الاتفاقية الأمنية هي إنقاذ لماء وجه بوش الذي لم يخب أمله في رجاله الذين سلمهم السلطة في العراق.. وهي تمنح فرصة لنوري المالكي للحصول على فترة حكم ثانية.
في الحادي والثلاثين من كانون الاول من العام الجاري 2008 ينتهي تفويض الأمم المتحدة ببقاء القوات الأمريكية في العراق.. من هذا المنطلق فإن الهدف من استعجال الرئيس المنتهية ولايته بوش في توقيع الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة وبين الحكومة العراقية الموالية لها هو قطع الطريق على الرئيس المنتخب باراك أوباما الذي وعد ناخبيه بسحب القوات الأمريكية من العراق خلال ستة عشر شهراً أي مع حلول منتصف عام ،2010 في حين ان الاتفاقية تقضي ببقاء هذه القوات حتى نهاية عام ،2011 أي بقاءها عاما ونصف العام بعد موعد أوباما.
بالأمس الأول سارع مجلس وزراء نوري المالكي لعقد اجتماع استثنائي لإقرار الاتفاقية وإحالتها إلى مجلس النواب العراقي، ويتوقع المراقبون أن يُصوت المجلس على الاتفاقية، في ضوء تركيبة المجلس وتوزيع الأعضاء حسب انتماءاتهم السياسية والحزبية لا سيما أن قرارات المجلس يتخذها بنصف الأعضاء زائد واحد.. وتطالب بعض القوى السياسية أن يتم التصويت على مثل هذه القضايا المهمة بثلثي الأعضاء ولكن هذا المطلب سيجد معارضة من القوى التي تشكل غالبية أعضاء المجلس والمجلس الإسلامي والتحالف الكردستاني.
إن القوى المشاركة في العملية السياسية، وهي القوى التي جاءت بها القوات الأمريكية فوق ظهور دبابات الغزو، والتي وافق وزراؤها على الاتفاقية الأمنية، تجد هذه القوى أن من مصلحتها بقاء القوات الأمريكية، لضمان بقائها في سدة الحكم، لأن سحب هذه القوات، ربما يعرض شخوص الحكم في المنطقة الخضراء إلى الخطر، لا سيما أن غالبية أبناء العراق بكل قومياته وأديانه وطوائفه هم ضد الوجود الأمريكي، ومع انسحابها في أسرع وقت، لأن أبناء العراق، باستثناء بعض الزعامات التي استفادت سياسياً ومالياً من الوجود الأمريكي، هم الذين ذاقوا الأمرين من هذا الوجود الاستعماري، فقد قُتل قرابة مليون ونصف مليون عراقي منهم (120) ألفا من البعثيين ومن الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والعلماء في الصناعات الحربية، كما تم تهجير نحو أربعة ملايين عراقي خارج ديارهم منهم مليون ونصف المليون في سورية وثلاثة أرباع المليون في الأردن.
وفي ضوء هذه المعاناة فإن ملايين العراقيين يرفضون الاتفاقية، لأنها تكرس وجود القوات الأمريكية بتشريع عراقي، وتبقي سيادة العراق واستقلاله الوطني مثلوماً وناقصاً، كما أن ثروات العراق خاصة النفطية منها تحت السيطرة الأمريكية في ضوء قانون النفط سيىء الصيت، الذي منح الشركات الأمريكية والأوروبية سلطة الإشراف على نفط العراق، من حيث الاستكشاف والحفر والتوصيل والتصدير. كما أن هذا الوجود الاستعماري، قد يضمن تنفيذ المحاصصة الطائفية في إطار التقسيمات الجغرافية، تحت ما سمي بالفيدرالية التي جاء ذكرها في الدستور الذي صاغته العقول الأمريكية ذات الخلفيات التوراتية.
هم فقط المتسلطون في المنطقة الخضراء، الذين سهروا الليالي وأوصلوها بالنهار، في اتصالات فيما بينهم وبين سلطات الإدارة الأمريكية، لكي يتوصلوا إلى اتفاقية "مُحسّنة" حسب وصف البعض، فقد طالبوا من الإدارة الأمريكية بعض التحسينات على الاتفاقية الأمنية، منها تعديل تسمية الاتفاقية فصار اسمها "اتفاقية سحب القوات الأجنبية من العراق"، كما أن الإدارة الأمريكية لم تتنازل عن بعض النقاط الواردة في الاتفاقية، واعتبرتها من الثوابت التي لا يمكن التنازل عنها، مثل رفض المطلب العراقي، بمثول الجنود الأمريكيين وعناصر الأمن أمام المحاكم العراقية إذا ارتكبوا جرائم خارج نطاق الوظيفة. وقد تم تحسين هذه الفقرة حسب الطلب العراقي، ووفق ما أعلنه علي الدباغ الناطق باسم الحكومة العراقية، أن الجرائم التي يرتكبها الجنود الأمريكيون داخل معسكراتهم هي من اختصاص المحاكم العسكرية الأمريكية وأما التي يرتكبونها خارج معسكراتهم فتنظر فيها لجنتان: الأولى لجنة فنية مشتركة من الطرفين والثانية لجنة وزارية، وهذا التشكيل الجديد تمييع للمطلب العراقي السابق، وبالتالي فإن الجنود وعناصر الأمن الأمريكيين سيبقون فوق الشبهات ولا يجوز حجزهم أو عرضهم على محاكم عراقية.
ولنا في الحادث الأخير الذي حصل في مدينة الموصل، عندما صفع جندي أمريكي جندياً عراقياً على وجهه فما كان من الجندي العراقي الشهم الذي تحركت في عروقه دماؤه العربية والإسلامية، فأمطر الجنود الأمريكيين برشقات من رشاشه وقتل وجرح منهم عدداً، وسقط هو شهيداً برصاص الأمريكيين، مثل هذه الحادثة كيف ستنظر فيها اللجان المشتركة..؟ أتصور أنه سيكون الحق على الجندي العراقي، إذ لا تستحق الصفعة على الوجه مثل هذا الفعل الذي أدى إلى قتل وجرح جنود أمريكيين، لأن الإدارة الأمريكية كما تعلموا من العهد الجديد (أن لا كرامة لغير اليهود والأمريكيين ) وبالتالي يحق لهم أن يصفعوا "الأغيار والغويم" الهمج متى شاءوا ولأي سبب، وما زلنا نذكر أن السبب المباشر وراء تدمير مدينة الفلوجة، هو مقتل أربعة من عناصر شركة (بلاك ووتر) الامنية ولنفرض أن الظروف المقبلة ستجعل القوات الأمريكية تشن هجوماً أو ضربة جوية أو صاروخية على بلد مجاور للعراق، فمن سيمنع هذه القوات ؟ وهل ستُعلم قيادة هذه القوات الحكومة العراقية بالأمر قبل التنفيذ؟ أم أنها سوف تسمع بالخبر من وسائل الإعلام !! وحتى لو شجبت الحكومة مثل هذا العمل، ماذا سيفيد الشجب ما دامت القوات الأمريكية نفذت خطتها ضد الهدف المقابل سواء كان في إيران أو غيرها من دول الجوار؟ وماذا إذا أرادت السلطات الأمنية أو الجمركية العراقية أن تفتش شحنات تابعة للقوات الأمريكية، سواء كانت خارجة من العراق أو داخلة إليه!؟ وماذا إذا امتنعت القوات الأمريكية ورفضت السماح للمسؤولين العراقيين بتفتيش الشحنات غير إرسال مذكرة احتجاج يتم قراءتها وحفظها في ملفات خاصة أو رميها في سلة المهملات.
إن المصلحة بين الطرفين مصلحة مشتركة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا الأمن، فالطرفان سوف يتعاونان سوية في الإطار العسكري فإذا ما اشتدت ضربات المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال، عندها سوف تمارس القوات المحتلة كل وسائل القمع والذبح والاعتقال ومداهمة البيوت ونسفها، تحت ذريعة حماية الأمن، وفي مثل هذه العمليات سوف يُذبح الأبرياء من النساء والأطفال كما حصل في الفلوجة وديالى والموصل وحديثة والأنبار وبغداد والبصرة.
الاتفاقية الأمنية هي إنقاذ لوجه بوش الذي لم يخب أمله في رجاله الذين سلمهم السلطة في العراق فوق برك دم العراقيين، ومثل هذه الاتفاقية سيعتبرها بوش وحزبه الجمهوري إنجازاً مهماً يتوج إنجازاته التاريخية في ذبح الشعوب تحت ما يسمى بمكافحة الإرهاب. والاتفاقية منحت القوى في السلطة فرصة البقاء في سدة الحكم لفترة أطول وحتى نهاية عام 2011 في أقل تقدير. وهي فرصة لنوري المالكي الذي يُعد الرجل الوفي والرجل القوي الذي أبرم الاتفاقية الأمنية مع الأمريكيين أن ينال الحكم لفترة ثانية، لا سيما في ضوء بقاء القوات الأمريكية لكل المدة المتبقية.
إن حجة الحكومة العراقية في الموافقة على الاتفاقية، هي عدم استكمال القوات العراقية جاهزيتها لتحمل مسؤولية الأمن في المحافظات. نقول إن هذه القوات ستظل عاجزة عن أداء هذه المهمة، ما دامت العقلية الطائفية هي التي تتحكم في انتقاء الأفراد الذين يخدمون في هذه القوات، فالجيش العراقي السابق كان جيشاً محترفاً صارع قوى إقليمية مهمة، ويُلم بالعقيدتين العسكريتين الغربية والشرقية، كما أن قوات الأمن العراقية والمخابرات والاستخبارات العسكرية كانت من المتانة والحصانة بحيث لم تتمكن كل مخابرات العالم أن تخترقها. وكلهم أبناء العراق ومن كل الطوائف والأديان والمذاهب، وقد خدموا العراق بكل أمانة وإخلاص.
إن هذه الحجة مردودة على دعاتها، ولو صدقت النوايا الوطنية، لكان بالإمكان تشكيل وحدات متكاملة من العناصر السابقة المدرّبة خلال سنة واحدة، ولكن المسؤولين في سدة الحكم الذي يدعون أنهم ديمقراطيون، لا يثقون بكل الوطنيين الصادقين ممن خدموا في العهد السابق.
هذا هو جوهر الأزمة، يخافون على مستقبلهم عندما تتفجر الوطنية في صدور العراقيين كلهم، خاصة عندما يعود المهجرون إلى وطنهم وديارهم، وتكون لهم كلمة في مستقبل بلادهم.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
ما خاب ظن بوش برجاله / د. حسن طوالبة
