هيئة علماء المسلمين في العراق

رفض اتفاقية الإذعان .. الأسباب والنتائج / قراءة في فتوى هيئة علماء المسلمين
رفض اتفاقية الإذعان .. الأسباب والنتائج / قراءة في فتوى هيئة علماء المسلمين رفض اتفاقية الإذعان .. الأسباب والنتائج  / قراءة في فتوى هيئة علماء المسلمين

رفض اتفاقية الإذعان .. الأسباب والنتائج / قراءة في فتوى هيئة علماء المسلمين

تعد ما أطلق عليها بـ (الإتفاقية الأمنية طويلة الأمد) بين إدارة الإحتلال الأمريكي والحكومة الحالية التي انبثقت عن العملية السياسية في العراق باكورة الثمر الذي تبتغي أميركا جنيه من احتلال بلاد الرافدين . فالإتفاقية ببنودها ومضمونها تعد منطلقاً مهماً لـ (إمبراطورية) مثل أميركا ـ تسعى لإطالة عمر ديكتاتوريتها ـ في كسب ما عجزت عن تحصيله لعقود طويلة وعلى كافة الصعد ، حتى وإن بدا ظاهراً شيء من متنفس للشعب العراقي من حيث الرخاء المادي ، والأمن الهش ، بل وحتى السيادة والتي يتخذ منها بعض السياسيين في العراق اداة يحسبونها ضاغطة على حكومة الإحتلال على فرض تحصيلها من خلال هذه الإتفاقية فإنها ستكون سيادة مصطنعة ، فالمراقب يمكنه الإستنتاج بوضوح كيف أن المحافظات التي انتقل الملف الامني فيها إلى القوات الحكومية لازالت تخضع تحت سيطرة قوات الإحتلال ، حيث أن الأخيرة تصول وتجول وتنفذ حملات الدهم والتفتيش والإعتقال دون أي اعتبار ، ولعل ما حصل من استهداف بالقتل لقيادي في أحد الأحزاب المشاركة في الحكومة وإعتقال أفراد من اسرته ضمن محافظة ملفها الأمني بيد (العراقيين) يعطي دليلاً على نظرة الأميركان لمفهوم السيادة التي يتحدث بها ساسة البلد .!
ومن أجل ذلك وغيره يجد المتابع المنصف للإحداث في فتوى هيئة علماء المسلمين التشخيص الدقيق ، والجواب الكافي لحقيقة هذه الإتفاقية وما ستؤول إليه الأوضاع في العراق ـ في حال مُررت ـ من تشويب العقيدة والمبدأ ،وتفكيك لأواصر الوحدة ، وضياع للحضارة ، وسلب للثروات ، وتلاشٍ للقضية الربانية التي فرضها الله عز وجل كما فرض الصلاة وأعني بها الجهاد، وانهيار لمعالم المجتمع المسلم بكافة جوانبه ، وكل معاني السوء والأذى التي تهلك الحرث والنسل وتستشري في الأرض الفساد.
براعة استهلال
ابتدأت فتوى الهيئة بمقدمة أوضحت فيها البون الشاسع بين هذه الإتفاقية وبين الهدنة التي يجيز الإسلام التعاقد من خلالها مع غير المسلمين ، وفي ذلك براعة استهلال تعـمّدت الفتوى الإبتداء بها ؛ لتبيان الشروط الواجب توافرها قبل القيام بأي هدنة او اتفاق كالذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية ، ولإيضاح الصورة بان الإتفاق إذا أُريد عقده فإنه مقيد بشروط لم تبخل الفتوى في إيراد أهمها وهي:
1 / إكتمال شروط الدولة للمسلمين : والمعنى ضرورة توافر دولة تحكم بما انزل الله ، لها راعٍ ورعية ، يمتثلون جميعاً إلى دستورٍ إسلامي يجيز لولي الأمر التعاقد في حال الضرورة والمصلحة العليا العامة التي تنفع البلد أجمع ، لاتمس الثوابت ، ولا تعطي للطرف الآخر غير ما يستحق .
