الحِنكة والحِبكة .. في القضية العراقية - أ . د محمد محروس المدرس الأعظمي مؤسس دار العلم والفتوى في مدينة الأعظمية – العراق
ما شككت لحظةً في حياتي أنَّ للقوة حقوقاً في الواقع لا يمكن تجاوزها ، وعلى الأضعف أن يتنازل عن بعض حقوقه تجنباً لـ ( لفط الجميع ) ! . وهي معادلة يتَّبعها عقلاء الأطفال في لعبهم ، فيتجنبون الأسوأ بفهمٍ بالغ الدِّقة الفطرية ، بمداراة آخر يلعب معهم أقوى أو ذي أذى لا يتورع عن إيقاعه ! .
ولكن .. الأقوياء يُجبرهم الواقع ذاته على المداراة ، وإلاَّ تمرد الكلُّ .. مما يشكل خطراً عصيَّاً على القويِّ تجاوزه . ولهذا نجد الفاتحين يجتاحون الأقطار بحقِّ القوة في القديم والحديث ، والمحنَّك منهم يتحول بعد الفتح من القوة إلى المداراة .
فلم يكن الإسكندر بحاجةٍ لأن يبني سداّ لبعض من دخل في عبوديته بحقِّ الفتح .
ولم يكن لمحمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام أن يقول لأهل مكة : اذهبوا فأنتم الطلقاء ،- رغم إخراجهم إياه من بلده ، وإيذائهم له - وهو في أقصى لحظات القوة الفعلية والشعورية .
ولم يكن هولاكو بعد تدمير كلِّ شيءٍ في بغداد بحاجةٍ لأن يدعو العلماء الناجين من المهلكة ، ليُعيد بهم التدريس في المستنصرية ، ويُعيد بعض الرسوم مداراةً لمشاعر الناس . وقد أزعم جازماً أنَّ قتل هولاكو لـ ( إبن العلقمي ) أشنع قتلةٍ حين وضعه في جلد حمار وجعل الخيل تدحرجه بأرجلها ، قبل أن يوقد عليه ناراً أتت على ما تبقى منه ! ... ما هو إلاَّ استرضاءٌ لأهل البلاد .
ولم يكن نابليون بحاجة لأن يكون ( الحاد عبد الله ) ، ويصلي في الأزهر ، ويرتدي زيَّ المصريين ... والأمثلة تطول .
ولم يشذ عن هذه القاعدة من الفاتحين غير ( أميركا ) ، فلم تجعل لاستباحتها للعراق موعداً لا تُخلَفُه ، ولم تفعل فعل العقلاء بالعودة للإسترضاء ، بعد أن ظهرت على البلاد وأذلَّت العباد .
لم يكفها .. قتل العشرات في حفل عُرسٍ في مكانٍ ناءْ ، ولا اقتحاماتها للبيوت الآمنة الآهلة ، ولا تفزيع الأطفال والنساء واعتقال الرجال ، ولا تدنيس المساجد ، ولا تفجير المراقد ، أو وضع ( البساطيل ) على خدود خُلَّص عملائهم ! ، ولا إفساد الخدمات ، ولا تقليص فرص العيش ، ولا تخريب التعليم ، ولا قتل الكفاءات ، ولا تهجير مئات الآلاف ، ولا عشرات الجثث مجهولة الهوية ، ولا عشرات المقابر الجماعية ، ولا تعطيل المستشفيات بفقدان الأطباء والأدوية والكهرباء ، ولا ابتكار المتناقضات في المجتمع وزرع الفتنة ، ولا فتح الحدود ليًستباح العراق من كلِّ داخلٍ ومتسللٍ ، ولا حرق الأحياء في الساحات العامة ، ولا إماتة البشر ركلاً بالأرجل ، ولا سرقة المليارات من حقوق هذا الشعب المنكود ، ولا إفقادها الناس أبسط الحقوق الإنسانية عمداً وبتخطيط مسبق ، ولا تقطيع أوصـال المدن والأحياء بالجُدُر الإسمنتية ، أو أن تضع مسوِّرةً على مسوِّرة ، أو عجز الطلاب عن الوصول إلى مقاعد الدراسة ، بَلْه عن توفير مستلزماتها ، ولا قتل الطلاب في قاعات الامتحان .. بل قل هو الامتهان وعلى يد وزير خدميٍّ واجبه خدمة الشعب لا قتلهم !! ، ولا أستبعد عن عقلية هؤلاء أن الوزير الفريد في تاريخ التعليم ، أراد أن يُنهي معاناتهم لحبه لهم وحنوه عليهم .. كمن قتل محبوبته حتى لا يُشاركه في النظر إليها الأغيار!! .. فهل بقي شيءٌ من عارٍ للمتسلطين على الديار ؟ ! .
وما زال الناس يعيشون منذ خمس سنوات وبضعة أشهر تلك الظروف المتفاقمة والمنحدرة يوماً بعد يوم .. فإذا بها تخرج عليهم بفرية ( المعاهدة الأمنية ) ، وهي تأمل أن يتلهف الناس للإستجابة ! .
إنَّ ( الحِبكة ) التي أوجدتها أميـركا في العـراق ، لا تقترب قيـد أنملـة من ( الحِنكة ) التي اعتادتها البشرية في تأريخها من الفاتحين .
أم حسبت أنَّ استمرار منطق الهرج والمرج ، والاقتتال الداخلي سوف يُلهي الناس عن قناعاتهم ؟ ! . وهب أنَّ تلك القواعد العسكرية ستبقى .. فهل يزيد وجودها غير الإمعان في العداء لهذا المتسلط ؟! .. وأمثلة التأريخ لا تُحصى .
ما من شيءٍ في الدنيا إلاَّ وفيه منطق الـ ( خذ وهات ) إلاَّ أميركا التي ركنت إلى القوة ، وتركت الحِنكة .. أم حسبت أنَّ تقديم الرشى للنواب سيحسم الأمر بسهولةٍ لا تليها متاعب ؟ ! .
لعل الجواب عن كلِّ ذلك .. هو النفي ! . ولعلك تسأل التعليل .. وهذا حقٌ منطقيٌّ بلا أنى ريب ، فهاكه أيها اللبيب .
ألا يُشاهد الناس السيانة – عفواً السيادة – التي سلمت منذ وقت مبكرٍ إلى حكومة أياد علاوي ، وجيوشهم .. بل وجيوش أمم الأرض التي اجتمعت علينا من مشرقيْها ومغربيْها !! تجوس خلال الديار . أم أبلغ الجوعُ والخوفُ والموتُ ، الناسَ .. إلى النسيان ، ولربما الهذيان !! .
ألم يرً الناس ( زلماي ) لا ينفك عن متابعة جلسات لجنة الدستور .. وهو بصفة سفير !! ، والموضوع وطنيٌّ صرف ! .
أم يحسبـون أن النـاس لا تعي معنى الحقـوق المـؤكدة بنصوص الدستور لـ ( المرجعية ) ، وليس فيها عربيٌّ .. بله عراقيّ!ٌ! .
كانوا يقولون في الحُقب السالفة لمن يموت من أصحاب الفضل والعبادة والصدارة العلمية .. أتعبت من سيأتي بعدك !! ، أ لم يكن ( بوش ) – نبيُّ الزمان - سيُتعب : العُتاة ، والجبارين ، ومستحلِّي دماء الشعوب بالجملة وليس بالتفريق .. من بعده ؟ ! .
وليس مما يخفى أنَّ أمثاله في التأريخ زالت عنهم بعد الانتصارات خلالُهم وطباعهم ، وعادوا إلى إنسانيتهم ، فالتتـر بعد إذ أسلموا تركوا تراثاً إدارياً مرموقاً ، ولعل متتبع شأن العراق قديماً وحديثاً سيقرُّ بهذا .
كذلك العثمانيون لهم بصماتهم في عموم بلاد العُرب ، وما تزال تأثيراتها في التشريعات العراقية واضحة يعرفها المتتبع .
بل .. لعلك لا تدري أنَّ حضارة الهند العظيمة التي تُبهر الجميع بلا استثناء ، هي لأحفاد ( تيمور لنك ) المخرِّب الكبير من مخربي التاريخ .
وقد يغيب حتى على العراقيين أنَّ في زمن الإنتداب البريطاني ، كانت للعراق كلية طبٍّ أسست سنة 1924م ، وأول جامعةٍ منظمةٍ في العراق ، وهي الثانية في بلاد العرب – بعد جامعة فؤاد / القاهرة لاحقاً - ، وكانت تسمى جامعـة آل البيت ، بل قد يغيب عنهم أنَّ البعوث إلى ديار الغرب أرجعت للبلاد جمهرةً من حملة الدكتوراه في نهايات العشرينيات وبدايات ثلاثينيات القرن الماضي ! .
ولربما يحسن التطرق إلى استخراج النفط في الثلاثينيات ، فمدَّت أنابيب التصدير مارةً بـ : سورية والأردن وفلسطين ولبنان ، ليستفيد كلٌّ من هذه الأقطار من رسوم المرور والحصص العينية ! .
وما أشير إليه نتفٌ أستعين بها على ما عمله استعمار آخر سبق استعمار هؤلاء ( الرُعاة ) لنا الآن ، وما كان أولئك بحاجة لما فعلوا .. وإنما هي ( الحِنكة ) التي لا بدَّ للفاتحين أن يتحلَّوا بها .
فحِنكة الفاتحين بعد استتباب الأمر لهم ، تقوم على اللعب من خلف الأستار ، وعدم إسقاط العملاء في فضيحة العمالة التي لا تعينهم في مآربهم ، فيضعون وجوهاً مقبولة لا مقبوحة .. ويروِّقون الأمور بقدر الإمكان .
أما ( راعي ) الرعاة فـ ( إنه فكرَّ وقدَّر ، فقُتل كيف قدَّر ، ثم قُتل كيف قدَّر ، ثم نظر ، ثمَّ عَبَسَ وبَسر، ثم أدبر واستكبر ) ، فقال : لا بدَّ من إزالة دول! ، واصطناع فوضى تخلق ولا تدمر! ، ورفع الحُثالات وحطِّ الذؤابات ، وتهريب الآثار ، وتدمير السجلات التي فيها حفظ الحقوق وتأريخ هؤلاء الناس ، وتقسيم الدولة أثلاثاً ، ونفخ أرباع أرباع الأعشار من الشعب .. لتكون لهم : حصص ، وتمثيل في البرلمان ، وكيانٌ متعدد الوجوه والحقوق .
وليَنهب النفطَ كلُّ ناهب .. فنحن نتعفف عن أموال الناس بدون رضاهم ! .. فلتكن هناك : اتِّفاقات مع صنائع لا يُنكرون حسن الصنيع ، حيث عملنا لهم دستوراً ، وجعلنا لهم انتخاباً حتى يظنون بأنفسهم أنهم مُنتخبين ! ، ولتُغدق عليم الأموال بإنعامات سوف يحير علماء المالية العامة وميزانيات الدول كيف يجدون لها مسوِّغاً وتسميةً !! .
فإذا انشغلوا بـ : السيارات ، والسفرات ، والسفارات ، وتحديث الملابس ، وشراء العمارات في كلِّ البلاد ، وفتح الحسابات السرية في سويسرا .. فكما أعطى مفـاتيح الكعبة من أسكرته ( جُرهم ) من ولد إسماعيل ، وكما يبيع المقامر ما عنده على مائدة القمار ليستعيد الخسارة .. فلا تراه إلاَّ وقد زادها !! .
العـراق اليوم يبيعه المقامرون ، وفلسفتهم .. أخذ ما في اليـد خيرٌ مما في الغيب ، فلا ريب أنَّ هؤلاء النفر عباقرةٌ ومنظِّرون .. للخيانة ، وللسرقة ، ولتمزيق الشعوب ، وللكذب ، وللخداع ، وهم المتفننون في ( تأليف اللجان ) بالمجان ، لتنتهي إلى : دفن الشهيد ، وطمـر البيوت ، وتشريد العوائل ، والخروج بكذبةٍ كبيرة ! ، وتمويت الفضيحة كما يموت مئات الناس في اليوم والليلة ! ... فالموت الثاني صنو الأول وكلاهما موتٌ ، والموت عندهم مباح ! .
هذه – باختصار – حِبكة القادمين من وراء البحار ، لتخليص الشعوب من الذل والعار ، وقد صيغت بـ ( حِنكةٍ ) توارثوها عن أجدادهم قاتلي الهنود الحُمر أهل البلاد ، وبأسلوبٍ ( كابونيٍّ ) خلدته أفلامهم هم .. وليس أصحاب أسلحة الدمار الشامل ، ولا المستعبَدون الذين حُرروا .. فأصبحوا في رَغَد العيش ينعمون !!
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص
الحِنكة والحِبكة .. في القضية العراقية - أ . د محمد محروس المدرس الأعظمي
