كان متوقعا لإدارة بوش، التي ذهبت في تطلعاتها للسيطرة على مقدرات العالم، أن تغرق في الفوضى التي أرادت إحداثها في المناطق التي ذهبت إلى غزوها، عبر تسويقها لمبررات واهية تساقطت تباعا،
حين انكشفت أبعاد هذه الغزوات وارتباطها بخطط التحكم بالطاقة العالمية عبر السيطرة على القوس النفطي الممتد من قزوين إلى خليج العرب، الذي تحول إلى قوس للازمات بفعل السياسة الأمريكية.
الحروب التي ذهبت إليها إدارة بوش أحدثت تآكلا في أداء الجيش الأمريكي، فالجيش الذي ذهب لتطبيق خطط الصدمة والترويع أصبح هدفا للخطة نفسها، كما أن الانتصارات التي كانت الإدارة الأمريكية تعلنها بين الفينة والأخرى ثبت أنها انتصارات نظرية، أما الحديث عن الاستقرار والأمن الذي جلبته هذه القوات للمناطق التي غزتها، فلم يكن سوى كذبة أخرى نسجتها إدارة بوش، ومررتها وسائل الإعلام، وعزفت على وقعها الحكومات التي تحالفت مع أمريكيا لغزو أوطانها.
من بغداد إلى كابول لا شيء سوى القتل، والجيوش الأمريكية المكلفة بهذه المهمة يبدو أنها لم تعد تكفي لذلك، فقد أصبحت ظاهرة مشاركة المرتزقة الى جانب هذه الجيوش أمرا ضروريا.
المرتزقة التي يختفي منتسبوها خلف يافطات الشركات الأمنية، جاءت إلى العراق لترتكب أفظع الجرائم ضد العراقيين دون أية مسائلة، ومع ذلك، فإنها لم تستطع تغيير المعادلة الطبيعية القائلة بأنه أينما يحل الاحتلال تكون المقاومة، وكما سقط الجيش الأمريكي في فخاخ سياسة قادته ومسؤوليه السياسيين، في المستنقع العراقي، سقطت معه مرتزقته، فماذا حدث؟.
التحول نحو أفغانستان
لم يكن الحديث عن التحسن الأمني الذي يردده المسؤولون الأمريكيون بخصوص العراق سوى مقدمة لتحويل الجيوش إلى أفغانستان خاصة مع التردد الذي يغلف دول الناتو، وعدم رغبة هذه الدول في التورط في أفغانستان كما تورطت كل من بريطانيا وأمريكا في العراق، وامتناع بعضها عن زيادة عدد قواته المشاركة إلى جانب القوات الأمريكية خاصة بعد ارتفاع عدد القتلى من هذه القوات إلى أعداد غير مسبوقة ترافقت مع تحذيرات من ان الآتي سيكون صعبا بالتأكيد.
يقول الجنرال جفري شلويسر قائد قوات حلف الاحتلال "الناتو" في الجزء الشرقي من أفغانستان (إن قوات الناتو التي تعاني من نقص في العدد قد تواجه أصعب شتاء من ناحية التعرُّض لهجمات المسلحين منذ عام 2002)، أي بعد بداية احتلال أفغانستان بقليل.
يعترف القائد العسكري الذي يتولى أيضًا قيادة الفرقة الأمريكية 101 المحمولة جوًا بأن معدل الهجمات التي تتعرض لها قواته في قاطع عملياتها ارتفع بمعدل 20 إلى 30 بالمائة مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضي. وهذا مؤشر يدل على ان تصاعد وتيرة الهجمات على قوات الاحتلال "الناتو" انما يعني تصاعد حركة المقاومة التي تثير قلقًا أمريكيًا متصاعدًا.
تعليقات شلويسر تعتبر حلقة في سلسلة من التحذيرات أصدرها قادة "الناتو" حول ضرورة تعزيز قوات الاحتلال، من هنا جاءت توصيات المسؤولين العسكريين الامريكيين الذين طالبوا الرئيس جورج بوش بإرسال فرقة جديدة - أي حوالي 4000 جندي - إلى أفغانستان بعد سحبها من العراق، ولهذا السبب أعلن الرئيس الأمريكي اعتزامه سحب بعض الفرق العسكرية من العراق وإرسالها الى أفغانستان، ولم يكن السبب أبدا هو ما جاء على لسان بعض المسؤولين الامريكيين من تحسن الوضع الأمني في العراق، استنادا الى ما قالوا انها استراتيجية باتريوس الذي جرى استبداله مؤخرا بجنرال أعلن فور تسلمه قيادة الجيوش ان الوضع الأمني في العراق هو هش للغاية، مترافقا ذلك مع تصاعد العمليات العسكرية والتفجيرات بشكل لافت.
الشركات الامنية والمهام الجديدة
الحاجة الامريكية الملحة لمواجهة تصاعد المقاومة المستمر في افغانستان دفعت الى اتخاذ قرار لا يقضي بتعزيز الجيش الأمريكي هناك فقط، وانما بزج المرتزقة أيضا، في محاولة لاستعادة المبادرة التي لم تعد في قبضة الامريكيين وحلفائهم.
فعلى الشريط الحدودي بين باكستان وأفغانستان الآن ينتشر عملاء "بلاك ووتر" التي ساءت سمعتها بشدة في الآونة الأخيرة بعد تورطها في قتل مئات المدنيين في عدة حوادث بالعراق، وذلك بزعم العمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" ومكتب التحقيقات الفيدرالية "إف. بي. آي" لحماية مشروعات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، علما ان شركة "بلاك ووتر" الأمريكية للخدمات الأمنية تعمل سرًا في باكستان منذ زمن.
يكشف مسؤول استخباري باكستاني انه يوجد ما بين 20 و25 عميلا تابعًا لبلاك ووتر يتخفون في صورة مسؤولي استخبارات ودبلوماسيين، يعملون في المنطقة الحدودية في الشمال الغربي المتاخمة لأفغانستان، وانهم يحاولون تثبيت أقدامهم في المنطقة، لذا لجأوا للتنكر والتخفي بوسائل عدة.. إنهم يعملون هنا منذ عام على أقل تقدير، مشيرًا إلى أن الشركة تقوم أيضًا بنشاط قوي في أفغانستان.
وبجانب "بلاك ووتر" ينتشر في مناطق مختلفة على مستوى باكستان منذ خمس سنوات عناصر "مجموعة العقارب" التي تعمل تحت إشراف "إف بي آي"، وتعتمد على رجال استخبارات باكستانيين وضباط جيش متقاعدين، وتعمل "مجموعة العقارب" في التجسس، وقد قُتل عدد منهم في المناطق القبلية على يد مسلحين.
القتل وانتهاكات الحقوق
الحكومة الافغانية وشركاؤها الدوليون عاجزون عن توفير الأمن لأبناء أفغانستان، والقوات الغازية متورطة في حروبها مع المقاومة، ولأنها تواجه مازقا تلجأ الى وسائل القتل من خلال القصف الذي تعتقد انه سيكون سبيلا لتحريض الافغان ضد المقاومة، ولأنه ايضا يحد من حدة الخسائر التي تقع في صفوف جيوشها.
لقد ادى القصف الاحتلالي الى قتل الاف من المدنيين الافغان، كما أدى ضعف الحكم ونفوذ قادة الأقاليم فضلاً عن آثار الفظائع إلى تقويض حكم القانون وحقوق الإنسان.
جيش الاحتلال، وكذلك أجهزة الأمن الحكومية وبحسب تقارير بعثة الامم المتحدة، ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان وهي بمنأى عن العقاب والمساءلة، وعلى الرغم من اعراب هيئات معنية بحقوق الإنسان عن القلق العميق بشأن مسلك القوات الأفغانية والدولية، وادانة بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان أعمال قتل المدنيين، فان هذا القتل يزداد قتلا، ومن الامثلة على ذلك:
* نفذت القوات الحكومية وقوات الاحتلال عملية مشتركة يومي 21 و22 مايو/ أيار في بنجواي في قندهار أسفرت عن مقتل 16 مدنياً، بينهم نساء وأطفال وكهول، في قرية عزيزي.
* وفي يوليو/ تموز قصفت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة مناطق بالقرب من تارين كوت في ولاية أورزغان، وأسفر عن مصرع ما لا يقل عن 60 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، وأفادت "اللجنة الأفغانية المستقلة لحقوق الإنسان" في قندهار أن ما لا يقل عن 22 مدنياً قُتلوا في منزلين في غاشي زاري.
* في 24 أكتوبر/ تشرين الأول قُصفت قرية زنغوات في بنجواي خلال عملية نفذتها "القوة الدولية للمساعدة الأمنية"، وأسفر عن مصرع ما لا يقل عن 70 مدنياً، بينهم أطفال.
* في أواخر مايو/ أيار شُرد ما يزيد عن ثلاثة آلاف قروي من بنجواي و200 من ضارى دشت في قندهار بسبب قصف بلداتهم وقراهم.
* بلغ عدد الذين شُردوا قسراً من ديارهم بسبب عمليات القصف الجوي نحو 15 ألف شخص من ولايات قندهار وأورزغان وهلماند.
بعيدون عن مساءلة القانون
لا تستطيع الحكومة الافغانية الاعتراض على جرائم الاحتلال؛ فهي مشاركة فيها، ولا يمكن مساءلة جنود الاحتلال؛ لأنهم محصنون ضد القوانين، ولذلك فان عمليات القصف الجوي التي تنفذها القوات الأمريكية والتابعة لحلف الناتو تضاعفت ثلاث مرات، هذا إضافة الى اخفاء الحقائق وخداع الرأي العام، فالجيش الأمريكي يعلن احيانا انه سيحقق في مسالة قصف المدنيين، وفي الوقت نفسه يعتمد على الزمن لاهمال الحدث، فمثلا تتهم الحكومة الافغانية الجيش الامريكي بان قصفا جويا نفذته قواته في 22 أغسطس/ آب، تقول الحكومة الأفغانية إنه أودى بحياة 90 مدنيا، فيؤكد المحققون الامريكيون إنه أودى بحياة خمسة مدنيين فقط؟!!.
لكن تقارير دولية تقول: ان عمليات القصف الجوي قتلت 116 مدنيا عام 2006، وفي عام 2007 ارتفع عدد الضحايا الى 321، وفي العام الحالي بلغ العدد حتى الآن 119 من دون احتساب حصيلة عملية القصف التي وقعت في 22 أغسطس/ آب التي هي موضع تحقيق، هذا اضافة إلى تضاعف حجم أطنان القنابل التي جرى إطلاقها في عمليات القصف الجوي في 2007 مقارنة بالعام الذي سبقه، ففي شهري يونيو/ حزيران ويوليو/ تموز من 2008 فقط ألقت القوات الأمريكية تقريبا كمية من القنابل مماثلة لما ألقته خلال عام 2006 بأكمله.
اما احدث تقرير للامم المتحدة، فقد ذكر أن عدد القتلى المدنيين في أفغانستان زاد هذا العام بنسبة 40 في المئة مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ احتلال هذا البلد قبل سبع سنوات، كما سجلت المنظمة مقتل 1445 شخصاً بين مطلع العام ونهاية آب الماضي مقارنةً مع 1040 في المدة ذاتها العام الماضي، وقد أشار رئيس حقوق الإنسان في المنظمة نافي بيلاي إلى أن الشهر الماضي أغسطس/ آب كان الأكثر دموية منذ العام 2001 مع تسجيل مقتل 330 مدنياً، بينهم 92 قتلوا في غارات لقوات الاحتلال الأمريكية على منطقة عزيز آباد، وهو ما يمثل أكبر عدد من الضحايا المدنيين منذ سقوط نظام حركة طالبان عام 2001.
توسيع القتل الى الجوار
لا يقتصر القتل على الافغان وحسب، وانما توسعت الدائرة لتشمل الباكستانيين ايضا، والمسالة هنا ليست عشوائية، فقد ذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية أن الرئيس الأمريكي جورج بوش وافق سرا على السماح لقوات أمريكية خاصة بشن هجمات برية داخل باكستان دون موافقة الحكومة الباكستانية اضافة الى استخدام القصف الجوي فيما لو "دعت الحاجة"!!.
وعلى الرغم من تحذير قائد الجيش الباكستاني في 11-9-2008 من أن قواته ستمنع من الآن فصاعدا القوات الأجنبية من دخول باكستان، وذلك بعد أسبوع على غارة شنها جنود أمريكيون يتمركزون في أفغانستان قتل فيها 15 مدنيا في شمال غرب باكستان، الا ان القصف استمر بوتيرة اكبر، ففي آخر قصف جوى أمريكي قتل ثلاثة أطفال وامرأتان جراء قصف طائرات أميركية بدون طيار منطقة شمال وزيرستان القبلية الباكستانية المحاذية للحدود الأفغانية، وذلك في ثالث هجوم من نوعه خلال الأيام الثلاثة الماضية، وعلى الرغم من طمأنة وزير الدفاع الأمريكي الحكومة الباكستانية بان هذا لن يتكرر الا ان القصف لم يتوقف، فقد شنت الطائرات الأمريكية هجوما اوقع نحو عشرين مدنيا بينهم نساء وأطفال، وعندما احتجت الحكومة الباكستانية رفضت وزارة الدفاع الاميركية التعليق على اتهام باكستان بانتهاك سيادتها.
يستبعد مبعوث الاتحاد الأوروبي السابق إلى أفغانستان تحقيق تقدم ما دام جورج بوش في السلطة، وهذا امر يجمع عليه المحللون السياسيون، ذلك ان ادارة بوش لا تعرف سوى هذه الأساليب باعتبارها ضربت بعرض الحائط كل الشرائع والقوانين التي تؤسس لاستقرار عالمي في سبيل تحقيق مصالح حكام البيت الابيض، لكنها في الوقت نفسه تدرك ان العد العكسي لغطرستها ولاحلامها الإمبراطورية قد بدأ، وان المصالح لا يمكن تحقيقها بهذه الأساليب مهما طال الزمن.
كاتب من أسرة العرب
العرب اونلاين
الاعتماد على المرتزقة في خوض الحروب الأمريكية.. زكريا شاهين