2 / وجود مصلحة لنشر الإسلام : أي اليقين والتأكد من أن ثماراً تجنى من هذا الإتفاق تفتح أبواباً للدعوة الإسلامية ، وإيصال الإسلام إلى الطرف الآخر وغيره بمراعاة الموازنة بين هذه المصلحة وبين غيرها من الأمور التي يمكن إيرادها في الإتفاق، بمعنى أنه لا يمكن مثلاً القبول بإتفاق يسمح بنشر الإسلام في مناطق اخرى وبالمقابل يُراد من المسلمين فسح المجال للمبشرين أن يدخلوا دار المسلمين ويمارسوا فيها نشاطهم .
3 / استقامة المهادن والحذر من نقضه العهد ومدى مراعاته الإتفاق :وهذا شرط مهم له دلالات أخرى، منها: أنه يتوجب على الدولة المسلمة معرفة الطرف المهادن معرفة تمحيصية ، ولها اطلاع على تاريخه وسجّل تصرفاته ، والحكم على استقامته ومدى مراعاته للإتفاق ينشأ من خلال فعاله وتصرفاته ،أما الحذر من نقضه العهد فيلزمه استعدادٌ للردع ، وتجهيز للقوة ، والتـهيؤ للقتال في حال نقضه كما أوعز القرآن الكريم بذلك : (( وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبِذ إليهم على سَواء إن الله لا يحبُ الخائنينَ)) [الأنفال :58] .
4 / وجوب تقدير مدة معينة : وأهمية ذلك تكمن في الحصول على تقييم لعملية المهادنة خلال الفترة التي يتفق الطرفان ؛ لكي يميز المسلمون نفعها من ضرها ، ويقرروا إنهائها أو تمديدها ، وكل ذلك ضمن إطار الثوابت وتحقيق المصلحة من غير تفريط بحكم ، أو تمييع لمبدأ.
وإذ تنعدم هذه الشروط من على الساحة العراقية بظرفها الحالي فإن فتوى هيئة علماء المسلمين أشارت إلى أن الإتفاقية المزمع توقيعها هي اتفاقية الأضعف مع الأقوى بمعنى (إتفاقية إكراه) ، وعززت ذلك من خلال القانون الدولي الذي لايعتمد مثل هكذا اتفاقيات ، كون الحكومة الحالية في العراق غير مؤهلة لأن تكون طرفاً في توقيعها ، لأنها ـ أي الحكومة ـ وببساطة نتاج مشروع من مشاريع الإحتلال ، فهي جزء منه ، فهل يُعقل أن يتعاقد الكل مع الجزء وكلاهما من جنس واحد..؟؟!
وعلى ضوء ذلك فإن الإتفاقية هذه  تخرج عن إطار الهدنة المتعارف عليها في الشرع أو القانون ، وتأخذ معانٍ اخرى على النقيض منها ، وقد فصلت فتوى الهيئة في ذلك وبوّبت ، فقد جعلت هيئة العلماء فتواها مقسمة إلى ثلاثة أبواب هي:
1) الوصف الشرعي للإتفاقية ، وخلاصته: أنها حلف أو معاهدة باطلة من أساسها ،لا تنعقد شرعاً ، ولا تُلزم الأمة بها .
2) الآثار الخطيرة التي تترتب على الإتفاقية ، وخلاصتها: أن الإتفاقية المشار إليها تعني الإستسلام الذليل للعدو المحتل .
3) الحكم الشرعي ، وخلاصته : أن الإتفاقية هذه محرمة شرعاً وباطلة عقداً ، ولا تُلزم ابناء العراق بشيء .

توصيف من منظار شرعي
وصفت فتوى هيئة علماء المسلمين هذه الإتفاقية وصفاً دقيقاً ، ابتدأت من التعريف اللغوي ، والمعنى المتعارف عليه بين الدول للإتفاق بشكل عام ، وانتهت بإيراد الأطر العامة في الشريعة الإسلامية التي تحدد صلاحية الإتفاقات من عدمها  وجوازها من حرمتها ، معززة ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ؛ وذلك لكي ينشأ التصور الكامل لدى أبناء العراق وغيرهم عن حقيقة إتفاقية الإحتلال مع الحكومة الحالية ، ويتبين لهم حجم الفارق بينها وبين الهدنة التي يجيز الإسلام عقدها مع غير المسلمين .
وقد وضعت الهيئة في فتواها قالباً شرعياً لا يقبل التشكيل برسم آخر، ولا يمكن الإنحراف عنه حتى لو كان على حساب خليفة المسلمين وإمامهم ، وتلك إشارة مهمة  تنبئ عن الخطورة العظيمة  لهذه الإتفاقية ، وجاء في الفتوى ما نصه :[ إن هذه الأحلاف إذا تمت بين طرفين احدهما مسلم والآخر غير مسلم، فهي باطلة من أساسها؛ ولا تنعقد شرعا وليس لأحد أن يلزم بها الأمة ولا تلتزم بها حتى ولو عقدها أمير المؤمنين (خليفة المسلمين) لأنها تخالف الشرع، فهي تجعل المسلم يقاتل تحت إمرة غير المسلم، وتحت رايته، بل تجعله يقاتل من اجل بقاء هيمنة الكفر, وذلك كله حرام فلا يحل لمسلم أن يقاتل إلا تحت إمرة مسلم وتحت راية الإسلام.]
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أصحابه في حديث العرباض بن سارية رضي الله عـنه ، حيث يقول عليه الصلاة والسلام : (أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد ..) رواه الترمذي والنسائي وقال: حديث حسن صحيح ، وذلك لما في عصيان خليفة المسلمين من إثم كبير وفساد عريض .
فماذا لو أن الخليفة أراد مخالفة الشرع بإبرامه اتفاقاً مع غير المسلمين لا تتوفر فيه شروط الهدنة ، ويترتب على هذا الإتفاق خرق للثوابت العقدية والشرعية ، وتنازل عن حقوق المسلمين وتضييع معظمها ، وإعطاء الطرف الآخر خلال الإتفاق من أموال المسلمين وثرواتهم وديارهم واراضيهم ما لا يستحق ذلك الطرف ، وإلزام أبناء الإسلام بأن يكونوا جنوداً تحت راية الكفار ، أو تمكين جيوش الكفر من الإستيطان في بلاد المسلمين ؟؟ لاشك أن الخليفة يُعصى في مثل هذا الموطن ، لأن طاعته ـ الواجبة ـ تكون محصورة ضمن دائرة الإسلام وأحكامه من غير تفريط بثابت أو إفراط بمصلحة ، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام : (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فان أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح ، وقد وصفت فتوى هيئة علماء المسلمين هذه الإتفاقيات والأحلاف التي تتم بمعزل عن الشروط التي أوجب الإسلام توافرها لكي تتم المهادنة بين طرفين أحدهما مسلم والاخر غير ذلك  بأنها باطلة حتى وإن صدرت من خليفة المسلمين ..!
وفي العراق حيث لا يوجد خليفة للمسلمين ، بل يوجد احتلال له عملاء وجيوش تسعى في الأرض خراباً ، وقد شكّل حكومة من صنيعته يتخذها اداة ليحقق ما يصبو اليه ،وحيث أن الأخيرة ما هي إلا بوق للإحتلال تروّج له مشاريعه ، وتنفذ له أجنداته ، فهي من باب أولى مدعاة لأن تُزال وتـُنهى ، وهي أبعد ما تكون إلى أن تُطاع ، فكيف بها وقد عزمت توقيع إتفاقية مع المحتل ..؟!
وتأكيداً على  بطلان الإتفاقيات من هذا النوع حرصت الهيئة في فتواها على إيراد الأدلة التي تعضد ما جاءت به الفتوى ، وبيّنت من خلال تلكم الأدلة أن بطلان الأحلاف المذكورة آنفاً له عدة أوجه ، فصدّرت بالقرآن الكريم أول أدلتها حيث يقول الله تبارك وتعالى : (( يا أيّها الذينَ آمنوا لا تتخذوا بِطانةً من دونكُم لا يألونكم خبَالاً ودّوا ما عَنِتّمْ  قد بدت البغضاءُ من أفواههم وما تُخفي صُدورهم أكبرُ قدْ بيّنا لكم الآيات إن كنتُم تعقِلون )) [آل عمران :118] والنص واضح وصريح  لامجال لتأويله أو تحميله غير ما يحتمل ، أو تفسيره على غير الوجه المراد منه .!
ثم استرسلت الفتوى بإيراد دليل آخر .. فأوردت حديث عائشة رضي الله عنها الوارد في كتاب الجهاد من صحيح الإمام مسلم ، حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر وأدركه رجل من الذين أثر عنهم الجرأة والشجاعة يقدم ـ هو ـ عرضاً للنبي صلى الله عليه وسلم لكي يشارك معه في القتال ، فرفض النبي عليه الصلاة والسلام الإستعانة به لأنه غير مسلم ولا يؤمن بالله ورسوله ، وقال له : (فارجع . فلن أستعين بمشرك ) رواه الإمام مسلم .
ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين خرجوا لبدر لم يكونوا قاصدين القتال ، وإنّما للتعرض لعير قريش ، فلم يكونوا متهيئين عسكرياً لخوض حرب أو مواجهة مسلحة ، ولكن حين تحول المشهد من تعرضٍ لقافلة إلى مواجهة مسلحة ، وجاءت قريش بجيش يضم أفلاذ كبد مكة ويفوق عدد المسلمين بأضعاف كثيرة ، صار الموقف بمثابة محك في طريق الإسلام والدعوة الإسلامية ما جعل النبي عليه الصلاة والسلام يلهج إلى الله بدعائه : (اللهم انجز لي ما وعدتني ، اللهم اتِ ما وعدتني ، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الاسلام لا تعبد في الارض) رواه الإمام مسلم  فصار المسلمون بحاجة إلى كل ما من شأنه أن يقوي من شوكتهم ، ويزيد من بأسهم ، فلما حضر رجل صاحب جرأة وقوة ونجدة فرح الصحابة به ، فهو بمثابة قوة ساندة تعين على ضرب العدو ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع عن الإستعانة به لأنه لا يؤمن بالله ورسوله ،أي على غير ملة الإسلام  ، وقال : (فلن أستعين بمشرك) ، وما زال الرجل يتررد إلى النبي طالباً الإنضام إليه  ورسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض الإستعانة به ، حتى دخل في الإسلام وآمن بالله وبرسوله فحينئذ قال له : (فانطلق) .. فمع شدة حراجة الموقف ، ومع الحاجة الماسة للسند والظهير رفض النبي صلى الله عليه وسلم الإستعانة بغير المسلمين على قتال المشركين .
ومن غزوة أحد تأخذ الهيئة دليلاً آخر تستخدمه لتثبت أكثر حرمة عقد الإتفاقية مع الإحتلال ، فأوردت موقفاً حصل في تلك الغزوة حين خرج النبي عليه الصلاة والسلام ورأى كتيبة حسناء فسأل عنها ، ولمّا علم أنها ليهود قال : ( لا نـستـعين بالكفار) رواه الطحاوي والحاكم واسناده حسن ، وفي رواية اخرى أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( من هؤلاء ؟ قالوا : هذا عبد الله بن أبي بن سلول في ستمائة من مواليه من اليهود أهل قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام ، قال ك وقد أسلموا ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نتسعين بالمشركين على المشركين ) رواه الطحاوي والحاكم واسناده حسن .
والمتأمل لهذين المثالين من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم يجد الآتي :
1 / تتشابه الواقعتان (بدر وأحد) مع المشهد العراقي المعاصر من حيث طبيعة الجهاد ، فكلا الغزوتان تـُعدّان من جهاد الدفع ، وما يحصل في العراق اليوم من دفع للإحتلال بمختلف الوسائل هو جهاد دفع بلا خلاف .
