هيئة علماء المسلمين في العراق

عملية البوكمال: انتبه.. أميركا هنا؟.. نزار سلّوم
عملية البوكمال: انتبه.. أميركا هنا؟.. نزار سلّوم عملية البوكمال: انتبه.. أميركا هنا؟.. نزار سلّوم

عملية البوكمال: انتبه.. أميركا هنا؟.. نزار سلّوم

تفترض العملية التي قامت بها الطائرات المروحية الأميركية في منطقة البوكمال التساؤل عن الحاجة الفعلية التي دفعت الولايات المتحدة الأميركية للقيام بها على هذا النحو الذي يبعد عنها بكل المقاييس مزايا وصفات العمليات العسكرية أو الأمنية، ويحيلها إلى عملية تهريب أو قنص لهدف ملموس (بناء قيد التشييد مع عمال بناء) هو في الواقع - لا على التعيين - ملازم لصمت إعلامي رسمي وعدم مجاهرة بقرار القيام بالعملية.

صمت خرقه من حين لآخر جون ماكين لاعتبارات محض انتخابية تتعلق بحاجته إلى مزيد من العناوين التي تتناسب مع خبراته العسكرية، ويتفوق فيها على منافسه الديمقراطي المدني باراك أوباما.

لم يستمهل المحللون إلا بعض الوقت كي يلاحظوا جملة من الأهداف ابتغتها الولايات المتحدة من هذه العملية، وهي أهداف مرتبطة بمصير المعاهدة الإستراتيجية مع العراق وبالدور الأوروبي - الفرنسي خصوصاً - الذي حضر على نحو بارز في الآونة الأخيرة، وبالطبع بـ(الدور السوري الإقليمي) الذي استعاد عافيته بعد طول حصار ومحاصرة استعملت فيها الولايات المتحدة شتى أنواع الأسلحة العسكرية والسياسية والاقتصادية في سبيل تشديد الضغط على سورية، ليس باستهداف دورها وحضورها الإقليمي وحسب، بل باستهدافها هي كدولة مستقلة وذات سيادة على أمل تحويلها إلى ساحة ملحقة ومتممة للساحة العراقية المحكومة من متلازمين في إنتاج بعضهما: الحضور العسكري للولايات المتحدة وقوى الإرهاب التي يصار إلى إدغامها مع قوى المقاومة العراقية؟.

وعلى الرغم من انضواء العملية الأميركية في إطار عمليات التهريب فإن قائد قوات الأمن الداخلي الأميركي مايكل شيرتوف اعتبرها على نحو غير مباشر أحد أساليب الحرب الوقائية التي تشكل إحدى دعامات ايديولوجيا المحافظين الجدد التي اعتنقها جورج بوش، وقرر بناء عليها بدء الحرب على العراق 2003.

وقد حاول شيروتوف إيجاد تشريع دولي لهذه الحرب بقوله: "على القانون الدولي أن يضمن للدول حقها في مهاجمة دولة جارة تمثل تهديداً لأمنها القومي".

وهو قول لا ينتمي بكلماته ولا بصياغته ولا بمعناه إلى أي حقل من حقول القانون أو الحقوق الدولية أو غيرها، ويفتح الباب مشرعاً على ما تمارسه الولايات المتحدة نفسها أي عالم تحكمه شريعة الغاب.

على أن جملة الأهداف المشار إليها سابقاً - التي اجتمع على وجودها المحللون والقارئون للعملية الأميركية - تتكثف في عبارة واحدة: انتبه.... أميركا هنا.

والعبارة بهذا المعنى تشير إلى وجود خطر مجرد، خطر لا يحمل برنامجاً سياسياً ولا إيديولوجياً مفترضاً أو مزعوماً كما تصوره الإدارات الأميركية وأعداء هذه الإدارات في وقت واحد.

فقد جرى الإيهام سابقاً وكأن الولايات المتحدة تحمل مشروع تغيير محدداً بأهداف ورؤى وتصورات معينة، في الوقت الذي لا تحمل فيه إلا مشروعاً واحداً غير قابل للمشاركة هو السيطرة على مصادر الطاقة والتحكم بها وإجراء المقايضات الممكنة مع الدول الصناعية الكبرى انطلاقاً من هذه السيطرة، وليس انطلاقاً من المكانة الصناعية العالمية - المفنفذة - التي عليها الولايات المتحدة الأميركية؟.

انتبه أميركا هنا، وستبقى هنا. هو عنوان ورسالة العملية الأميركية - الخرساء إعلامياً - في البوكمال، وكل حديث عن عدم إمكانية توقيع المعاهدة الإستراتيجية مع العراق هو محض هراء وخصوصاً إذا اقترن بالأخذ جدياً بالتلويح الأميركي الرسمي بالانسحاب العسكري قبل آخر العام 2008.

وحتى لو لم تكتمل الشروط التي تجعل العراق قادراً على التوقيع على هذه المعاهدة، فإن الولايات المتحدة لن تتزحزح قيد أنملة عن منابع النفط وآبار الغاز إلا إذا أجبرتها المقاومة العراقية على ذلك، وفي المدى المنظور تبدو العملية في حساب التاريخ وسياق أحداثه وقوانينه.

بالتأكيد، من حق سورية أن تطالب بإيضاحات خاصة عن هذه العملية، وما مبرراتها العسكرية أو الأمنية المرتبطة بسلامة الأمن القومي الأميركي أو سلامة الأراضي العراقية، إلا أنه من المستبعد أن تقطع واشنطن حبل الصمت الذي اختارته، وتعود لتقدم هذه الإيضاحات التي ستبقى مكثّفة ومختصرة في عبارة: انتبه.... أميركا هنا.

وإذا لم يلحظ السوريون أي تقدير لدورهم فربما أن هذا الدور غير مطلوب فعلياً؛ لأنه غير واضح ما إذا كانت الولايات المتحدة فعلاً تريد تهدئة الوضع في العراق وتقليل حالات الانفجار، ذلك أن أي سلام داخلي عراقي يعني انتفاء الحاجة أيضاً إلى المعاهدة الإستراتيجية أو غيرها.

ربما لهذا السبب على نحو رئيسي احتاجت أميركا وتحتاج إلى عملية التهريب تقوم بها عبر الحدود السورية على أمل استئناف عمليات التهريب المعاكسة التي تؤكد الحيثيات الموجبة للحضور العسكري الأميركي وتشريعه في معاهدة لن تكون سوى المكياج الخاص للافتة معلقة في أعلى أعمدة الحديد فوق أنابيب النفط والغاز.. لافتة تحذّر: انتبه... أميركا هنا؟.


الوطن السورية


المقالات تعبر عن اراء اصحابها

أضف تعليق