هيئة علماء المسلمين في العراق

الثمار المرة_ د. رافع الفلاحي
الثمار المرة_ د. رافع الفلاحي الثمار المرة_  د. رافع الفلاحي

الثمار المرة_ د. رافع الفلاحي

ربما تكون الحرب المزعومة (ضد الارهاب) التي قادتها الولايات المتحدة بعد احداث الحادي عشر من ايلول عام 2001, قد وفرت لواشنطن فرصة (ذهبية) لزيادة نفوذها وهيمنتها على العديد من دول العالم . وربما كانت هذه الحرب هي القناع الافضل في نظر (المحافظين الجدد) الذي انتجته مصانع السياسة الاميركية منذ عقود عديدة كانت الولايات المتحدة تتحين الفرص خلالها لاعلان نفسها الامبراطورية الوحيدة التي تحكم العالم من دون منازع وبقبول وانصياع الجميع , وبما يجعل من القرن الحالي . . قرناً اميركياً تحقيقاً للشعار الذي رفعته ادارة بوش الأب بعد  انهيار الاتحاد السوفيتي في مطلع تسعينات القرن الماضي , وهو الشعار الذي سيمكن اميركا في فرض نمط حياتها (Mode of American life) وانموذجها (American Type) باعتبارهما الاصلح والافضل , وبمايجعل العالم (رقعة شطرنج) او (قطع دومنو) يمكن لواشنطن تشكيله كما تريد وفقاً للشعار واطاره السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل  !
غير ان السنوات السبع الماضية  منذ أحداث 11/9 , كانت باحداثها كفيلة باسقاط (القناع)و  جعله وبالاً على السياسة الاميركية بكل مفاصلها . . وحتى مع اصرار واشنطن على عدم الاعتراف بالفشل وسقوط القناع عن وجه سياستها القبيح , فأن ثمار حصادها الاشد مرارة من عبارة (الفشل) والذي لايمتلك الرئيس الاميركي جورج دبليوبوش الجرأة للاعتراف به , صارت اليوم في افواه الاميركيين ولم يبق سوى ان يتذوقوا طعم مرارتها الأشد مما كانوا قد شعروا به بعد (مغامرة فيتنام) التي لازمت حياتهم عقوداً عديدة ودفعت المرشحين للرئاسة (من الديمقراطيين او الجمهوريين) يتناوبون كل اربع سنوات لاطلاق نفس الشعار الاثير في برنامجهم الانتخابي الذي يؤكد للناخبين بأنهم  سيعملون على محو صورة الفشل الاميركي في فيتنام من ذاكرة الاميركيين كجزء من سعيهم لتلبية واحد من  اهم مطالب الشعب الاميركي .
وبحساب الخسائر ومقارنة حجمها وتاثيرها بين مغامرة الحرب ضد فيتنام والحرب المزعومة ضد الارهاب وساحتها الرئيسة (كما تقول ادارة بوش الصغير) العراق.. يظهر إن الكارثة اعمق بخاصة وان المغامرة لم تنته بعد في العراق , لكن مقدمات خسائرها تشير الى سقوط اكثر من اربعةالاف قتيل اميركي ونحو (50) الف جريح غالبيتهم صاروا من المعاقين على الدوام , فضلاً عن (800) مليار دولار اهدرت لحد الان في تمويل العدوان والاحتلال , من دون ان تحقق لواشنطن الاهداف التي كانت تراها قريبة وقد اثبت واقع الحال انها بعيدة , بل ان العقلاء في اميركا باتوا يدركون جيدا استحالة الوصول إليها.. برغم كل ما استعملته اميركا من أكاذيب وأقنعة أنتجتها مصانعها السياسية وقد سقطت وانفضحت كلها وكانوا يرونها الاروع والاكثر متانة وقدرة على تحمل كل الظروف والمناخات والتي تتكفل بتكييفها منتجات مصانعها الحربية من الآت الدمار والقتل القادرة على اسكات صوت اي مقاومة مهما كان مرتفعاً . . لكن واقع الحال اثبت ان لا الطائرات ولا المدافع ولا القنابل الفسفورية والعنقودية ولا الهمرات ولا بزات الجنود وقيافاتهم (التي تظهرهم بعكس حقيقتهم) ولا الاعتقالات الجماعية ولا اعمال القتل  والتنكيل وحصارات المدن والمناطق ولا المليشيات الطائفية التي تحمل عبارة (صناعة الاحتلال) والتي وفرت لها المناخ المناسب لانطلاقها وتعاظم افعالها الاجرامية . . قادرة على اسكات صوت المقاومة العراقية والغاء ما هو وطني وشريف .
ولم تقف خسائر الولايات المتحدة عند ما هو مادي وبشري في  العراق حسب , بل ان خسارتها في سقوط صورتها كقوة عظمى . . قد صارت امراً واقعاً.
فكل استطلاعات الرأي التي اجرتها مؤسسات متخصصة في هذا الشأن (وغالبيتها اميركية) , راحت تشير الى ان رؤية الناس وقناعاتهم في كل القارات قد شكلت صورة شعبية متدنية لاميركا , وان التعاطف الدولي مع واشنطن الذي كانت تتباهى به بعد احداث ايلول 2001 , قد تحول الى شعور بالاشمئزاز والانتقاد والتشفي . . ولا يستثنى من هذا الشعور شعوب دول تعد الحليفة الاقوى لواشنطن كالشعب البريطاني , فضلاً عن ان الاميركيين انفسهم باتوا على عكس ما كانت واشنطن تتوقع , يقفون اليوم على عتبة الكفر بسياسات دولتهم , وراح الكثير من مثقفيهم واصحاب الرأي المسموع , ينتقدون علناً هذه السياسة ومن يتولون مسؤولية قيادة بلادهم ويصفونهم بأنهم أشخاص حمقى وانهم لايسعون من وراء الدمار والقتل الذي يشيعونه الا تلبية شهوتهم في السلطة .والحقيقة ان (حكم التاريخ) على مسببات وتفكك وانهيار الامبراطوريات التي شهدها العالم عبر رحلته الطويلة , يكاد يكون واحداً يتلخص في اتساع الهوة بين الامكانات والقدرات من جهة وحجم وطبيعة الاهداف الموضوعة من جهة اخرى . . وهو ما تواجهه اميركا اليوم , اضافة الى ان كل اتساع على حساب الاخرين يقود الى الترهل وفقدان السيطرة وتأكل مقومات القوة بنحو تدريجي يتسارع بعد مدة بما لا يعطي فرصة او قدرة على مواجهته . . وما تواجهه اميركا اليوم في العراق يؤكد تشكيل هذه الصورة بنحو دقيق . كما ان اصرار كل الامبراطوريات الاستعمارية على تعميم نمطها الخاص في الحياة على الامم والشعوب الاخرى واستهتارها بكل ما هو خاص ووطني من عادات وثقافات وقيم وتاريخ , يدفع هذه الامم والشعوب الى خيار واحد لاغيره هو (المقاومة) , الامر الذي يزيد تكاليف اقامة الامبراطورية وتثبيتها , بخاصة بعد ان تضطر الى تحمل التكاليف الهائلة لوحدها حين يكتشف الشركاء انهم كانوا مجرد ممولين لاسباب قوة تلك الامبراطورية ولاسباب ضعفهم وهيمنتها عليهم , حتى وان كانوا حلفاء او اصدقاء لها  كما تدعي او كما اوهموا انفسهم.
وعلى اساس هذا الحكم التاريخي وتطبيقاته الواقعية على صورة الولايات المتحدة (الان) , فأن كل اسباب القوة الاميركية تبدو غير ذات قدرة على الصمود في وجه العوامل التي تنخر في اسسها , ولا يقتصر ذلك على العوامل الخارجية (البعيدة) عن مركزها . . بل ان للعوامل الداخلية فعلها المؤثر بصرف النظر عن ارتباط بعضها بعوامل خارجية , فاميركا التي وحدت ولاياتها قبل نحو ثلاثة قرون , لم تستطع محو حقيقة ان مجتمعها هو مجتمع مهاجرين مكون من عناصر بشريةمتعددة الاعراف والانساب والالوان , وان التمايز والفصل العنصري بين هذا الشتات , ما يزال يطبع سياسة واشنطن الداخلية , وهو احد اهم مكامن الخطر الكبير الذي يشبه قنبلة موقوتة . والذي سيساهم بنحو اساس في انهيار الولايات المتحدة وتفككها من جديد , بخاصة وان مثل هكذا تشكيلة مجتمعية لا يمكنها ان تتحمل الخسائر الكبيرة من اجل شعارات غير قابلة للتحقق وعلى حساب الرفاهية و (الحلم) الذي وعدوا بالحصول عليهما . واذا ما أدركنا ان واقع حال الولايات المتحدة يؤكد انها ليست امة بكل القياسات وان لاهوية قومية لها فان نتيجة الاختلال المؤدي الى عدم التوازن والسقوط ستكون مؤكدة . . فالهوية مثلما هو معروف تعتمد على عنصرين اساسيين هما (الثقافة والعقيدة) وفي الحالة الاميركية نجد ان العنصر الاول يتكون من اللغة الانجليزية ومجموعة عادات وتقاليد لمستوطنين تتباين جذورهم وانتماءاتهم , اما العنصر الثاني فيتكون من مبادىء عامة وشائعة كالحرية والمساواة , وفي هذا المجال يقول ( صاموئيل هانتنغتون ) صاحب نظرية ( صراع الحضارات ) ان التغيرات الاجتماعية والثقافية والسكانية التي يشهدها المجتمع الاميركي قد جعلت من عنصري العقيدة والثقافة يبدأن يفقدان اهميتهما لان الاميركيين اخذوا يفقدون شعورهم بهويتهم بعد ان هيمنت المصالح التجارية على السياسة الخارجية الاميركية , وان هوية الاميركيين كما يعترف (هانتنغتون) لم تبن على الاسس التي بنيت عليها الهويات القومية للأمم , بل بنيت على اساس تباينها مع هوية الاتحاد السوفيتي والشيوعية (قبل الانهيار), وان نهاية الحرب الباردة وزوال الشيوعية قد جعلا الاميركيين يشعرون وكأنهم فقدوا هويتهم . فيما يجيب (ارثر شلزنغر) الكاتب والصحفي الاميركي والمستشار السابق لكندي و جونسون , على سؤال مفاده : هل مات انموذج الاندماج الاميركي ؟ قائلاً على صفحات كتابه(اميركا المفككة) :
(ان اميركا الان عبارة عن مجموعات عرقية تطالب كل منها بثقافتها ولغتها وتاريخها) . وفي كتابه (الانفلات او خارج السيطرة) الصادر عام 1993 , يحدد مستشار الأمن القومي الاميركي الاسبق زبغنيو بريجنسكي (20) ظاهرة او معظلة يراها الابرز والتي ستفعل فعلها في انهيار الولايات المتحدة وتفككها ومن بينها المديونية والعجز التجاري والانتشار الواسع للجريمة والعنف والمخدرات والامراض وتدهور مستوى التعليم وتعمق مشكلات الاجناس والفقر وبروز الاخطاء والثغرات الكبيرة في النظام السياسي وغيرها الكثير . ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه الاشكالية هنا : كيف يمكن لنظام سياسي ان يكون اميناً على شعبه وأمينا على العالم وهو غير قادر على ان يكون أمينا مع نفسه وقد تركها مطية أهواء ومصالح الشركات الكبرى وأسيرة هوس أشخاص حمقى لايرون الا انفسهم ويدفعون باتجاه الغاء الاخرين مهما كان الثمن ويرون تاريخ وقيم ومباديء الشعوب مجرد خرق بالية ولا يتعظون بدروس الماضي واسبابها ؟

أضف تعليق