الحِنكة والحِبكة .. في مسلسل الانتقام في العراق - أ . د محمد محروس المدرس الأعظمي
مـا من قومٍ اختصموا مع غيرهم فأمعنوا في الخصومة إلاَّ فتح ذلك للإنتقام أبواباً ، وجعلوا الخصام متجذراً ، وما يدريك ألاَّ تدور الدائرة على من كان ذا شوكةٍ ليكون مطارداً مهيناً ! .. لذا كانت الحِنكة أن يُبقي الخصوم لخصومهم أبواباً للصلح لا أبواباً للإنتقام ، فخصم الأمس قد يكون صديق اليوم والعكس صحيح وخاصَّةً في أمور الحرب والسياسة ، فالمصالح الدائمة لكلِّ فريق هو المعيار الذي تدور عليه علائق الدول ، وقد تختلف التحالفات باختلاف الأحوال ، فما بُني على المصلحة وعلى العرف يتغير بتغيرهما فـ ( لا يُنكر تغيّر الأحكام بتغيُّر الأزمان ) .
أما من فاتته الحِنكة وظنَّ أنه أحسن الحِبكة ، فأمعن لجاجةً في الخصومة ، وأذىً عند القدرة ، وأوغل في إيقاع المصائب عند التمكن والغلبة ، فقد فاتته حكمة الحكماء وحنكة المجربين حين قالوا ( العفو عند المقدرة ) ، فمن أراد لنفسه دوام الظهور واستمرارية الانتصار فليحجب عند التمكن والمقدرة حقده ، وليستفد من نعمة الله على البشر بالنسيان وإلاَّ فالتناسي ، وما عداهما تجذير الأحقاد واستمرار الثارات ، وتواصل الموت المُفني لما خلق الله بيده ونفخ فيه من روحه جلَّ في عليائه .
أ رأيت ما أفرزته الانقلابات العربية الدموية من تواصل الإغراق في الدم ، ثم إرواء الأحقاد بتلك الدماء . خذ العراق مثلاً بثورته على الملكية بدمويةٍ تشمئز منها نفوس الذين أوتوا الحِكمة والحِنكة ونفوس من له بالإنسانية أدنى اتِّصال ، وقد رأيت بعيني من البشاعات ما لا يغيب عن ذهني إلى أن تنتهي رحلةٌ مع هذه المخلوقات الشريرة من بني البشر . ثم اختصم الثوار وانتقموا انتقاماً ليس فيه للصفح رجاءاً ! ، فصفى بعضهم البعض بوقائع تشيب لهولها الولدان ، مع نخريبٍ لما في الوطن من قدرات ، وتوالت الأحداث بأن قتلت قتلاً شنيعاً كلًّ أمَّةٍ دخلت إلى منتدى الحُكم أمَّةً سبقتها ، ولعل من عجائب الأمور ان يأتي عقب المتسلط دوماً من كان مستضعفاً عنده ، ليتسلط ويخلَّف من بعده متسلطين كانوا مستضعفين !! .
ويبدو انَّ هذا القانون الذي كتبه العراقيون على أنفسهم سيستمر إلى أمدٍ هو في علم الله الأعظم من كلِّ أولئك الذين تعاظموا دون سواه ! .
دخل المستضعفون مع قوى الاستكبار العالمي كما كان يحلوا لهم تسميتهم ، فانقلبوا ضواري لا تناسبها مسحة الدين التي لبسوا لبوسه ، فمع بدايات أيام الاحتلال بدأت التصفيات الجسدية ، والعداءات المذهبية ، وأذكر أنني خطبت في محفلٍ من المحافل فقلت : عجبت للمظلوم كيف يكون ظالماً وقد ذاق طعم الظلم؟ ، وعجبت للمحروم كيف يكون نهماً فييجيع غيره وقد ذاق طعم الجوع ؟ ، بل كيف تسوُّغ له صفة الدين التي انتحلها لأن ينتقم من غير الظالم ، ويؤذي من لم يكن قد آذاه ، فإذا كانت الحكمة والحنكة تدعو للتسامح من ظلمهم بعد الغَلَبة ، فهي أدعى وأوجب مع من كان ربما مظلوماً مثله ! ، مع أنِّي في شكٍ مما يدّعونه من المظلومية ، وقد بان مقدار ما يحملون من الظلم ! ، أ فلا يحق لي ولغيري أن ندَّعي أنَّ ما يدَّعونه من وقوع الظلم عليهم كانت أفعالاً وقائية لئلا يوقعوا الأشنع والأفظع ، وما ذلك بظنٍ قامت عليه حِبكة الحاكم في حينه ، فقد دعمت ما كان يظنه واقعاً بما وقع ، ولربما أبالغ فأقول ( أنَّ المؤمن ينظر بنور الله ) .
لا بدَّ لصوت الحكمة أن يرتفع ، فليس من الحِنكة أن يستمر أولوا القوة والظهور، بأن يكسروا العظام والظهور ، فليحسبوا للآتي من الأيام حساباً ، فالحكمة تدعو العاقل أن يحتاط لنفسه وعَقِبِه ، فإن الحكمة تقول : ( دوام الحال من المحال ) بل هي منتهى الحِنكة ، فمن استقوى بغريب لايدوم سيضعف بعد رحيله لا محالة ، ومن كانت قوته بغيره فلا يُمعننَّ بمعاداة أهله ، وقد يُعذر من انتحلوا الإنتساب إلى البلد ، لكن لا عذر لمن له في الوطن عشيرٌ وقريب ، أم أنَّ يُراد لمنطق تسلسل الانتقام الدوام ؟ ، وحينئذٍ لا تكون إلاَّ فتنٌ لا تصيبنَّ الذين ظلموا منهم خاصَّة ، وسيكون يوماً بيوم والباديء أظلم ، ولن تنفع حينئذاك الظالمين معذرتهم ، بل سيكون لهم سوء الدار .
لعلي أذكر موظفاً متمسكناً جيء به إلى دائرةٍ ترعى شئون الوقف لأناسٍ مخالفين له في فكره ، فأكرموه بل سلًطوه على رقاب الناس ، وهو مع ابتزازه لأهل الحقوق يُظهر المسكنة والضعف ، حتى إذا تمكن بعد دخول الأغراب إلى البلاد ، كفر بأنعم من كان يرعاه ، وأخذ يًدلُ على عوراتهم ، بل أخذ يدفع بأهل الحقد إلى لفلفة أوقاف المسلمين وهو دون غيره عنده الخبر اليقين ، فجمعتنا لجنة لإستخلاص ما خططوا للإستحواذ عليه ، فرأيته متجبراً متجرءاً وهو مجانب للحق في كل ما يقول ، فقلت له : اذكر أنَّ الصفويين حكموا العراق أربعين سنة ، لكنَّ ما فعلوه استجلب العثمانيين فحكموا أربعمائة عام ! .
فإذا كان الإنسان ينسى ويتناسى فإن ربكَّ لم يكن نسيَّا . وإن كان من يظلم لايحسب لدورة الأيام حساباً ، ولا يجعل لعبر التأريخ وزناً ... فقد جَانَب الحِنكة وإن أحسن في يومه الحِبكة ، ولا خاسر إلاَّ هؤلاء الناس الذين تفرقوا في البلاد ، وكانوا غرباء في بلادهم ، وفقدوا العلم والخدمات .. بل سيخسر المتسلطون فليس لمن جعلوه آلهةً من دون الله بقاء ولا دوام ، ومن يدعي القرب من الدين فلن تغيب عنه هذه ولا تلك ، بل قالوا : سنأوي إلى جبلٍ يعصمنا من الماء ، أو أننا سنأوي إلى ركنٍ شديد .. يوم يُقال لهم : لا عاصم اليوم من أمر الله ، ومن ركنتم إليه ما هم إلاَّ بناء على شفا جرفٍ هار ، ولا بدَّ كما نؤمن بمسلَّمات الدين أن ينهار ! .
فلا يغرنَّك متمسكنٌ فاقدٌ للقوة ، ولا فقيرٌ يدّغي الزُهد .. فالعبرة عندما يكون الضعيف قوياً ، والفقير غنيَّاً ، ولا مناص من أن يكون ( الغنيُّ الشاكر خيرٌ من الفقير الصاير ) ، لأن من استمكن ولم يغلِّب حقده وهواه ، هو خيرٌ من مثاليٍّ ليس لـه في دنيا الواقع نفعٌ ولا دفع ، ولا من كان زاهداً في فقره فينقلب فاسقاً في غناه ، فالغني الذي ابتلاه ربُّه بالغنى فلم يطغَ أو يتكبر وهو قد أطعم وتطوع ، ليس كمن لا يملك شبئاً ويبني لنا قصوراً في الرمال ! .
المقالة تعبر عن راي كاتبها فقط
ص
الحِنكة والحِبكة .. في مسلسل الانتقام في العراق - أ . د محمد محروس
