلال تعبئة الشارع العراقي، ليس اخرهم مقتدى الصدر الذي خرج من انصاره عشرات الالاف في الشوارع منددين بتلك الاتفاقية ورافضين لها.

الرجل اصبح في حيرة من امره فيما الجميع ترنو أبصارهم صوب ما يشاهدونه على شاشة التلفاز من تقارير لما يقوم به رئيس الوزراء.

وقبل اسبوعين من نهاية التفويض الدولي للقوات الامريكية رايس ترسل النسخة المعدلة لمشروع الاتفاقية الامنية أو الدفاع المشترك مذيلة بهامش أنها النهائية "finish file "، ولا يقبل التعديل عليها.

المسودة الأخيرة مع أنها تضمنت "حق الحكومة العراقية في تطبيق القانون العراقي على المتعاقدين والعاملين مع القوات داخل القواعد الامريكية" و"السيادة الكاملة على الاجواء العراقية"، و"يسري القانون الامريكي على الجنود داخل القواعد فقط"، و "لا يحق للقوات الامريكية احتجاز المعتقلين الملقى القبض عليهم اكثر من 24 ساعة وتسليمهم للحكومة العراقية" "واخبار القيادة العراقية بأية عملية عسكرية مسبقة" و"انسحاب تدريجي من المدن والقصبات والقرى العراقية يستكمل مع حزيران 2009" و"انسحاب القوات الامريكية بشكل نهائي في عام 2011".

إلا أن كل ذلك لم يكن له قيمة مع فقرة "التجديد وفق رغبة الحكومة العراقية لمدة ثلاث سنوات متكررة"، والتجديد بعد 2011 لمدة ثلاث سنوات سيكون كارثيا؛ لانه يعني حجز ست سنوات قادمة من مصير البلد الذي ينتظر لحظة الخلاص من الاحتلال، وما بال المواطن الذي يشك بأن السنوات الثلاث سترضي القيادة الامريكية مع اجندة سرية لم تكتمل لغاية الآن، وكم من ثلاث ستتبع تلك الثلاث اذ لا افق نهائيا لهذه المعادلة المطلقة!.

الكثير من السياسيين يراهنون على رفض الاتفاقية في حال طرحت في البرلمان، والدفاع الاستباقي بناه المالكي مقدما من خلال مخرج الطرح والموافقة عبر بوابة المجلس السياسي للتخلص من إحراج البرلمان .

في تلك اللحظة ماذا سيتبقى من اوراق للشارع العراقي غير المسيرات والمظاهرات والعصيان المدني تقابله القوى الوطنية بالتصدي للمشروع من خلال توحيد الصفوف وبناء تكتل وطني يرفض البيع ورهن المستقبل السياسي العراقي ومصير المواطن والوطن.

بعض التحليلات ترجح تأجيل البت بهذه الاتفاقية إلى لحظة تسلم باراك أوباما لسدة الزعامة الأمريكية خاصة مع ما أظهره من نوايا لسحب القوات الأمريكية من العراق، عندها لن تكون لها حظوظ مع رصانة الموقف العراقي المضاد لها.

الموقف السياسي والاقتصادي للولايات المتحدة في هذه اللحظات يقرأ على انه هش لدرجة استجداء المواقف، بوادرها التي ظهرت للعلن الوساطة السعودية لقوات طالبان بعدما أوفد كرزاي للمملكة العربية، والرسالة هي إعادة طالبان للساحة الافغانية وتوقف استهداف الجنود الامريكان.

بالمقابل فان الأزمة الاقتصادية ضربت هيبة الرأسمالية واقتصاد السوق عرض الحائط، والهزات الارتدادية عصفت بكل الحكومات التي ربطت سوقها النقدي والاقتصادي بالولايات المتحدة، ومع هذا يبدو أن الثور الامريكي فقد قرنيه، واصبح عجوزا وهرما، ولا يقوى على تحريك حتى ذيله.

مع كل تلك المعطيات لا بد من ضربة قاضية توجه لمن افقدنا هيبة وأمن واستقرار البلد.. ورفض مشروع الاتفاقية الأمنية هو الضربة القاضية إن صدقت النوايا.

* إعلامي – كاتب سياسي عراقي


العرب اونلاين


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق