العقبة الرئيسة التي قادت لتعثر توقيع الاتفاقية الأمنية بين حكومة المالكي والولايات المتحدة لم تكن أياً من الادعاءات المزعومة حول انتهاك تلك الاتفاقية لسيادة العراق،
فمن يأتي على ظهر الدبابات الأمريكية ويرتبط بالمشروع الأمريكي في العراق والإقليم، لن يجرؤ أن يثير أية قضية سيادية بشكل جدي مع الأمريكيين.
بل كانت العقبة الرئيسة أمام الاتفاقية الأمنية ما أسمته وسائل الإعلام «البريد الأمريكي» للعراق، وإصرار حكومة المالكي على «حق العراق بمراقبته»، لكي يضمن بأن لا تُدخِل الولايات المتحدة معدات للعراق يمكن استخدامها لضرب إيران.
وقد ذكرت الصحف هذه المعلومة في ثنايا صفحاتها، مع أنها المفصل الرئيس في المشهد.
وهو مفصل رئيس لأنه يكشف مدى إلامساك بتلابيب النظام في العراق، ولأن فهم الأمور بهذه الطريقة يبدد أية أوهام حول «الصحوة الوطنية» المزعومة التي يفترض أنها انتابت كتلاً برلمانية طائفية موالية سبق أن قضت السنوات الأخيرة في محاولة تدمير العراق تحت غطاء مشروع إيراني-أمريكي.
من الواضح أن إيران تعمل باتجاه تحويل العراق، أو أجزاء منه على الأقل، إلى «شريط حدودي»، أو موطئ قدم جغرافي-سياسي إن شئتم، بمقابل حقول النفوذ الأمريكي الممتدة عبر دول الخليج العربي إلى الكيان الصهيوني فمصر. والصراع على حقول نفوذ هنا طبعاً، وليس مشروع تحرير إن كان هناك أي سوء فهم...
تأمين هذا «الشريط الحدودي» العراقي لم يتم بشكل ودي أو سلمي طبعاً، بل من خلال الأدوات في العراق التي أوغلت بعيداً في دماء الشخصيات والقوى الوطنية النظيفة ذات التوجه العروبي وغير الموالية، وهي نفس الأدوات التي انشغلت في السنوات الأخيرة بأوسع حملة تهجير طائفية من خلال أساليب الخطف والتعذيب. هذا الأمر يعنى أن النسبة الغالبة على العراقيين المهجرين للخارج -ويقدر عددهم بخمسة إلى ستة ملايين- تأتي من طائفة معينة، وأن النسبة الغالبة على العراقيين في السجون تأتي من طائفة معينة، ولا نكشف سراً لو قلنا إن هذا أثر جزئياً على فاعلية المقاومة العراقية.
ويأتي الآن موضوع تهجير المسيحيين من الموصل وجوارها كحلقة من حلقات استكمال المؤامرة على عروبة العراق ووحدة نسيجه الاجتماعي شمالاً، وهي المؤامرة التي حبكتها إيران والولايات المتحدة على كل العراق بشكل مشترك، واشتركت في تنفيذها بشكل مباشر أو غير مباشر كل القوى الطائفية والعنصرية .
ومن الواضح أن القوى الطائفية ترى أنها نجحت بالإمساك بالأمور جيداً، ليس لحسابها، بل لحساب إيران، وتدل كل المؤشرات على أنها عاقدة العزم على استكمال مشروعها الطائفي من خلال رفضها تقبل حتى قوة أخرى موالية للاحتلال الأمريكي مثلها، كمجالس ( الصحوات ) التي تقول حكومة المالكي إنها ستستوعب عشرين بالمئة فقط من عناصرها في صفوف الأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية! وهو ما يوحي بأننا على أبواب مجازر واقتتال وعمليات تهجير كبيرة، وأن ما يجري في العراق لا يزال في بداياته...
وكان الاحتلال الأمريكي قد سمح للقوى الطائفية أن ترتع وتعيث الخراب في المناطق المدنية في وسط العراق لكي يستفز فتنة طائفية يمكن أن يوظفها في توطيد حكمه، ومن هنا تم إنتاج عناصر الصحوة الموالية للاحتلال، وقد ترافق ذلك مع تحريض وعمليات قتل وخطف طائفي بجميع الاتجاهات طبعاً.
عروبة العراق في خطر حقيقي! وما تقوم به الجامعة العربية والأنظمة العربية من اعتراف بالنظام، لتخدم حزب الرئيس بوش انتخابياً على المدى القصير جداً، يخدم في الواقع القوى الاقليمية الطامعة لو كانت الأنظمة ترى أبعد من أنفها؛ لأنه يكرس الاعتراف بسيطرة تلك القوى على النظام الموالي في العراق. فما هكذا تكون المحافظة على عروبة العراق!
عروبة العراق تقتضي دعم المقاومة لا محاصرتها عربياً، وتقتضي داخلياً أن تنشأ جبهة وطنية عراقية، على المستويين السياسي والميداني، تتجاوز الطائفية والطوائف، جبهة تتوجه لأوسع جمهور عراقي، بعيداً عن الموالين لإيران أو الولايات المتحدة أو الاثنين معاً. وتلك أصبحت ضرورة سياسية لكل الأمة، لا للعراق فحسب، والحديث موجه لكل القوميين والإسلاميين في العراق الحريصين على وحدته وعروبته .
المعركة على العراق لا تزال في أوجها. وقد صدر في 23/01/2008 مقال في صحيفة «الواشنطن بوست» المقربة من دوائر صنع القرار في العاصمة الأمريكية موقعاً من عضوين سابقين في مجلس الشيوخ هما دانييل كوتس وتشارلز روب، وأحدهما جمهوري والآخر ديموقراطي. ويتضمن مقالهما تلخيصاً لورقة توصيات حول إيران أنتجها مركز أبحاث أمريكي AEI للرئيس القادم، وأهم تلك التوصيات أن لا تسمح الولايات المتحدة بإيران نووية وباعتبار خطر إيران النووي أكبر بكثير من استهداف القوات الأمريكية، وبأن يترافق التفاوض مع إيران، إذا حدث، مع بناء قوات في العراق وأفغانستان تمهيداً لضرب إيران طوال أسابيع كحل أخير... (ومن هنا تأتي قصة مراقبة «البريد الأمريكي» في العراق!).
المهم، تبين أن من بين الموقعين الأساسيين على ورقة نصائح مركز أبحاث AEI للرئيس الأمريكي القادم دينيس روس (اليهودي الصهيوني)، منسق «عملية السلام في الشرق الأوسط» في ظل كلينتون وبوش الصغير، والأهم انه المستشار الرئيسي لباراك أوباما لشؤون «الشرق الأوسط».
إذن هو الهدوء الذي يسبق العاصفة....
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح
وضع اليد على العراق / د. ابراهيم علوش
