إن المتأمل في واقعنا المعاصر ليعجب كل العجب لما يرى من انتكاسةٍ في المفاهيم، ومن تفسيرها بغير مدلولها وعدم إعطائها حقها؛ ومن هذه المفاهيم مفهوم الأخوّة في الله.
الأخوّة في الله هي ذلك الرابط المتين الذي يربط بين المحب والمحبوب؛ بسبب قرب المحبوب والمحب من الله - عز وجل -.
ويعرِّف النووي المحبة بأنها: «الميل إلى ما يوافق المحب»، ويزيد ابن حجر: «والمراد بالميل هنا الاختياري دون الطبـــيعي ـ الأب والأم وغيرهما ـ ودون القسري ـ الإكراه ـ، والمحبةُ إرادة ما يعتقده خيراً»[1].
ومـن القـديم كـان الناس يحرصون على أخوّة صادقٍ فـي المحـبة لـيؤثـروه على أنفـسـهم، وقـد كان أبـو هـريـرة ـ - رضي الله عنه - يطلب من الرسول الكريم الدعاء له ولأمـه بالمحبة المتبادلة مع المؤمنين؛ فدعا له الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اللهـم حبـب عُبَـْيـدَك هـذا وأمــه إلى عبـادك المؤمـنين، وحـبب إليـهم المؤمنــين...» الحـديـث[2]، ويـقول - تبارك وتعالى -: {الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ الْـمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]؛ «لأن خِلَّتـهم ـ غير المتقين ـ ومحبـتهم في الدنيا لغير الله؛ فانقلبت يوم القيامة عداوة، إلا المتـقين للشرك والمعاصي؛ فإن محبتهم تدوم وتتصل بـدوام من كانـت المحـبة لأجـله - سبحانه وتعالى -»[3]، وقـال - تعالى -: {فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 11] أخـبـر الله في هـذه الآيـة أن الأخـوّة مترتبـة على التوبة من الذنوب وعلى إقام الصلاة وإيتـاء الزكـاة، ويـقول الله - تبارك وتعالى -: {إنَّ الْـمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 45 - 48]، مما سبق نلاحـظ أن كـل خلةٍ تنتهي وتـزول إلا خـلة المتـقين؛ فمن كانت أخوتهم لله وفي الله؛ فإنها تبقى وتستمر حتى بعد دخول الجنة.
• الأصل في الأخوّة[4]:
الأصل في الأخوّة الحب في الله، وأصل الحب في الله أن يكون لكل ما يحبه الله؛ فالله - سبحانه - يحب التوابين والمتطهرين والمحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين والمقاتلين في سبيله صفاً.. إلخ، كما أن الأصل في البغض في الله أن يكون لكل ما يبغضه الله؛ فالله - سبحانه - يبغض الظالمين والمعتدين والمسرفين والمفسدين والخائنين والمستكبرين... إلخ. كما أن الأصل في الحب أن يكون عاماً لجميع المؤمنين، ويتفاوت تبعاً لصلاحهم؛ فلا نستطيع أن ننصب العداء لمن وقع في معاصٍ تاب منها أو حُـدَّ فـيـها وما زال في دائرة الإسلام؛ فقد نهى الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - عن لـعـن صحـابي أقـيم عليـه حـد الخمـر ـ مـراراً ـ فـقـال: «لا تلعـنوه! فواللهِ ما علمـت إلا أنه يحـب الله ورسوله»[5]، وقد استنبط ابن حجر - رحمه الله تعالى - [6] أن لا تنافي بين ارتكاب المنهي وثبوت محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في قلب المرتكب للمعصية، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله.
مما سبق يتبين أن الأصل هو أن لا يكون الحب لذات الشخص وإنما لقربه من الله - عز وجل -.