2 / عدم تكافؤ الفريقين من حيث العدد والسلاح في كلتا الغزوتين ، وفي هذه الحالة فإن فريق المسلمين يكونون بأمس الحاجة إلى ظهر أو سند ، أو قوة مُعِينة تكثر سوادهم وتزيد من بأسهم ، ففريق الكفار يفوقهم بأكثر من ثلاثة أضعاف في بدر ، وضعفين في أحد ، ومع ذلك رفض النبي صلى الله عليه وسلم الإستعانة بالكفار أو المشركين في قتال المشركين ،بل وأمرهم بأن يفارقوه فقال في بدر : (فارجع فلن أستعين بمشرك) ، وقال في أحد : (قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نتسعين بالمشركين على المشركين) ..
وكأن في فتوى هيئة علماء المسلمين دعوة لأبناء العراق المسلمين اليوم لأن يستنيروا بمشكاة النبوة في هذه المواقف ، فالعدو الأميركي المحتل يفوقهم عدداً وعدة ،ويتفوق عليهم بإعلامه ، فيتستر على جرائمه بحقهم بالكذب ،ويشوّه صورة المجاهدين الذين وقفوا في وجهه ، وما للعراقيين من سبيل خلال التصدي له إلا أن يكونوا بالـمستوى الذي أرادهم الله تعالى عليه ، من عدم الإستعانة بمن ليس منهم ،وعدم الإنجرار وراء الدعوات المشبوهة التي تطلقها أبواق الإحتلال بالتوقيع على إتفاقية طويلة الأمد معه وان يتدبّروا قول الله تعالى: ((لقد كَانَ لكُم فِي رسُولِ الله اسوةٌ حسنةٌ لـمن كان يَرجُو الله والـيوم الآخر وذكرَ الله كَثِيرا ً () ولَمَّا رَأَى المؤمنونَ الأَحزَابَ قَالوا هذا ما وَعَدنَا الله ورَسولُهُ وصَدقَ الله ورَسولُهُ ومَا زَادهُم إلا إيماناً وَتَسلِيماً () مِنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيه فمنهم مَن قَضَى نَحبَهُ ومِنهُم مَن ينتظر ومَا بدّلوا  تَبديلا ً)) [الأحزاب :21-32] ، وأن تتكامل عندهم صفات المؤمنين التي أراد الله جلّ وعلا أن يكونوا عليها حين لقائهم العدو من الثبات والصبر ، الإكثار من ذكره سبحانه ، وعدم التنازع والإختلاف ، يقول تبارك وتعالى : ((يا أيّها االذينَ آمنُوا إذا لَقيتُم فئةً فاثبتوا وَاذكُروا الله كثيراً لعلكُم تفلحونَ () وأطيعوا الله ورسولهُ ولاتنازَعُوا فتفشلوا وتذهبَ ريحُكُم وَاصبِروا إنّ الله مع  الصَّابرينَ )) [الأنفال :45-46] .
تشخيص النتائج
لخّصت فتوى هيئة علماء المسلمين ما ستؤول إليه نتائج التوقيع على إتفاقية مع المحتل بـتسع نقاط أدرجتها تحت إسم " الآثار الخطيرة التي تترتب على الإتفاقية " ، وختمتها بعبارة جامعة تقول : ( الإتفاقية المشار إليها تعني الإستسلام الذليل للعدو المحتل ) ، وفي ما يأتي قراءة موجزة لتلك النقاط :
1 / الإقرار بشرعية الإحتلال وشرعية كل ما نتج عنه من أنظمة وقوانين : إن الإتفاق مع المحتل يعطيه صك نجاح في ما فعله طيلة السنوات الماضية ، فكما قلنا في بداية هذه القراءة ، إن الإحتلال يعد هذه الإتفاقية باكورة الثمار التي يريد جنيها من احتلاله العراق ، وقد مارس طلية الأعوام المنصرمة سلوكيات وسياسات تصب كلها في الهدف ذاته ، فتحقيق هدفه من خلال هذه الإتفاقية والموافقة عليها إعتراف بأن كل ما فعله الإحتلال صواب وصحيح ابتداءً من العملية السياسية ومجلس الحكم ، ومروراً بالدستور والإنتخابات وانتهاءً بالتقسيم وعقد الإتفاقيات ، ولعل أقصر طريق يوصل إلى إكتمال الصورة المطلوبة في الإعتراف بالإحتلال من خلال هذه الإتفاقية هو إن التوقيع والموافقة عليها يعطي شرعية للحكومة الحالية في أنها تمثل الشعب العراقي وخياراته ، وأنها مؤهلة لإبرام الإتفاق ، ومتى ما تمت شرعنة الحكومة فإن الإحتلال الذي شكّله شرعي أيضاً وأنّى لعراقي مسلم ووطني يرضى بهذا الحال ..؟!
2 / الإقرار بشرعية تقسيم العراق أو تجزئته على أساس طائفي وعرقي من خلال التعهد بالحفاظ على الدستور الحالي : وهذه حالة خاصة من الفقرة السابقة ، لكن فتوى الهيئة افردتها في فقرة مستقلة إشارة إلى أهميتها وخطورتها في الوقت ذاته ، كون أن الدستور يمثل أساس الدولة وتعتمد عليه مجمل القوانين والقرارات المصيرية وغيرها ، فمن غير العقل الإعتراف بالدستور الحالي الذي صنعه الإحتلال وصفق له عملاؤه من خلال إمرار الإتفاقية والإعتراف ببنودها .
3 / الخضوع لسلطان المعتدين الغزاة المغتصبين في كثير من أمورنا :وهذا مما لايقبل الشك ، فالواقع مليء بالبراهين والأدلة على سلوك الإحتلال وتدخلالته في مصير العراقيين وحياتهم إلى أبعد الحدود ، فهو بوضعه الحالي نموذج سيء في تدخلاته في شؤؤون أبناء العراق على اختلاف أنواعها ، فكيف إذا تم الإعتراف به والإتفاق معه لأمد طويل ..؟
4 / الإقرار بعدم شرعية الجهاد والمقاومة في العراق وتجريم المجاهدين والمقاومين للإحتلال ووصمهم بـ (الإرهاب) الذي بموجبه سوف تـُستحل دماؤهم وأموالهم وأعراضهم : وتلك طامّة كبرى ،تتضمن وجوهاً عدة من أهمها : تعطيل فريضة الجهاد التي فرضها الله عز وجل من أجل التمكين لدينه ، والدفاع عن بلاد المسلمين ، ولا شك أن امراً كهذا هو بمنـزلة تعطيل الصلاة او إنكار ركن من أركان الإسلام ، فـرسول الله صلى الله عـليه وسلم يقول : ( رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد ) ، ( الجهاد عمود الإسلام وذروة سنامه ) رواهما الإمام أحمد في مسنده .وكذلك خذلان الحق وأهله من خلال التخلي عن نصرة المجاهدين والممانعين لوجود المحتل ، والإمتناع عن الإنضمام إليهم أو تأييدهم ، وتلك مدعاة لأن يكون أصحاب الترويج للإتفاقية التي تقتضي هذه النتائج من الذين وصفهم الله تعالى بقوله : ((وليعلمَ الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفـَعوا قالوا لو نعلم ُقتالاً لاتبعناكُم هم للكفرِ يومئذ أقربُ منهم للإيمان يقولون بأفواهِهم ما ليس في قلوبهم والله أعلمُ بما يكتمون )) [ آل عمران :167]
5 / التنازل الكبير جداً عن ثروات البلاد لصالح الإحتلال وصالح شركائه وشركاته : فالإتفاقية بمثابتة صك مفتوح يجيز لأميركا التصرف بما يحويه العراق من ثروات وخيرات ، وهذه الفقرة بحد ذاتها جريمة لا يحوي كبرها وصف ، فما في العراق من ثروات أودعها الله تعالى فيه هي ملك لجميع أبناء الشعب العراقي ، وإن من الظلم المشوب بالخيانة أن يتصرف أحد بهذه النعم التي جعلها الله شراكة بين الناس ويعطيها للإحتلال أو غيره من دون يضع اعتباراً لأصحابها الشرعيين ، أو يستخدمها بطريقة تتقاطع وما نصت عليه الأعراف والقوانين التي تعارفت عليها الأمم والشعوب في مسائل التبادل التجاري ومتطلبات النظم الإقتصادية بين الدول .
6 / فتح باب التدخل في شؤوننا الثقافية والحضارية وهذا ما يهم الإحتلال كثيراً : فالإحتلال في العراق له أوجه متعددة ، وإنّ الغزو الفكري والثقافي وجه حاسر فيه ، وما تسعى إليه الجاهلية العالمية من تدمير للقيم والأخلاق ، والعبث بالحضارات والتراث ، لهو مشروع من مشاريع الإحتلال ، فالأخير ما هو إلا ذراع من اذرع الإخطبوط الصليبـي العالمي الذي يسعى إلى طمس معالم العالم الإسلامي بكل مفاصله .
7 / التنازل عن كل الحقوق التي ترتبت على الإحتلال نتيجة عدوانه واحتلاله : وهذا بمثابة طوق النجاة للإحتلال ، وتخليصه من كل التبعات القانونية التي تترتب عليه بسبب احتلاله للعراق وعبثه فيه طيلة السنوات الست الماضية ، ومن هنا فليس لأحد حق أن يضع نفسه ممثلاً عن أبناء العراق ويتنازل عن حقوقهم ـ على تعدد أنواعها وأشكالها ـ التي سلبها المحتل منهم .
8 / ضـياع حقوق من انـتهكت أعراضهم وغـصبت ، أو سرقت أموالهم من العراقيين المظلومين :وفي ذلك تجريم للأبرياء ، ونصرة للمجرمين ، وإمعان في ظلم المظلومين ، وزيادة في تأييد الظالمين .
9 / الإمعان في ضياع عزة الشعب العراقي وكرامته اللتين أعطاهما الله تعالى لهم : وتلك خاتمة الجرائم ، فهذه الفقرة تتربع على غيرها مما يتعلق بحقوق أبناء العراق ، لما تحويه من ذل لهم ، وتسفيه لمكانتهم ، واستصغار لشأنهم ، بل إنها والله أعلم بمثابة من يبيع حراً ويأكل ثمنه.
وعلى ضوء ذلك نجد أن الآثار الناتجة عن توقيع الإتفاقية الأمنية مع إدارة الإحتلال الأمريكي جميعها تصب في خانة الحرب الصليبية على العالم الإسلامي وتحقق نتائجها ، ويمكن للمتأمل في تلك الآثار أن يكتشف من غير جهد أو عسر الغرض من الإصرار الأمريكي على توقيع الإتفاقية وبأسرع وقت .

حكم شرعي متزن
وبعد هذا العرض المفصل ، ذي التفصيل الدقيق ، تطرح فتوى هيئة علماء المسلمين الحكم الشرعي في الإتفاقية التي يُراد لها أن تُوقّع بين إدارة الإحتلال الأمريكي والحكومة الحالية في العراق.
وقد بينت الهيئة في فتواها أن الحكم الشرعي هو البطلان والتحريم ، وقد خلصت الفتوى إلى هذا الحكم من عدة أوجه :
الوجه الأول: الإتفاقية تتضمن تحالفاً عسكرياً مع دولة محتلة وغير مسلمة .. ولهذا فهي باطلة ومحرمة .
الوجه الثاني : الإتفاقية قائمة على أساس اجتماع المتحالفين لقتال المسلمين من أهل البلد ومن غيرهم .. ولذلك فإن الحرمة تكون أكثر تاكيداً بسبب حرمة تحالف أحد من المسلمين مع غير المسلمين من المحاربين من أجل قتال المسلمين .
وعند هذه النقطة بينت الهيئة أنه حتى لو كانت هناك فئة من المسلمين عصاة أو بغاة فإن التحالف مع الكفار لقتالهم لا يجوز ، لأن هؤلاء العصاة أقرب للحق والإيمان من غير المسلمين ، ولأنه لا يجوز بصورة عامة مناصرة غير المسلمين ضد المسلمين ، حتى وإن كان المسلمون على غير الحق الكامل أحياناً .. وساقت الفتوى في ذلك عددا ً من الأدلة من الكتاب والسنة
الوجه الثالث : من خلال النظر إلى الجانب العسكري في الإتفاقية  فإن الطرف المتحالف (أميركا) غير مسلم ، بالإضافة إلى أنه محتل وغاصب ومعتدٍ ، يوجب الشرع قتاله ومقاومته حتى يكف وينتهي عن غزوه ، وتُزال كل آثاره ومشاريعه ، فالواجب شرعاً ممانعته بكل الوسائل المتاحة من سلاح ومال وكلمة وقلم وغير ذلك حتى يزول ، فذلك من باب أولى أن تكون الحرمة شديدة على من يحاول التمكين له بأي وجه ، أو تهيئة موطئ قدم يضعها ليثبت على أرض العراق ، أو يستعين به على قتال أصحاب الحق الشرعي في المقاومة والممانعة ، وقد بينت الهيئة في فتواها أيضاً حرمة التنازلات التي يريد أن يقدمها من يصفق للإتفاقية [ سواء أكان ذلك التنازل مالاً يدفعه المسلمون لغير المسلمين ، أم تعهداً بوقف الجهاد ، أم تعهداً بوقف الدعوة إلى الله ، أم السماح له بممارسة سلطانه ونفوذه على المسلمين ].
بالإضافة إلى دواع ٍأخرى لتحريم الإتفاقية وتأكيد بطلانها ، من خلال النظر إلى الجوانب الأخرى والتي مهدت الهيئة بذكرها في بداية الفتوى .
وختمت هيئة علماء المسلمين الفتوى بجملة توصيات لا تقل أهمية عن الفتوى بحد ذاتها ، ويمكن استخلاص معانيها:
أولاً : هذه الإتفاقية  إذا ما تمت بين الحكومة الحالية المنصّبة على العراق وبين الإدارة الأمريكية المحتلة للبلاد فإنها :
1 / محرمة شرعاً وباطلة عقداً .
2 / لا تلزم أبناء العراق بشيء .
ثانياً : كون هذه الإتفاقية وموضوعها أمر متعلق بحق الأمة وعليه فإن من يجيز الإتفاقية هذه أو يمضي عليها من ساسة البلد سواء الحكومة الحالية أو مجلس النوّاب فإنه :
1 / يُعد مفرطاً  في المصالح العامة للأمة وغير محترم لأرادتها .
2 / يقع في إثم الخيانة لله ورسوله والمسلمين من ابناء الشعب العراقي وغيرهم .
وبعد هذا الإستعراض المفصل ، والوصف الدقيق لحقيقة ما أسموها بالإتفاقية الأمنية طويلة الأمد بين الإحتلال الأمريكي وحكومته الحالية في العراق و التي شكلها الإحتلال نفسه ، يُفتح باب جديد من أبواب التاريخ الذي كثرت في العراق ، لكن لا يزال باباً مبهماً بالنسبة له، تحدد نوعيته هذه الإتفاقية من حيث توقيعها أو رفضها ، وللشعب العراقي الحر أن يختار النوع المناسب من الأبواب لكي يدلف بلده مسرح التاريخ من خلاله ، فإن كان السياسيون المصفقون للإحتلال ومشاريعه قد حددوا أبوابهم سلفاً واستقروا في قعر الخنوع والخضوع والتبعية المذلة ، فإن أبناء العراق على طرف النقيض من هذا ، وعزاء العراق فيهم أنهم أهل للعلوّ والعزة والإنتصار..!
                                              جهاد بشير / إعـلامـي عـراقـي 
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق