هيئة علماء المسلمين في العراق

أي مستقبل لأمريكا في العراق؟ بقلم : عبد الوهاب بدرخان
أي مستقبل لأمريكا في العراق؟ بقلم : عبد الوهاب بدرخان أي مستقبل لأمريكا في العراق؟  بقلم : عبد الوهاب بدرخان

أي مستقبل لأمريكا في العراق؟ بقلم : عبد الوهاب بدرخان

من يناور على من الجانب العراقي أم الأمريكي؟ الأمر الجيد في الجدل بشأن الاتفاق الأمني ان المفاوضات والمماطلات اتعبت أعصاب الأمريكيين.. فهم سيحصلون على الاتفاق، في نهاية المطاف، لكن ليس بالسهولة التي تمنوها أو ربما توقعوها. وإذا كان لهم أن يلوموا أحداً في هذا التجاذب حول الاتفاق، فما عليهم سوي ان يلوموا انفسهم، إذ لا يمكن الاعتماد على أي شعب لإعطاء شرعية إلى أي احتلال.
وبالتالي فإن أكثر ما يخشى في نص الاتفاق هو ما لم يُكتب فيه، خصوصاً أن بعض التصريحات الأمريكية أوحت بأن ما يحدد المواقف في المستقبل هو الوضع الميداني ليس في العراق فحسب بل في الإقليم، أي انه لن يحصل انسحاب حقيقي إلا بفعل اقتناع الأمريكي انه: أولاً، سيبقى ممسكاً بالقرار العراقي ومسيطراً عليه، وثانياً، إذا كان انجز كامل الأجندة الخفية التي لم يكن الغزو والاحتلال إلا لتنفيذها.
إذا كان هناك في الحكم العراقي من اعتقد، أو من يتمني، أن يعمد الأمريكيون إلى الانسحاب مجبرين، فلابد انه واهم. الخسائر البشرية والمإلية التي تكلفتها الولايات المتحدة، والإهانات التي نزلت بجنودها، والمصاعب التي صادفتها الإدارة الأمريكية في الداخل وحتي في الخارج.. كل ذلك لا يعني الاضطرار إلى الهروب، أو قبول الانسحاب كأنهم مطرودون. لكنه يعني ان السبيل الوحيد لإنهاء الاحتلال هو هذا الاتفاق، أقله في هذه المرحلة.
في المقابل، لا يبدو المعارضون للاتفاق مقنعين. فهم يعرفون قبل غيرهم انهم لا يزالون بحاجة إلى الأمريكيين. لو كانوا توصلوا إلى مصالحة وطنية، ولو ان الجيش وقوى الأمن اقتربا من الجاهزية، ولو انهم يبدون هذا التشدد استناداً إلى مشروع وطني يجمعهم، ولو انهم يخوضون معركتهم ضد الاتفاق على خلفية تهجير لسكان أصليين مسيحيين، ولو.. ولو .. إلى آخر اللائحة الطويلة، لما تجرأ الأمريكيون على تحديهم بل تهديدهم بالعواقب الوخيمة ، ولما تمكن الأمريكيون أصلاً من مواجهة الرفض إلا بالرضوخ للمطالب، وفي أي حال اضطرت سلطة الاحتلال إلى قبول تعديلات قلبت مسودة الاتفاق رأساً على عقب، لمجرد أنها ادركت ان التحسن الأمني الذي تفاخر بأنها صنعته لابد ان يرفع من شأن منطق الدولة الذي ترى حكومة نوري المالكي انها استطاعت اكتسابه برغم كل العراقيل.
وبمعزل عما إذا كان صحيحاً أم لا ان سياسيين عراقيين تلقوا رشى من إيران كي يصوتوا ضد الاتفاق، فلا شك أن المعارضين يماشون تكتيكاً إيرانياً. إذا كانت هناك جهة نجحت في تنكيد الأمريكيين وتلغيم احتلالهم للعراق فلا شك انها إيران. هي التي زرعت الصعوبات وهي التي سمحت بالتسهيلات.. هي التي تحكمت بمسار الحكومة العراقية بعد الانتخابات الاولى، ثم الثانية. كانت لها مساهمتها في تحسين الوضع الأمني. بل كان لها دور كبير في تعزيز الحكم والحكومة ومدهما بشيء من المصداقية إلى حد التضحية بجيش المهدي .
أي ان الإدارة الإيرانية للاحتلال واكبت إدارته الأمريكية. لذلك اعتبرت طهران انه يجب ان تكون لها كلمة في مستقبل هذا الاحتلال، خصوصاً ان البحث في الاتفاق الأمني يتزامن مع اقتراب حصول تغيير في البيت الأبيض، وتسعى طهران إلى إنتاج وضع عراقي يمكنها من الاستمرار في لعب دورها.
طبعاً يعرف الإيرانيون والعراقيون ان ثمة مصلحة عراقية في الاتفاق المزمع اقراره، فالخيار الآخر أو البديل ليس متوفراً، لكن المتاح هو تأخير الموافقة على الاتفاق إلى ما بعد الانتخابات لتأتي بمثابة التفاتة باتجاه الرئيس الجديد أو هدية له، وفي الوقت نفسه بمثابة رسالة وداع غير ودّية لجورج بوش، هذا الرئيس الذي كان يطمح لأن تكون مغامرته العراقية المعلم الأكبر في تركته التاريخية.
وقد لفتت إيران في معرض تبرير اعتراضها على الاتفاق المطروح، إلى انه إذا كانت الذريعة الأمريكية للاستعجال في إنجاز الاتفاق وجوب استباق الاستحقاق الدولي بحلول نهاية السنة، فإن الجانب الأمريكي ليس مضطراً لاستخدام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي فهو ليس مضطراً أيضاً إلى عقد اتفاق مع العراقيين لتبرير استمرار وجوده في أرضهم مادام احتلها أصلاً من دون أي تفويض دولي، اما الانتداب الذي حصل عليه بعد الاحتلال فلم يكن سوى بدعة قانونية.
لا شك أن هذه حجة صحيحة. إذ ان نهاية الانتداب الأممي للولايات المتحدة تعني قانونياً نهاية الاحتلال. لكن الاستناد إلى البند السابع يعني وضع السيادة العراقية بين مزدوجين، أي بالأحرى بين فكين، ويغطي عمليا الاحتلال. من هنا ان الطرفين شبه متساويين في اللعبة، لكن ذريعة البند السابع توفر للأمريكيين وسيلة لابتزاز العراقيين. وما داموا مستعدين لممارسة هذا الابتزاز للحصول على شرعية للقواعد التي يريدون ابقاءها في العراق، فلابد من مناوشتهم ودفعهم إلى ما يقرب من القتال للحصول على الاتفاق.
لابد من التحسب للانتقام الأمريكي، أياً تكن الإدارة المقبلة، إذ ان سلطة الاحتلال لا تزال ممسكة بالكثير من الخيوط في إدارة شؤون العراق. والأهم انها لا تزال تتحكم بمسارات العلاقات بين الفئات والقوى السياسية، فكلها تدين لها ان لم يكن بوجودها فأقله بالمكاسب التي حصلت عليها.
وإذا كانت المهمة الرئيسية للجانب العراقي في المرحلة المقبلة هي انجاز المصالحة الوطنية، فإن من شأنه ان يقبل عليها وان يتمها من دون الحاجة إلى تدخل الأمريكيين. فهؤلاء لا مصلحة لهم في مثل هذه المصالحة، ولديهم من وما يستطيعون استخدامه لإحباطها.
المقالة تعبر عن رأي كاتبها
ح

أضف تعليق