ويكون الحب بمقدار القرب من الله؛ فكلما كان المحبوب قريباً من الله كان الحب أكبر، وكلما كان العبد بعيداً عن الله كان الحب قليلاً، أي أن الحب موجود وإنما هو في تزايد وتناقص، وقد سمع الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض الصحابة يدعون على رجل سكران أن يخزيه الله (قمة البغض في الله من قِبَل الصحابة لهذا السكران)، وكانت لفتة النبي - صلى الله عليه وسلم - المفعمة بالحب والحنان والرحمة على أصحابه «أن لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم»[7] بدل أن تدعوا عليه فتكونوا عوناً للشيطان على أخيكم؛ لأنه إذا سمع السكران دعاءهم فلربما تمادى في غيه وازداد بُعداً عن الله؛ ادعوا له بالمغفرة، وتوجهوا إليه بالنصيحة لعل ذلك يعينه على البعد عن معصيته.
• الميزان الضابط لمفهوم الأخوّة في الله:
إن الميزان الضابط لمفهوم الأخوّة في الله، والذي لا يتم الإيمان إلا به، هو ما بينه نبينا الكريم - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير»[8]، ويعلق الكرماني[9] بقوله: «ومن الإيمان أيضاً أن يبغض لأخـيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه؛ فترك التنصيص عليه اكتفاءً»، وعلق الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - عند شرحه لهذا الحديث بقوله: «لا يؤمن: يعني لا يكون مؤمناً حقاً تام الإيمان إلا بهذا الشرط: أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وما يحب لنفسه من ترك الشر.. » إلى أن قال: «فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم، ولا يكذب عليهم، ولا يعتدي عليهم، كما أنه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك. وهذا الحديث يـدل على أن مـن كره لأخيه ما يحب لنفسه، أو يحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بمؤمن، يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان، ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره لنفسك أو كرهت له ما تحب لنفسك»[10].
• الصفات التي ينبغي توفرها فيمن نصاحب:
كل مسلم هو أخٌ في الدين لأخيه المسلم، غير أنه لا يصلح كل شخص لأن نطلب صحبته وأخوّته، وإنما هناك صـفات يجـب توفرهـا فيمـن نطلب صحبته؛ فالرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - يقول: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل»[11]، ومن أهم هذه الصفات:
1 ـ أن يكون مسلماً ملتزماً بدينه قولاً وعملاً، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر.
2 ـ أن يكون ذا أخلاق إسلامية رفيعة، محافظاً على مكارم الأخلاق. قال الشاعر:
صلاح أمرك للأخلاق مرجعه*** فقوِّم النفس بالأخلاق تستقمِ
3 ـ أن يكـون ذا نفـس نظـيفة بعـيـدة عـن أدران النقص وعـن الرذائـل، مسـتقـيماً كمـا أمــر الله ورســوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا فائدة من مؤاخاة الفاسق والمبتدع؛ إذ إنه لا تُؤْمَن غائلته؛ فهو متغير بتغير الأغراض، وكذلك مصاحبة الفاسق، ورؤية الفسق ومشاهدته، تُهوِّن أمر المعصية على القلب وتبطل نفرة القلب عنها.
4 ـ أن لا يكون حريصاً على الدنيا يعض عليها بالنواجـذ؛ لأنهـا صـفات إخوان الدنيا[12]؛ أُخوّةٌ وقتيّةٌ.
قال الشاعر:
ما أكثر الأصحاب حين تعدهم *** لكنهم في النائبات قليلُ!
ويمكـن أن نستـشف مما سـبق في كـلام الفـاروق عـمـر - رضي الله عنه - حين قال: «عليك بإخوان الصدق تعش في أكـنافهم؛ فإنهم زينـة في الرخـاء، وعدة في البلاء، وضَعْ أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يقيك منه، واعتزلـه ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمر دينك الذين يخشون الله تعالى»[13].
فمن ظفر بشخص توفرت فيه هذه الصفات فعليـه به، وخاصـة أننا نعيـش في عصـر عزَّ فيه الصديق وقلَّ فيه الرفيق.
• الحقوق المترتبة للأخ على أخيه:
1 ـ قضاء الحاجات والقيام بها، وهي درجات؛ أدناها القيام بحاجة الأخ عند السؤال والقدرة، لكن مع البشاشة والاستبشار، وأوسطها القيام بالحوائج من غير سؤال، وأعلاها تقديم حوائجه على حوائج النفس. وقد كان بعض السلف يتفقد عيال أخيه بعد موته أربعين سنة فيقضي حوائجهم.
2 ـ كفُّ اللسان والسكوت عن ذكر عيوبه في حضوره وغيـبته، وترك الرد عليـه ومماراته وإظهار ما يكره من أحواله، إلا إذا كان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[14].
3 ـ التسامح والعفو عن الزلات.
واعلم أنك إذا طلبت منزهاً عن كل عيب لم تجده، ومن غلبت محاسنه على مساوئه فهو الغاية.
وقال ابن المبارك: «المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب الزلات».
تعالوا بنا نطوي الحديث الذي جرى*** ولا سمع الواشي بذاك ولا درى
تعالوا بنا حتى نعود إلى الرضا *** وحتى كأنّ العهد لم يتغيرا
لقد طال شرح القال والقيل بيننا *** وما طال ذاك الشرح إلا ليقصرا
من اليوم تاريخ المحبة بيننا *** عفا الله عن ذاك العتاب الذي جرى[15]
4 ـ مساندته في السراء والضراء.
5 ـ كراهـية مضـرته والمبـادرة إلى دفـعها، وإن مـسه ما يتأذى به شاركته الألم وأحسست بالحزن لأجله.
6 ـ أن تسلِّم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمِّته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبرَّ قسمه، وتنصح له إذا استنصحك.
7 ـ أن تحب لأخيك النفع وتفرح لوصوله إليه كما تبتهج بالخير يصل إليك.
8 ـ التناصر بين المسلمين. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً! قال رجل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيتَ إن كان ظالماً كيف أنصره؟! قال: تحجزه ـ أو تمنعه ـ من الظلم فإن ذلك نصره»[16]. قال الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله تعالى - عند شرحه لهذا الحديث: «قال الرجل: يا رسول الله! أرأيت إن كان ظالماً فكيف أنصره؟ ولم يـقــل: فلا أنصـره، بــل قــال: كيــف أنـصــره؟ يعني سأنصـره ولكن أخبـرني كيـف أنصـره، قـال: «تمـنـعه ـ أو قال: تحجزه ـ من الظلم فإن ذلك نصره»، فـإذا رأيـت هـذا الرجـل يريـد أن يعـتدي على الـناس فتمنعه فهذا نصره بأن تمنعه. ويؤخذ من ذلك وجوب نصر المظلوم ووجوب نصر الظالم على هذا الوجه الذي ذكره الرسول - صلى الله عليه وسلم -» انتهى[17].
9 ـ تسهيل الأمور الصعبة.
10 ـ الدعاء لهم.
11 ـ النصيحة. فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن؛ يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه»[18].
12 ـ الوفاء والإخلاص لله لا للبشر. والوفاء هو الثبات على الحب وإدامته إلى الموت وبعده؛ لأن الحب إنما يراد للآخرة؛ فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي. وقصة إكرام الرسول - صلى الله عليه وسلم - للعجوز التي كانت تأتيهم أيام خديجة - رضي الله عنها - خير دليل على ذلك.
13 ـ التخفف وترك التكلف والتكليف. وفي هذا يقول جعفـر الصـادق - رضي الله عنه - : «أثقل إخواني عليَّ من يتكلف وأتحفظ منه، وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي».
14 ـ التـزاور في الله.
وفـي هذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم برجالكم من أهل الجنة؟ النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والصدِّيق في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر في الله في الجنة»[19]. وقال بعض الحكماء: من سقطت كلفته دامت ألفته. ومن تمام هذا الأمر أن تـرى الفضـل لإخوانك عـليك لا لنفسك عليهم؛ فتنزل نفسك منزلة الخادم.
• جملة من آداب المعاشرة للخَلْق:
من حسن المعاشرة أن تتوقر من غير كبر، وتتواضع من غير ذلة، وأن تلقى الصديق والعدو بوجه الرضا من غير ذل لهم ولا خوف منهم، وتتحفظ في مجالسك من إدخال إصبعك في أنفك وكثرة بصاقك والتثاؤب، واصغِ إلى محدِّثك ولا تسأل الإعادة، ولا تكثر الالتفات إلى الوراء[20]، واحذر المزاح؛ فإن اللبيب يحقد عليك في المزاح، والسفيه يجترئ عليك[21].
