بعد تردد ومداولات وأخذ ورد وتغييرات بعضها مهم وبعضها هامشي أقرت الحكومة (العراقية) برئاسة نوري المالكي الاتفاقية الأمنية (أسموها اتفاقية انسحاب القوات الأجنبية لأغراض التدليس)،
وذلك تمهيداً لتمريرها في البرلمان، الأمر الذي يبدو مؤكداً في ظل مباركة السيستاني وموافقة الائتلاف الشيعي (صاحب الأغلبية)، ومعه التحالف الكردي الذي كان الأكثر حماسة للاتفاقية إلى جانب موافقة خجولة من جبهة التوافق السنية التي ترى نفسها في موقع الخاسر سواء وافقت أم لم توافق، لكنها آثرت الموافقة تجنباً لغضب الأمريكان الذين طالما حرصت على إرضائهم، ولو على حساب الجمهور العربي السني الذي تدعي تمثيله.
من الواضح أن جملة عوامل قد ساهمت في تمرير الاتفاقية، أقلها أهمية تلك التعديلات الهامشية التي أجريت عليها والتي لا تغير في تثبيتها للانتداب الأمريكي على العراق، وبالضرورة معادلة السيادة المنقوصة (ولاية قوات الاحتلال على جنودها) مع أن أحداً لا يضمن تغيير قوات الاحتلال لرأيها إذا سنحت الفرصة، ووجدت في ذلك مصلحة لها.
من تلك العوامل ما يتعلق بخوف الائتلاف الشيعي من خسارة تحالفه مع الأمريكان، ثم إمكانية اتخاذهم خطوات دراماتيكية تهدد المكاسب التي حققها منذ مجيء الاحتلال، وعلى رأسها السيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية.
هناك بالطبع تراجع حدة المعارضة الإيرانية لتمرير الاتفاق، ويبدو أن طهران قد آثرت تمريرها مع الإبقاء على خط رجعة يتمثل في معارضة الصدريين وتلويحهم بالتخريب عليها عبر المقاومة المسلحة.
حدث ذلك بينما تسعى إيران إلى تهيئة الأجواء لمجيء أوباما من جهة: هو الذي يتبنى خيار الحوار معها، وليس الحسم العسكري إلى جانب خوفها من مغامرة غير محسوبة ضدها من الذئب الجريح (بوش) في حال ذهبت بعيداً في تحريض القوى الشيعية على تمرير الاتفاقية، الأمر الذي لا يمكن استبعاده بالكامل ما دام هو الرئيس الفعلي، ولم يسلم السلطة لخلفه.
لا يستبعد بالطبع أن تكون القوى الشيعية إياها قد فرضت على طهران عدم التصعيد ضد الاتفاقية تحت ذريعة المغامرة بمكاسبهم، الأمر الذي دفعها نحو هذا الخيار من دون الكف عن إعلان المعارضة، ويبقى سؤال الكيفية التي سترد بها الحكومة على التيار الصدري في حال قرر بالفعل الرد بمقاومة عسكرية ضد الأمريكان بعد توقيع الاتفاقية.
من المؤكد أن ضغوط الأكراد على القوى الشيعية قد ساهمت بدورها في تمرير الاتفاقية، وبالطبع عبر مساومات لا تعرف تفاصيلها، ومعلوم أن بين الفريقين الكثير من الملفات العالقة والمساومات الظاهرة والخفية لا سيما أن الائتلاف الشيعي ليس على قلب رجل واحد، وبوسع سياسيين من وزن طالباني أن يلعبوا على تناقضاته الكثيرة.
والحال أن التناقضات المذكورة هي واحدة من التطورات البارزة التي ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة، ويمكن أن تتفاقم لاحقاً تبعاً لتسلسل الأحداث، فقد أنشأ نوري المالكي تحالفاً يضم حزبه وعدداً من الكيانات والأحزاب الشيعية لخوض انتخابات المحافظات، ليس من بينها المجلس الأعلى الذي يتزعمه عمار الحكيم في ظل مرض والده عبد العزيز الحكيم.
حدث ذلك في ظل خلاف شديد آخر بشأن الفيدرالية ورفض المجلس الأعلى توسيع صلاحيات الحكومة المركزية، ما يعني أننا إزاء خلافات مرشحة للتفاقم، وهي خلافات لا بد أن يتسلل الأمريكان وحلفاؤهم من شقوقها، ويستغلوها بشكل دائم.
في ظل هذا التصاعد في الخلافات بين المجموعات العرقية والطائفية وداخل كل طائفة على حدة سيكون الدور الأكثر تأثيراً في المرحلة اللاحقة للمحتلين الذي سيكونون الحكام الفعليين الذين يلعبون على التناقضات، ويحج الجميع إليهم لكسب ودهم ودعمهم.
أما قوى المقاومة والممانعة التي عارضت الاتفاقية، فليس أمامها والحالة هذه سوى تصعيد المقاومة ضد قوات الاحتلال، وفي حال صدق الصدر في تهديداته، ووقع تعاونا بين الفريقين، فإن الموقف سيغدو أفضل.
ولا شك في أن من المسيء لسائر العراقيين أن يستكينوا لاتفاقية الانتداب حتى لو مررها برلمان صنع على عين الاحتلال ومن أجل خدمة مصالحه.
الدار العراقية
المقالات تعبر عن اراء اصحابها
لماذا مررت الحكومة (العراقية) اتفاقية الانتداب؟.. ياسر الزعاترة
