لو كان كل من حمل عصى صار موسى ، ما بقي فرعون واحد على وجه هذه الارض ، ولو كان كل من حمل صناديق الاقتراع ديمقراطيا ما خرج الفساد منها شاهرا على الناس عصاه وجزرته ،
، ولو كان كل اناء لا ينضح بما فيه لما خرجت من صناديق القمامة او صناديق الاقتراع المعلبة هذه النماذج الحاكمة !
على اي صعيد لابد ان يرتبط معنى الاختيار بالحرية ، والانتخاب هو اختيار ، وحتى تختار فلا بد ان تميز ، وحتى تميز لابد ان تعرف ، وحتى تعرف لا بد من الوضوح ، ولا يمكن للوضوح ان ينجز دوره في الانتخاب دون حرية صاحبه ، بمعنى ان اي اختيار بمعزل عن الحرية سيكون اي شيء اخر الا الاختيار الحر ، اي انه اختيار غير حر حتى لو كان سريا !! فقدرة اي مجتمع كان على ضمان الحرية الحقة لافراده هي مقياس موضوعي لدرجة ممارسته لشروط البناء الديمقراطي غير الفاسد فيه !
عراق اليوم هو دولة فاسدة بكل المقاييس ، والفساد هو سمتها النوعية منذ نيسان عام 2003 وحتى الان ، التوافق على المحاصصات الطائفية والعنصرية هو الاكثر بعدا عن الديمقراطية من كل الديكتاتوريات التقليدية بل هي ذاتها اكثر انواع الديكتاتوريات المبتكرة خبثا واساءة لكل ماهو مدني وعلماني وتقدمي لانها تحاول اعادة نسج حركة المجتمع على منوالها المتخلف ! لا تتوفر في نظام التوافق التحاصصي اي ايجابية من ايجابيات النظم الديمقراطية الشائعة في العالم ، لا تكافؤ للفرص ، ولا ضمانة للحريات الاساسية ، ولا علنية في تصريف الاعمال والاموال ، ولا رقابة حقيقية على عمل اجهزة الدولة ، ولا فصل للسلطات فيها ، اما التصويت العام فهو تحصيل حاصل لكل هذا التأطير غير الحر ، فالاصوات تخرج من صناديقها وكأنها مدبلجة ولا تعبر عن حقيقة خياراتها!
ان اطلاق توصيف الديمقراطية على حالة التوافقات في نظام المحاصصات الطائفية والعرقية الجارية في عراق اليوم يشكل مغالطة معرفية وسياسية من النوع الثقيل اي من النوع المتعمد ، من النوع الذي يتقصد المغالطة للنيل من الديمقراطية ذاتها !
الحالة العراقية اليوم لا تتعامل مع الشعب كظاهرة اجتماعية عامة لها ضروراتها الموضوعية القائمة ، وانما تتعامل معه كقبائل وطوائف واعراق ، ولكل واحدة منها ذراع عسكري يدافع عن وجودها وعن مكاسبها المتحققة او الساعية لتحقيقها ، حتى صار الاحتماء بالهويات الانعزالية هو ديدن الحالة وهو وسواسها الذي لا يجعلها مطمئنة ومستقرة مادامت حدودها مفتوحة وقابلة للاختراق لذلك صارت تجتهد في البحث عن السواتر والحواجز والحدود البينية حتى انها ابتكرت نموذج شاذ يتناسب مع شذوذ الحالة ـ اعادة توزيع السكان بما يحقق هدف الحصر الديمغرافي للهويات ـ فحصل التهجير وحصلت الهجرة المليونية ـ اكثر من اربعة ملايين عراقي مهجر داخل وخارج العراق ـ ويحصل ومايزال التجاوزعلى الهويات الاخرى ـ البيشمركة يضعون اياديهم على خانقين وكركوك والموصل ويعملون على ضمها لحدود هويتهم العرقية ويضغطون على الهويات الاخرى لقبول انضمامها لحدود هويتهم ويخيرون من لا يوافق بين الهجرة او القتل كما يحصل الان مع الاقلية المسيحية في سهل نينوى ـ وهنا نسأل المطبلين لانتخابات مجالس المحافظات ما هو مصير اصوات الملايين من العراقيين المهجرين داخل وخارج العراق ؟
صار البحث عن التمايزات والفروقات سمة عامة في هذا العراق ، ولا يعادلها فيه الا تقزيم للمشتركات وبالتالي تقزيم لسمات المواطن العراقي ، ان اي تجربة تطيح بهوية المواطن بمعزل عن لونه وجنسه وعرقه ومعتقداته لصالح هويات اخرى ، لا يمكنها اقامة عقد اجتماعي يؤسس لدولة المواطنة وانما يؤسس لهوية الكانتون المتشبه بالدولة !..ان اية انتخابات جديدة تجري بهذه المناخات وهذه التضاريس سوف لا تنتج شيئا جديدا غير انها تعيد انتاج نفسها !
الحريات الفردية والحريات العامة مشلولة في عراقنا المحتل وقوانين البلاد ودستورها ومؤسساتها تتماهى مع هذا الاحتلال وبالتالي مع نظام التوافق الطائفي والعرقي الذي اقامه ، معنى هذا ان اقامة عراق سائر بالاتجاه الديمقراطي ليس بحاجة للمزيد من صناديق الاقتراع ، وانما هو بحاجة ماسة لمزيد من الجهد الوطني لتحرير العراق وانتزاع سيادته وتغيير دستوره وقوانينه التي تكرس الطائفية والعرقية فيه ، كخطوة اولية ضرورية لاطلاق طاقات المواطنين العراقيين وحرياتهم الفردية والعامة ليكون توجههم اللاحق لانتخاب ممثليهم هو تحصيل حاصل بناء وتقدمي !
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
انتخابات الدولة الفاسدة اعادة لانتاجها ! / جمال محمد تقي