• سبيل تحقيق الأخوّة:
هناك أمور تؤدي إلى تعميق أثر الحب والتآخي في الله في نفوس الناس؛ من ذلك أن تحسب حساب أخيك فيما تجره إلى نفسك من نفع أو ترغب بدفعه عن نفسك من مكروه.
ومن الصور المفجرة لمعاني الحب تبادلُ العلاقات الأخوية والإكثار من الصلات الودية لحديث: «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء»[22]، وكم تذيب الهدية من رواسب الحقد، وكم يمحو البدء بالسلام من وَحَر الصدر! قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أَوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»[23]، وإنّ مما يعبر عن صدق الأخوّة وحقيقة الألفة ما تُقدمه لأخيك من دعوات صالحات حيث لا يسمعك ولا يراك، قال - عليه الصلاة والسلام - : «دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستـجابة؛ عـنـد رأسـه ملك مـوكل كلما دعا لأخيه بخير قال المـلك الموكـل بـه: آمين، ولك بمثل»[24]، ويقـول النووي - رحمه الله تعالى -: «وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه يدعو لأخيه بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب، ويحصل له مثلها»[25].
وإن مما ينمي هذه الرابطة التبسم والتواضع والتراحم والتعاطف والتواد؛ فلا اختلاف ولا تباغض، القلوب قلب واحد، قال الفضيل بن عياض ـ عابد الحرمين ـ: «لأَنْ يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسِّن خُلُقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره»[26].
• ثمرات الأخوّة:
قال - تعالى -: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا} [آل عمران: 103].
فالأخوّة من نِعم الله يهبها لمن يحبهم من عباده ولمن يصطفيهم من أوليائه؛ فالأخوّة شجرة مباركة مورقة مزهرة، تؤتي ثمرها كل حين، ومن ثمرها:
1 ـ تذوُّق حلاوة الإيمان وحياة السعداء.
2 ـ يحيط الله المتآخين فيه برحمته، ويقيهم شدائد يوم القيامة.
3 ـ ينـال المتـآخون فـي الله الأمـن والسرور، ويُعدون في صفوف السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله برضوانه وإحسانه، يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفـق عليـه من حديث أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ: «سبـعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. » وذكر منـهم: «ورجـلان تحابَّا في الله اجتـمعا عليـه وتفـرقـا عليه» الحديث[27].
4 ـ استشعار زيادة محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ووجود حلاوتها في قلب المتآخين في الله.
5 ـ الأخوّة في الله عروة الإيمان الوثـقـى مـن تمـسَّك بها نجا.
6 ـ المتآخون في الله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة.
7 ـ الحب في الله مما يدل على كمال السريرة، والعمل المتـقن، وخـوف الله ورعاية جانبه، واحترام كتابه وحب سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
8 ـ الإعانة على طاعة الله - تعالى -.
واعلم أخي الحبيب أن ثمة ثماراً غير ما ذكرنا يطول بذكرها المقام، وقد جعل الله الحب في الله والبغض فيه أوثق عرى الإسلام كما جاء في رواية: «أوثق عرى الإيمان الموالاةُ في الله، والمعاداةُ في الله، والحبُّ في الله، والبغض في الله - عز وجل -»[28].
واعـلـم أن الإيمـان لا يكـمل إلا بصـدق هــــذه العـاطـفـة ـ كما مــر ـ وإخـلاص هذه الرابطة فـ «مـن أحب لله، وأبغـض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان»[29].
