هيئة علماء المسلمين في العراق

ماذا حدث لأمريكا؟.. وماذا يريد العالم من أوباما؟.. حسن نافعة
ماذا حدث لأمريكا؟.. وماذا يريد العالم من أوباما؟.. حسن نافعة ماذا حدث لأمريكا؟.. وماذا يريد العالم من أوباما؟.. حسن نافعة

ماذا حدث لأمريكا؟.. وماذا يريد العالم من أوباما؟.. حسن نافعة

لم تكن المفاجأة الحقيقة بالنسبة لي فوز باراك أوباما في انتخابات 2008، وإنما فوز بوش بولاية ثانية في انتخابات 2004 بأغلبية مريحة، بعكس انتخابات 2000 التي شابتها عيوب كثيرة، ولم تحسم إلا بحكم من المحكمة الفيدرالية في سابقة فريدة من نوعها. وكنت أعتقد أن بوش ارتكب خلال فترة ولايته الأولى ما يكفي من حماقات لإقناع الشعب الأمريكي بعدم صلاحيته للقيادة.

ولم يكن لدي تفسير سوى استغلال المحافظين الجدد لحالة الخوف التي سيطرت على مشاعر الشعب الأمريكي منذ أحداث 11 سبتمبر عام 2001 التي حرصوا على إبقائها متقدة.

ومع ذلك فقد كنت على يقين من أن الشعب الأمريكي لن يتأخر كثيرا في اكتشاف فداحة الخطأ الذي ارتكبه، وهو ما حدث فعلا حين بدأ يدرك أن إدارة بوش خدعته، وكذبت عليه، وارتكبت أخطاء وخطايا وجرائم تسببت في استنزاف دماء وموارد أبنائه في حروب يستحيل تحقيق النصر فيها، وأنه قد يندم كثيرا على التمديد لولاية ثانية لبوش.

ولم يكن يقيني هذا مبنيا على افتراض حسن النية بقدر ما كان مبنيا على قناعة بأن الشعب الأمريكي لا يحب الخاسرين، ولديه ميل غريزي للتخلص منهم بسرعة.

فلو أن بوش كان قد حقق نصرا واضحا في حروبه على أفغاستان والعراق و"الإرهاب" لصفق له شعبه، وربما سعى لتخليده في سجل التاريخ، أما وقد تأكد من استحالة تحقيق النصر في هذه الحروب، فلم يكن غريبا أن يشيح الشعب الأمريكي بنظره بعيدا، وأن يقرر معاقبة بوش والتصويت لصالح الحزب الديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي جرت عام 2006.

كانت قراءتي الخاصة لدلالة نتائج الانتخابات التشريعية ولتصرفات النواب الديمقراطيين بعدها تنطلق من افتراض أن الشعب الأمريكي بدأ يتنبه إلى المأزق الذي قادته إليه سياسات بوش، تولدت لديه قناعة تامة بحتمية تغييرها، وبدأ يبحث عن زعامة يمكنها تجسيد أشواق التغيير التي راحت رياحها تهب بشدة على الساحة الأمريكية.

وفجأة ظهر شاب ملون في السادسة والأربعين من عمره اسمه باراك حسين أوباما معلنا نيته خوض معركة الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للرئاسة، غير أن أحدا لم يأخذه في البداية على محمل الجد.

ومع ذلك فما لبثت حملة الانتخابات الأولية أن أظهرت بوضوح أن هذا الشاب المغمور يملك سمات القيادة الكاريزمية، ويجسد حلم الجماهير في التغيير.

وحين تمكن أوباما من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، وكسب الجولة في مواجهة مرشحة قوية وعنيدة في حجم هيلاري كلينتون، كتبت أقول: "يرى كثير من المراقبين أن ما حققه أوباما حتى الآن هو أكبر بكثير مما كان متوقعا، مما يوحي ضمنا بأن فرصه في الوصول إلى البيت الأبيض تبدو ضئيلة، غير أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الرغبة في التغيير - التي تفور في أحشاء المجتمع الأمريكي منذ فترة ليست بالقليلة - هي التي أنضحت التيار الملتف الآن حول أوباما. ولأنه ليس من المتصور أن يكتفي تيار واسع كهذا بـ "شرف المنافسة على مقعد الرئاسة"، فالأرجح أنه لن يهدأ بالاً قبل أن يتمكن من الوصول بمرشحه المختار إلى خط النهاية، ويقوم بإجلاسه فوق مقعد الرئاسة في البيت الأبيض. ولأنني شخصيا لا أستبعد ذلك، فلا شك أنني سأصاب بدهشة كبيرة - وليس فقط بخيبة أمل - إذا قدر لجون ماكين أن يفوز في نوفمبر المقبل" (الحياة: 11 ـ 6).

وقد ثبت أن هذه القراءة لم تكن رجما بالغيب أو تعبيرا عن أمنيات واهية، ثم بلغت قناعتي بفوز أوباما حدا دفعني لكتابة مقالة آخر بعنوان: "رسالة مفتوحة إلى الرئيس أوباما"، قبل شهور من موعد الانتخابات بدأتها كالتالي: "أعلم أن الحملة التي تخوضها لم تنته بعد، وأن الوقت المتبقي على الموعد المحدد لاجراء الانتخابات ما زال طويلا وكافيا لاحتمال وقوع أحداث قد تقلب الأمور رأسا على عقب. ومع ذلك لا يساورني شك - خصوصا إذا سارت الأمور في طريقها المعتاد - أنك ستكون الرئيس القادم للولايات المتحدة" (الحياة 20 ـ 8).

ويبدو أن المسؤول عن تحرير صفحة الرأي في "الحياة" استكثر وصف أوباما بالرئيس في العنوان الذي اخترته للمقال، فحذف كلمة الرئيس منه، وربما كان معذورا في ذلك. المهم أن أوباما فاز، وأصبح رئيسا منتخبا وسط ذهول الكثيرين، ومع ذلك ظل السؤال الكبير حائما.

ففي عامي 2000 و2004 صوت الشعب الأمريكي لصالح انتخاب ثم إعادة انتخاب مرشح جاهل مغرور كان في فترة شبابه المبكر طالبا فاشلا وسكيرا عربيدا وجد فيه تيار المحافظين الجدد - لأسباب كثيرة - ضالته المنشودة.

ثم عاد هذا الشعب نفسه، وصوت في عام 2008 لصالح شاب ملون من أب كيني مسلم وأم أمريكية بروتستانتية بيضاء، وجد فيه تيار التغيير ضالته المنشودة. فكيف لمجتمع أن ينتقل هكذا من نقيض إلى نقيض، ويفجر ثورتين متضادتين تماما خلال عقد واحد؟!.

قد يقول قائل بأن ذلك أمر طبيعي في مجتمع يحوي كل هذا الكم من التناقضات، فالمجتمع الذي شيد بنيانه على جثث سكانه الأصليين، وراكم ثرواته الأولى من عرق ملايين الأفارقة الذين استرقهم، واستعبدهم على مدى قرنين من الزمان، واغتال زعماء من أمثال جون كيندي ومارتن لوثر كنج يسهل عليه تسليم زمام أموره لشاب أحمق توحي سماته بتخلف فطري واضح. غير أن ليس سوى وجه واحد للمجتمع الأمريكي. أما الوجه الآخر، فتعكسه سمات وقيم مغايرة أفرزتها حرب أهلية قادها المجتمع الأمريكي للقضاء على العبودية، ونظام سياسي يتميز بزخم وحيوية وقدرة على الابتكار والابداع ليس لها مثيل في أي نظام آخر، بصرف النظر عن تقييمنا نحن لهذا النظام. وهذا الوجه الآخر للمجتمع الأمريكي - الذي ما زال في أعماقه عنصريا وكارها للمسلمين - هو الذي قرر في هذه اللحظة تسليم زمام أموره لشاب من أصول أفريقية مسلمة.

لست هنا بصدد البحث عن الأسباب العميقة التي أدت إلى وقوع تحول بهذه الضخامة، ولا أقصد أبدا الإيحاء بأن انعكاسات هذا التحول على القضايا العربية ستكون إيجابية بالضرورة، لكنني أود التوقف هنا عند نقطة محددة، أظن أنها مهمة، تتعلق بسلمية هذا التحول.

فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الراديكالية لا تتم عادة إلا بوسائل عنيفة كالانقلابات أو الثورات، أما أن تتم تحولات من هذا النوع من خلال صناديق الاقتراع، فتلك نقطة يجب أن تحسب لصالح النظام السياسي الأمريكي، بصرف النظر عن رأينا فيه أو تحفظاتنا على بعض جوانبه.

فلولا ما يتمتع به هذا النظام من مرونة فائقة وقدرة على التأقلم وعلى مواجهة التحديات لما أمكن لشخصية تحمل سمات أوباما ومواصفاته - مهما كانت عبقريتها - أن تبرز. فالنظام السياسي الأمريكي هو الذي صنع شخصية أوباما، وهو الذي تبناها ورعاها، وهو الذي دفع بها إلى مقدمة الصفوف، وأفسح لها المجال لتبوؤ موقع القيادة في لحظة أزمة عميقة تحتاج إلى منقذ.

قد يرى البعض أنه لولا تفجر الأزمة المالية الأخيرة بهذه الحدة لما انتخب أوباما قط رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، لكنني أختلف تماما مع هذا الرأي، لا أنكر أن الأزمة المالية ربما تكون قد ساعدت في "اكتساح" أوباما لخصمه، وليس مجرد الفوز عليه، غير أن الرغبة العارمة في تغيير جذري للاشخاص والسياسات بدت حينئذ شديدة الوضوح حتى من قبل تفجر الأزمة المالية، ولم تكن قاصرة على الداخل الأمريكي، ولكنها شملت شعوب العالم كله التي لو قدر لها أن تشارك في الانتخابات لاختارت أوباما وبأغلبية كاسحة.

نحن اذن أمام لحظة فريدة، ليس فقط في تاريخ الولايات المتحدة، ولكن في تاريخ العالم باسره.

ويتعين علينا أن نتذكر مجموعة من الحقائق إذا أردنا تفسيرا لانحياز العالم لأوباما بالذات واقتناعه بأن فوز ماكين يمثل امتدادا لسياسة بوش الخارجية، وهو ما لا يريده. من هذه الحقائق:

1 - قيام بوش بسحب توقيع الولايات المتحدة على اتفاق روما الخاص بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية في سابقة هي الأولى من نوعها، وهو ما قد يعد في حد ذاته دليلا على نواياه العدوانية المبيتة ورغبته في القيام بعملية استباقية لتجنيب الجنود الأمريكيين أية مخاطر قد تعرضهم للمحاكمة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب.

2 - قيامه بالانسحاب من "بروتوكول كيوتو" الخاص بحماية البيئة، وهو ما يفصح عن انحيازه السافر والصريح لكبار الرأسماليين والشركات الصناعية الكبرى في الولايات المتحدة، ودفاعه المستميت عن مصالحهم حتى ولو على حساب البشرية كلها.

3 - دخوله في حروب ومغامرات عسكرية كبرى لا تتطابق أهدافها المعلنة مع أهدافها الخفية، ولا تتسق مع روح ونصوص القانون الدولي.

ربما يكون من المفيد هنا تذكير القراء بنتائج دراسة مسحية شهيرة كانت قد أجريت منذ ما يقرب من عامين لحساب المفوضية الأوربية وتحت إشرافها.

فقد تضمت هذه الدراسة استطلاعا للرأي في البلاد الأوربية أكدت نتائجه أن غالبية الشعوب الأوربية ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل هما الأخطر والأكثر تهديدا للسلم والأمن الدوليين.

ثم جاءت الأزمة المالية الأخيرة لتكشف بوضوح عن ممارسات أمريكية غير مسؤولة أضرت بالاقتصاد العالمي كله.

وقد وجه مسؤولون أوربيون عديدون انتقادات حادة لهذه الممارسات، وطالب بعضهم بتغيير النظام المالي العالمي كله وباعادة النظر في المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية التي أفرزتها اتفاقية بريتون وودز.

فما الذي تعنيه هذه الحقائق؟. وما هي انعكاساتها المحتملة على السياسة الخارجية الأمريكية؟.

هي تعني ببساطة أننا أمام لحظة شديدة الخصوصية في تاريخ البشرية تتسم بأمرين على جانب كبير من الأهمية، الأمر الأول: وجود أغلبية كاسحة داخل وخارج الولايات المتحدة تطالب بتغيير سياساتها المتبعة حاليا. الأمر الثاني: أن هذه الأغلبية بدأت تعلق أملها الآن على رجل واحد اسمه باراك حسين أوباما.

والسؤال: هل بوسع هذا الرجل أن يكون على مستوى التحديات والتوقعات، ويتمكن من إنجاز التغيير الذي يأمل فيه العالم؟.

للإجابة عن هذا السؤال يتعين علينا أن نعيد التذكير بعدد من الحقائق الأساسية:

1 - يدرك أوباما، وهو ابن الثقافة والمجتمع الأمريكيين، ويدين بفوزه للناخبين الأمريكيين وحدهم، وليس لأحد غيرهم، وسوف يساءل أمام المؤسسات الأمريكية وحدها، ومن ثم فهدفه الأول والأساسي هو الدفاع عن المصالح الأمريكية كما يدركها هو والنخبة الحاكمة التي سيشكلها.

2 - ان الطبقات المتوسطة والدنيا - خاصة من الشباب - هم الذين منحوا أوباما ثقتهم وأصواتهم، وتحمسوا لبرنامجه للتغيير، ومن ثم فستكون رعاية مصالحهم هي المكون الرئيسي في إدراكه للمصلحة الوطنية الأمريكية.

3 - سيكون لدى أوباما - بحكم تربيته ونشأته وصفاته الشخصية ونوع التعليم الذي تلقاه - ميل طبيعي لاحترام القانون والتصرف بحكمة وهدوء وعقلانية في مواجهة الأزمات.

في سياق هذه الحقائق يسهل استنتاج أن معالجة الأزمة المالية ستكون على رأس جدول أعمال أوباما فور دخوله البيت الأبيض، وربما قبل ذلك.

ولأنها أزمة يصعب علاجها بدون تعاون دولي واضح ومشاركة فعالة من الأطراف الرئيسة الفاعلة في النظام الدولي فضلا عن أن أوباما يدرك أن عصر الهيمنة الأمريكية المنفردة على العالم قد ولى، ولا سبيل إلى استعادته، فمن المتوقع أن تنجم عن الأزمة المالية تفاعلات في الداخل والخارج قد تولد زخما يساعد على الاقتناع بحتمية إصلاح منظومة المؤسسات الدولية كلها بما فيها الأمم المتحدة، وهو ما سيعد - إن حدث - تطورا إيجابيا مهما.

فالعالم لا يطالب الولايات المتحدة في هذه المرحلة بأكثر من أن تكون دولة تحترم القانون الدولي.

فهل يتمكن أوباما من إعادة الاعتبار إلى القانون الدولي الذي انتهكه سلفه؟.

هذا هو السؤال الأهم، فاحترام أمريكا للقانون سيجبر الدول الأخرى - ومن بينها إسرائيل - على احترامه.


الدستور الاردنية

المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق