العالم اليوم بأسره يعاني من أزمات عنيفة على شتى الأصعدة وهو يسير نحو الهاوية التي لا يعلم نهايتها إلاّ الله - تعالى -، وبالرغم من المنجزات التقنية الهائلة التي حققتها الحضارة المعاصرة،
إلاّ أن الإنسان لا يزال يعاني من نكسات الفشل المتوالية في حل مشكلاته على الأرض لأنه لم يستطع أن يسلك الطريق الأمثل الذي يوصله إلى بر الأمان في هذه الحياة.
العالم اليوم مصاب بتدهور أخلاقي وروحي واجتماعي وسياسي واقتصادي، لأن العلم المادي لم يستطع أن يحل الكثير من مشكلات هذا الإنسان التعيس، بل أثقل كاهله بمشكلات جديدة هو في غنى عنها، يشدد على هذا الأمر العالم الأمريكي الجنسية الفرنسي الأصل والحاصل على جائزة نوبل في العلوم رينيه دوبو فيقول: (.. والاعتقاد بأن العلم قادر على حل أكثر المشكلات العلمية أمر يكذبه الوعي المتزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشكلات جديدة في سياق محاولاتها لحل المشكلات القديمة). الكرة الأرضية اليوم أشبه بغابة كبيرة، دول كبرى تتجبر وتسلك شتى الطرق لقهر الدول النامية أو دول العالم الثالث أو دول الجنوب المتخلفة تكنولوجياً، فوضى أخلاقية وانعدام في القيم والمثل العليا، قلق أمراض نفسية وعصبية، رعب يملأ قلوب الجميع مما أنتجته المصانع الحديثة المتقدمة!!من وسائل للدمار، فأصبح ـ وبفضل الجهود الكبيرة التي بذلها العلماء الغربيون ـ بالإمكان القضاء التام على الجنس البشري ومنجزاته في وقت يسير، نتيجة لما تزخر به ترسانة الغرب المتقدم من أسلحة الدمار الشامل من أسلحة نووية وبيولوجية وكيميائية وصواريخ عابرة للقارات، وتسربات اشعاعية تبث الرعب والدمار.. إلى غير ذلك من معاني الخوف الذي قدمته لنا حضارة هذا العصر.
الإنسان في هذه الآونة بدأ يسلك طريق العودة إلى الدين لإحساسه بأن فيه خلاصة مما يعانيه، يقول رينيه دوبو أيضاً: (.. لن نستطيع تغيير أساليب حياتنا ما لم نتبن أخلاقاً اجتماعية جديدة بل ديناً جديداً.. إن القبول الواسع لمواقف لا دينية في المجتمعات الغربية المعاصرة وضع إنسانها الملحد في موقف صعب.. لأنه ملاحق دائماً بنفس الحقائق التي يحاول إنكارها).
إذن ليس هناك من حل إلاّ الرجوع إلى الدين، ولكن لابد أن يكون ديناً شاملاً كاملاً له القدرة على حل جميع تلك المشكلات، دينا يحقق لهذا الإنسان المتعب كل مطالبه يلبي حاجات الروح كما يلبي حاجات الجسد فلا يطغى فيه جانب على جانب، وليس على وجه الأرض دين يتحقق فيه كل هذا غير الإسلام العظيم دين الله الخالد الذي ارتضاه للبشرية دينا، وهو منهج الحياة القادر ـ بلا شك ـ على انتشال إنسان العصر مما هو فيه، الإسلام بشموليته وبمنهجه المتكامل وقدرته على التجديد ومجاراة الأحداث سوف يكون الطريق الأوحد والأمثل لخلاص البشرية من جميع همومها، ويجعل منها بشرية سعيدة.
إنه ليوم عظيم في حياة البشرية ذلك اليوم الذي طلع فيه محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الدنيا بهذا الدين العظيم، فحول نصف الأرض إلى واحة أمن وسلام ووئام، فكسر الأوثان وأزال الطواغيت، وقضى على الخرافات، وحكم شريعة الله فيما بين الناس، فلا مشرع إلاّ الله ولا حكم إلاّ له فلا قتل ولا سلب ولا وأد، ولا جبابرة ولا طغاة. سادت لأول مرة الرحمة والأخوة والمساواة، وطبقت العدالة على الوجه الأتم والأمثل، وكان التاريخ شاهدا على هذا. يقول العالم الفرنسي كلود فارير عضو الأكاديمية الفرنسية: (في عام 732ألمت بالإنسانية كارثة، قد تكون أكثر الكوارث شؤماً في العصر الوسيط كله، وقد غرق العالم الغربي طوال ثمانية قرون في مهاو بربرية كان عصر النهضة قد بددها، التي قواها عصر الإصلاح من جديد. هذه الكارثة التي أكره حتى ذكرها، هي الانتصار المقيت الذي أحرزه قرب بواتيه متوحشو الهاكارس من محاربي الفرنك بقيادة الكارولنجي (شارل مارتل) على الكتائب العربية والبربرية التي لم يعرف قائدها عبد الرحمن الغافقي أن يحشدها بما يكفي، فتراجعت وفشلت. لقد تقهقرت المدنية في هذا اليوم المشؤوم ثمانمائة عام.
يكفي أن يكون الإنسان قد شاهد حدائق الأندلس، أو البقايا المدهشة لعواصم السحر والجمال والحلم، أشبيلية، غرناطة، قرطبة، طليطلة لكي يستشف في دوار معجز ما كانت قد آلت إليه فرنسا وقد خلصها الإسلام الحاذق الفيلسوف المسالم السمح من أهوال لا تحصى، اجتاحت على الإثر بلاد الغال القديمة التي خضعت بادئ الأمر للعصابات الاوسترازية المتوحشة ثم جزئت ومزقت وأغرقت في الدماء والدموع، وأفرغتها من الرجال الحروب الصليبية، وأتخمت بالجثث من جراء حروب كثيرة أهلية وأجنبية، في حين كان العالم الإسلامي من الوادي الكبير إلى الأندوس ينمو وينتصر بسلام في ظل الأمويين والعباسيين والسلاجقة. سأسأل ـ فيما بعد ـ هؤلاء الفرنسيين، ماذا يفكرون في انتصارنا عام 732م على المسلمين؟ وعما إذا كانوا يحكمون معي أن هذا الانكسار الذي أصاب شعباً متمدنا على يد شعب بربري، كان مصيبة كبرى بالنسبة للإنسانية جمعاء..).
هكذا كان الإسلام عندما حمله رجال يؤمنون به عقيدة وسلوكا ومنهج حياة، أما الآن وقد أصبح شعارات تردد تارة ورجعية تارة، فهو بعيد عن الساحة، وما كان له أن يقدم شيئاً من بعد.
وما أصدق الشاعر حين يقول:
يقولون في الإسلام ظلما بأنه *** يصد ذويه عن طريق التقدم
فإن كان ذا حقا فكيف تقدمت *** أوائله في عهدها المتقدم؟
وإن كان ذنب المسلم اليوم جهله *** فماذا على الإسلام من جهل مسلم؟
هل العلم في الإسلام إلاّ فريضة *** وهل أمة سادت بغير التعلم؟
لقد أيقظ الإسلام للمجد والعلا *** بصائر أقوام عن المجد نوم
وحلت له الأيام عند قيامه *** حباها وأبدت منظر المبتسم
إن المستقبل للإسلام، ما في ذلك ريب، وإن إخفاق جميع النظريات والأيدلوجيات القديمة والمعاصرة في تحقيق السعادة للإنسان، يثبت أن لا حل إلاّ عن طريق الإسلام، طريق الله المستقيم. وها هي البشائر تترى، ففي كل يوم يعتنق الإسلام عالم ومفكر من الشرق أو الغرب، وبالرغم من الظروف السيئة التي يعاني منها المسلمون على شتى الأصعدة، إلاّ إن الإسلام يأخذ طريقه إلى العقول والقلوب بدون جهد من أحد فهو اليوم أكثر الأديان انتشاراً وجذباً لأصحاب العقول النيرة. لقد تنبأ بمستقبل زاه للإسلام علماء الغرب قبل علماء المسلمين، فقد تحدث العالم والمفكر الإنجليزي البارز توماس كارليل عن قدرة الإسلام الهائلة على الإقناع وإن الإسلام سوف ينتشر في الغرب ويحقق نجاحات كبيرة، ويقول الكاتب والأديب الإيرلندي الشهير جورج برنارد شو: (سيكون الإسلام دين المستقبل للمتعلمين والمثقفين والمستنيرين من الناس).
علي عبود معدي
المختار الاسلامي
الإســـلام هو الحل ... علي عبود معدي