ومـن أراد أن يشعر بلذة مجاهدة الشيطان وحـلاوة التمرد على الأهواء، وعظمة معاني الولاء لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللمـؤمنـين، فهـذا هـو الطـريق: «ثلاث من كن فيـه وجـد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممـا سـواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر، بعد إذ أنقذه الله منه، كما يـكره أن يُلـقى في الـنار»[30]. وقـد جعل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - المفاضلة بين الأخوين المتحابين بمدى حب كل منهما لأخيه حيث قال: «ما تحابَّ اثنان فـــي الله ـ - تعالى -ـ إلا كان أفضلهما أشدهما حباً لصـاحبه»[31]، وإنْ دخـل الشيطان بينهما يوماً من الأيام فليراجع كـل منهما قلبه وليحاسب نفسه، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «ما توادَّ اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما»[32].
• آفات الأخوّة في الله:
قد يقول قائل بعد كل هذا الفضل والخير المنبعث من رابطة الأخوّة في الله: كيف أحافظ على أخوتي وحبي لأخي في الله؟
اعلم أخي الحبيب أن هناك آفات تعكر على الأخوّة معانيـها السـامية، علـيك تجنبـها للمحـافظة على أخوتك وحبك لأخيك، أذكرها فيما يلي:
الآفة الأولى: الأَثَرة:
إن الأَثَـرَةَ الغالبة آفة الإنسان وغول فضائله؛ إذا سيطـرت نَزْعـتــها علــى امــرئ محـقـت خيـره ونمَّت شـره، وحصـرتـه في نطــاق ضيـق خسـيس فلا يعـرف فـيه غيـر شخـصه، وأما غيره من البشر فهو لا يهتم بهم ولا يلقي لهم بالاً، ولذلك قـــال ـ - عليه الصلاة والسلام - ـ: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»[33].
الآفة الثانية: التهكم والاستهزاء والسخرية من الآخرين:
وإن مما يمزق أواصر الأخوّة التهكم والاستهزاء والسخرية من الآخرين، وإن هذه الأخلاق تنشأ من جهالةٍ وغفلةٍ، فإن من حق الضعيف أن يُحمل لا أن يُنال منه، ومن حق الحائر أن يرشد لا أن نضحك عليه، وإذا وجدت ذا عاهة أو من عرضت له سيئة فآخر ما يُتوقع من المسلم أن يجعل ذلك مثار تندُّرٍ واستهزاء.
الآفة الثالثة: التفاخر بالأنساب والأموال:
إن ممـا اتخــذه الإسـلام لحـمايـة وصـيانـة الأخـوّة بين المـسلمين، ومحو الفروق المصطنعة بينهم، توكيد التـكـافـؤ فـي الـدم والتســاوي فـي الحـق، وإشـعـار العـامة والخاصـة بأن التفـاخـر بالأنساب باطل؛ لأن أبوّة آدم جمـعت النـاس تحـت نسـب واحـد. وإن عـادة الاستعلاء بالنسـب عنـد العرب غلبـت في مجتـمعاتهم تعـاليم الإسلام ـ أحياناً ـ فكان ذلك من أسباب الإنفاق الخطير في ماضينا وحاضرنا.
الآفة الرابعة: عدم الاحتكام إلى شرع الله في علاقات الناس:
اعلم أخي أن العيش في ظل مجتمع يحكمه الإسلام هو الكفيل الوحيد لاستتباب الروابط بين أفراده واستقامة العلاقات بينهم؛ فالحب يكون لله، والبغض لله، والموالاة لله، والمعاداة لله، والإعطاء لله، والمنع لله ـ كما مر ـ ومن ثم التحاكم يجب أن يكون لله، قال ـ - تعالى -ـ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
الآفة الخامسة: ترك بعض ما أنزل الله:
يقـول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ - رحمه الله تعالى -ـ: «إذا ترك النـاس بعـض مـا أنـزل الله، جهلاً أو هوىً، وقعت بينهم العداوة والبغضاء؛ إذ لم يبقَ هنا حق جامع يشـتركون فيـه؛ بل تقـطعوا أمرهم بينهم زُبَراً، كل حزب بما لديهم فرحون»[34].
وهذه الآفات هي التي عبَّر عنها النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بحالقة الدين في قوله: «فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: هي تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين»[35].
وأختـم بكـلام جـميل وقـيم للمـودودي في رسالته: كيف السبيل إلى وحدة الأمة الإسلامية؟
«لست مبالغاً فيما أقول: إنه لا توجد نظرية، لا في القديم ولا في الحديث، توحد الإنسانية وتصلح أساساً للدولة العالمية إلا نظرية الإسلام.. والإسلام فقط. هذه هي المنهجية الوحيدة التي باستطاعتها أن تجمع بين الناس جميعاً، وتجعل منهم عائلة واحدة يتكون منها مجتمع عالمي وتنشأ عليها دولة عالمية، ولا يمكن للإنسان أن يلتقي مع أخيه على صعيد واحد وينشئ معه علاقات أخوية إلا حينما يشعر في قرارة نفسه بأن الله الواحد هو الذي خلقه، وبأنه مسؤول أمامه، وهو خالقه وخالق الناس جميعاً وربه ورب الناس كافة، خلقه والناسَ جميعـاً مـن مـادة بعـينها، ويسـري في عروقهـم دم واحـد، ولا فضل لأحد منهم على الآخر لكونه مولوداً من نطفة رجل كذا وكذا، ولا تظن امرأة كذا وكذا، بل الفضل أو الذل، والحسن أو القبح، برهان إلى ما يأتي في الإنسان في حياته من الأخلاق والأعمال، ولم يعرض الإسلام هذا المبدأ على الناس كمجرد نظرية أو فلسفة؛ بل إنه أقام على أساسه مجتمعاً حركياً ساوى فيه جميع البلاد والأجناس والأمم»[36].
وفي الختام نسأل الله - عز وجل - أن يجعلنا إخوة متحابين بجلاله، مستظلين بظله يوم لا ظل إلا ظله، وأن يجعل ما كتبْنا حجةً لنا لا علينا، وأن نكون بكلماتنا عاملين، ولجمع شمل المسلمين ساعين، ولإصلاح ذات البين مشمِّرين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
----------------------------------------
[1] فتح الباري (1/58).
[2] أخرجه مسلم.
[3] تفسير السعدي، ص 769.
[4] هـذه أخلاقنا حين نكون مسلـمين حقاً، لمحمود محمد الخزندار، الطبعة الخامسة، دار طيبة، ص 162 ـ 163.
[5] أخرجه البخاري برقم 678.
[6] فتح الباري (12/678).
[7] أخرجه البخاري برقم 678.
[8] متفق عليه من حديث أنس.
[9] فتح الباري (1/58). [10] شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، تحقيق د. محمد محمد تامر (1/641).
[11] أخرجه أبو داود (4/2062)؛ والترمذي (4/509).
[12] الأخوة، لجاسم بن محمد الياسين، ص (9 ـ 11) بتصرف.
[13] مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة، ط 1، ص 114.
[14] المصدر نفسه، ص (115).
[15] الأخوة، ص (17 ـ 18)، مرجع سابق، باختصار.
[16] أخرجه البخاري، برقم 6952.
[17] شرح رياض الصالحين، ص (642)، مرجع سابق.
[18] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (239)، وحسنه الألباني.
[19] صحيح الجامع الصغير، رقم (2601).
[20] مختصر منهاج القاصدين، ص (119)، مرجع سابق.
[21] المصدر نفسه، ص 120.
[22] موطأ مالك (2/908).
[23] صحيح الجامع رقم (7081).
[24] أخرجه مسلم برقم (88).
[25] هذه أخلاقنا، (166 ـ 168)، مرجع سابق، باختصار.
[26] الوفيات (4/48).
[27] متفق عليه.
[28] صحيح الجامع رقم (2539).
[29] صحيح الجامع رقم (5965).
[30] متفق عليه.
[31] صحيح الجامع رقم (5594).
[32] صحيح الجامع رقم (5603).
[33] أخرجه مسلم.
[34] الأخوة، ص (38 ـ 41)، مرجع سابق، باختصار.
[35] أبو داود؛ والترمذي، وقال: حديث صحيح.
[36] كيف السبيل إلى وحدة الأمة الإسلامية؟ للمودودي، ص 19.
ماجد علي حسن حبيب
المختار الاسلامي
الأخوة في الله ... ماجد علي حسن حبيب
